كيف نربي أبناءنا في زمن الفتن؟ دروس من وصايا لقمان الحكيم

محمد الحداد

25 فبراير 2026

468

قال الله عز وجل: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (البقرة: 269)، وقد ورد في تعريف الحكمة أقوال، منها أنها: الإصابة في القول والفعل، وأنها القرآن والفقه به، وأنها العلم بالدين، وأنها الفهم، وفسرها بعض السلف في تفسير آية (12) بسورة «لقمان» أنها خشية الله أو أنها النبوة، وأرجعها الطبري إلى المعنى اللغوي بأنها مأخوذة من الحُكْم وفصل القضاء والإصابة، وبالتالي يدخل في مضمونها جميع الأقوال السابقة (جامع البيان للطبري، 579/ 5).

وقد تفضَّل الله عز وجل على لقمان عليه السلام فآتاه الحكمة، قال الله عز وجل: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (لقمان: 12)، وقدّ خلَّد الله تعالى ذكره عليه السلام وحِكَمه حتى إن المسلمين يتلونها في القرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار، وقد احتوت على وصايا لابنه فيها جماع الأخلاق الرفيعة، وهذه تأملات حول تلك الحِكم.

الحكمة الأولى: التوحيد أولًا:

قال الله عز وجل على لسان لقمان: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: 13).

فإن التوحيد هو الأصل، والقاعدة التي يتكئ عليها كل تشريع صالح، فهو مبدأ صدور الأخلاق، وبه -وبه فحسب- تُقبل عند الواحد عز وجل، وقد عُبِّر عن مضاده (الشرك) بأنه «ظلم عظيم» بما يُفهم منه أنه منتهى ظلم الإنسان لنفسه، فإنه يضيع عليها العقل ويذهب إلى السفه (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ) (البقرة: 130)؛ وملة إبراهيم هي التوحيد، ويضيع عليها سبب قبول الأعمال؛ فإن الله عز وجل لا يقبل عملًا فيه إشراك به مع غيره؛ (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (الكهف: 110)، ولذا بدأت الوصايا بالتوحيد.

الحكمة الثانية: الوصية بالوالدين:

(وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ {14} وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (لقمان).

ولما ذكر لقمان الحق الأعظم وهو حق الله المنعم عز وجل في شكره بتوحيده ونبذ الشرك به؛ أتبع ذلك بأولى حقوق العباد وهو حق الوالدين في الشكر على معروفهما، وأوجب مصاحبتهما بالمعروف في أشد ما قد يفعلانه من إثم تجاه الولد وهو جهاده على الشرك، بما يفهم منه أن تلك المصاحبة لا يجب أن تزول فيما هو أقل من ذلك.

الحكمة الثالثة: العلم بعلم الله وعدله ولطفه:

(يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) (لقمان: 16).

فإن الله