كيف صنعت التربية العلمية المبكرة أم الدرداء الصغرى عالمة؟
روى الذهبي، في «سير
أعلام النبلاء»، في ترجمة أم الدرداء الصغرى الحميرية(1)، عن ابن جابر
وعثمان بن أبي العاتكة: كانت أم الدرداء يتيمة في حجر أبي الدرداء، تختلف معه في
برنس، وتصلي في صفوف الرجال، وتجلس في حلق القراء تعلم القرآن، حتى قال لها أبو
الدرداء يومًا: «الحقي بصفوف النساء»(2).
يمثل هذا الخبر
المختصر مشهدًا من مشاهد التكوين الحضاري في المجتمع الإسلامي الأول؛ حيث لم تكن
التربية قائمة على حفظ المعلومات فقط، بل على صناعة الإنسان داخل بيئة إيمانية
وعلمية متكاملة، فشخصية أم الدرداء الصغرى تكشف كيف يمكن للرعاية الواعية أن تنقل
الطفل من دائرة الاحتياج إلى دائرة العطاء، ومن موقع التلقي إلى مقام التعليم
والتأثير.
وتحتاج قراءة
هذا الموقف إلى مراعاة سياقه التاريخي؛ فهو ينتمي إلى مرحلة مبكرة من تاريخ
الإسلام كان فيها المسجد مركزًا للعبادة والتعليم والقضاء والتوجيه الاجتماعي،
وكانت المشاركة في طلب العلم جزءًا من حركة بناء الأمة الناشئة.
كيف تساهم كفالة اليتيم في صناعة العلماء؟
لم يكن يتم أم
الدرداء الصغرى مجرد حالة تحتاج إلى الإحسان المادي، بل كان مشروع إنسان يحتاج إلى
التوجيه والتكوين، وهذا المعنى ينسجم مع قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ
لَّهُمْ خَيْرٌ) (البقرة: 220)، فالإصلاح أوسع من الإطعام والرعاية
الظاهرة، إذ يشمل بناء الشخصية وحفظ المستقبل.
لقد أدرك أبوالدرداء رضي الله عنه قيمة الاستثمار في الإنسان، فكان احتضان هذه الطفلة داخل
بيئة العلم والعبادة سببًا في تكوين شخصية تجاوز أثرها حدود حياتها الخاصة، فالكفالة
الحقيقية ليست أن يعيش اليتيم محفوظًا من الحاجة فقط، بل أن يُفتح له الطريق ليكون
عنصرًا فاعلًا في مجتمعه.
وهنا شاهد قريب
جدًا من المعنى نفسه؛ إذ لم تكتفِ أم الإمام الشافعي رحمه الله برعاية ابنها
اليتيم وتوفير حاجاته، بل دفعت به إلى طريق العلم، حتى نشأ طالبًا للمعرفة ثم تدرج
في ميادين متعددة من التعلم، فقد ذكر الشافعي من حاله: «كنت يتيمًا في حجر أمي،
ولم يكن لها ما تعطيني للمعلم»، ثم يذكر الذهبي مراحل نشأته وإقباله على الرمي
والعربية والشعر، ثم الفقه حتى «ساد أهل زمانه»(3)، فكما تجاوزت رعاية
أبي الدرداء رضي الله عنه ليتيمة أم الدرداء الصغرى مجرد سد الحاجة إلى بناء
الإنسان، كانت أم الشافعي تصنع من اليُتم بدايةً لمسار علمي امتد أثره في الأمة؛
ليبقى الاستثمار الحقيقي في اليتيم هو أن يُكتشف ما فيه من طاقة، ويُفتح له الطريق
ليبلغ غايته.
وهذا المعنى
شديد الحضور في واقع التربية المعاصرة؛ فكثير من المؤسسات تنجح في توفير
الاحتياجات الأساسية للأطفال، لكنها لا تنتقل دائمًا إلى مرحلة اكتشاف المواهب
وبناء القدرات العلمية والقيادية.
كيف صنعت البيئة المسجدية علماء صدر الإسلام؟
تكشف صورة أم
الدرداء الصغرى وهي تختلف مع أبي الدرداء إلى المسجد أن المسجد في المجتمع الأول
كان فضاءً تربويًا حيًا، تتشكل فيه الشخصية من خلال المشاهدة والممارسة والمخالطة
العلمية.
لم يكن العلم
عند الصحابة مجرد دروس نظرية، بل كان نمط حياة؛ يسمع الطفل القرآن، ويرى قيام
الناس، ويشهد مجالس العلماء، فيتكون داخله ارتباط بين المعرفة والسلوك.
والشاهد على هذا
المعنى ما وقع لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما وهو صغير؛ فقد لازم النبي صلى
الله عليه وسلم في المسجد والبيت، حتى قام ليلةً فصلى إلى جواره، فأخذ النبي صلى
الله عليه وسلم بيده وعدّل موقفه، فقال ابن عباس: «أتيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم من آخر الليل، فصليت خلفه، فأخذ بيدي فجرني حتى جعلني حذاءه»(4)، فكان
المسجد ومجلس النبي صلى الله عليه وسلم بيئةً يتعلم فيها ابن عباس بالمشاهدة
والممارسة، لا بمجرد التلقين، حتى دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالعلم والفهم،
وهكذا تحولت الملازمة والمخالطة إلى تكوين علمي وعملي مبكر، فكان ابن عباس بعد ذلك
من أعلام العلم والفقه في الأمة.
ولهذا جاءت
التربية النبوية قائمة على بناء الإنسان في بيئته العملية، لا على عزله عن مصادر
التكوين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»(5)،
وهو أصل في مسؤولية التربية والرعاية.
ومن هنا يظهر أن
البيئة المحيطة بالطفل قد تكون أعظم معلم له؛ فالمجتمع الذي يرى فيه العلم
محترمًا، والعبادة حاضرة، والقدوة حية، يصنع شخصية مختلفة عن مجتمع يفصل المعرفة
عن السلوك.
رحلة أم الدرداء الصغرى من التلقي للإمامة
أبرز ما يكشفه
هذا الخبر هو أن الطفولة ليست مرحلة انتظار فقط، بل مرحلة تأسيس، فقد كانت أم
الدرداء الصغرى في بدايتها تتلقى، ثم أصبحت لاحقًا من أهل العلم والتعليم حتى ذُكر
أنها كانت تجلس للتدريس ويقصدها أهل العلم.
وهذا التحول
يبين قاعدة تربوية مهمة؛ أن الإنسان لا يصبح مؤثرًا فجأة، وإنما تتراكم شخصيته عبر
سنوات من التكوين المبكر.
وقد ظهر أثر هذا
التكوين في تاريخ النساء العالمات في الإسلام؛ فعائشة رضي الله عنها أصبحت من كبار
رواة الحديث وفقهاء الصحابة، وكانت الشفاء بنت عبد الله ممن عُرفن بالعلم والتعليم،
فالمجتمع الذي يفتح أبواب المعرفة أمام الكفاءات لا يحرم نفسه نصف طاقته.
التوازن بين فتح المجال وضبط المسار التربوي
في قول أبي
الدرداء لها: «الحقي بصفوف النساء» يظهر نموذج دقيق للقيادة التربوية؛ فهو لم يبدأ
بمنعها من مجال التعلم، ولم يجعل التوجيه حاجزًا بينها وبين المعرفة، بل جاء
التوجيه في مرحلة انتقالية اقتضتها الأحكام والسنن الاجتماعية.
فالقيادة
الناجحة لا تقوم على المنع المجرد، ولا على الإطلاق غير المنضبط، وإنما تعرف متى
تفتح المجال ومتى تعيد تنظيم المسار.
ومن أوضح
الشواهد النبوية على هذا التوازن ما صنعه النبي صلى الله عليه وسلم مع الشباب في
الغزوات؛ فقد ردَّ يوم أُحد عددًا من الفتية لصغر سنهم، منهم سمرة بن جندب، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، وزيد بن ثابت، والبراء بن عازب رضي الله عنهم، ثم لم
يجعل صغر السن مانعًا دائمًا من المشاركة، فأجاز من بلغ خمس عشرة سنة يوم الخندق(6)،
فكان المنهج النبوي يجمع بين إتاحة الفرصة وحفظ الانضباط، فيُفتح الباب حين تتحقق
الأهلية، ويُمنع حين تقتضي المصلحة ذلك؛ وهي القيادة التربوية التي لا تغلق
الطريق، وإنما تضبطه حتى يأتي أوانه.
وهذا من أهم
الدروس في التربية الحديثة؛ فالمربي الناجح لا يلغي شخصية المتعلم، بل يرافق نموه،
ويغير أسلوب التعامل معه بحسب انتقاله من مرحلة عمرية إلى أخرى.
علم المرأة الإسلامي بين الكفاءة والضوابط الشرعية
تكشف قصة أم
الدرداء الصغرى أن حضور المرأة في المجال العلمي لم يكن فكرة طارئة، بل كان له
جذور في التجربة الإسلامية المبكرة، فقد كان معيار التقديم هو العلم والكفاءة مع
الالتزام بالضوابط الشرعية.
قال تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة: 11)،
فالرفعة هنا مرتبطة بالإيمان والعلم، وهما أصلان لا يختصان بجنس دون آخر
وتتجسد مكانة أمسلمة رضي الله عنها في هذا الجانب يوم الحديبية، حين لم يكن حضورها مجرد حضور في
المشهد، بل كان لرأيها أثر مباشر في تجاوز موقف بالغ الحساسية؛ فقد دخل عليها
النبي صلى الله عليه وسلم وذكر لها ما لقي من أصحابه، فأشارت عليه أن يخرج فينحر
هديه ويحلق رأسه، وألا يكلم أحدًا منهم، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فلما
رأى الصحابة فعله قاموا فنحروا وحلقوا(7)، فكانت مشورتها في لحظة دقيقة
سببًا في تحريك الجماعة نحو الامتثال، بما يؤكد أن العلم والحكمة قد يجعلان للمرأة
دورًا مؤثرًا في الإصلاح وصناعة الموقف، متى اجتمع ذلك مع الالتزام بالضوابط
الشرعية.
ومن واقع
المجتمعات اليوم يظهر أن نهضة التعليم لا تكتمل إلا بإعداد العلماء والمربيات
والباحثات، لأن صناعة المعرفة مسؤولية مشتركة بين أفراد الأمة.
كيف تبني المجالس الإيمانية وجدان الطفل المسلم؟
في هذا المشهد
جانب أدبي وروحي بالغ التأثير؛ طفلة يتيمة تحملها العناية إلى رحاب العلم، تتحرك
في فضاء المسجد، وتتشكل شخصيتها تحت نظر العلماء.
إنها صورة تختصر
معنى الحضارة؛ أن الإنسان الصغير قد يحمل مشروعًا كبيرًا إذا وجد البيئة التي
تكتشفه وترعاه.
ويأتي مشهد
السائب بن يزيد رضي الله عنه ليجسد هذا المعنى في بيئة النبوة نفسها؛ فقد ذهبت به
خالته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فمسح رأسه ودعا له بالبركة، ثم توضأ النبي صلى
الله عليه وسلم وشرب الغلام من وضوئه، وقام خلف ظهره يتأمل خاتم النبوة بين كتفيه(8)،
لم يكن هذا الغلام معزولًا عن مجالس الإيمان، بل كان حاضرًا فيها، يقترب من أهلها،
ويرى ويشاهد ويعيش تفاصيلها، لتصبح تلك الملازمة المبكرة جزءًا من تكوينه، وهكذا
كان الصغير يجد في رحاب المسجد ومجالس النبوة بيئة تفتح أمامه أبواب الإيمان
والعلم، وتمنح عمره المبكر ما يمكن أن يصنع منه إنسانًا يحمل مشروعًا كبيرًا.
ولهذا بقيت
أخبار السلف ليست مجرد ذكريات تاريخية، بل نماذج تفكير تساعد على فهم قوانين بناء
الإنسان.
تحويل التنشئة المبكرة إلى رسالة بناء حضاري
إن أعظم ما
يقدمه هذا الخبر للمربين اليوم أن بناء الشخصيات يبدأ مبكرًا، وأن الضعف الأولي لا
يعني ضعف المستقبل، فاليتيم قد يصبح عالمًا، والطفل الصغير قد يصبح صاحب أثر واسع،
إذا وجد الرعاية التي تجمع بين الرحمة والعلم والانضباط.
وفي زمن تتنافس
فيه المؤثرات على تشكيل عقول الناشئة، تصبح مسؤولية الأسرة والمؤسسات التعليمية
والمجتمع أن توفر بيئات تصنع المعرفة والقيم معًا، لا أن تكتفي بعلاج المشكلات بعد
وقوعها.
لقد كان أبو الدرداء يرعى طفلة، لكنه في الحقيقة كان يشارك في صناعة مستقبل علمي امتد أثره بعد ذلك سنوات طويلة؛ وهذه هي حقيقة التربية حين تتحول من مهمة يومية محدودة إلى رسالة حضارية.
الهوامش
- 1 أم الدرداء السيدة العالمة الفقيهة هجيمة -وقيل: جهيمة- الأوصابية الحميرية الدمشقية، وهي أم الدرداء الصغرى. روت علماً جماً عن زوجها أبي الدرداء، وعن سلمان الفارسي، وكعب بن عاصم الأشعري، وعائشة، وأبي هريرة، وطائفة. وعرضت القرآن وهي صغيرة على أبي الدرداء، وطال عمرها، واشتهرت بالعلم والعمل والزهد. حدث عنها جبير بن نفير، وأبو قلابة الجرمي، وسالم بن أبي الجعد، ورجاء بن حيوة، ويونس بن ميسرة، ومكحول، وعطاء الكيخاراني، وإسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، وزيد بن أسلم، وأبو حازم الأعرج، وإبراهيم بن أبي عبلة، وعثمان بن حيان المري.
- 2 سير أعلام النبلاء، ج4، ص278.
- 3 المرجع السابق، ج4، ص6 و10.
- 4 البداية والنهاية، ج9، ص82.
- 5 متفق عليه.
- 6 سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم المعروفة بسيرة ابن هشام، ج3، ص38.
- 7 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون، ج2، ص49.
- 8 اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون، ج2، ص90.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً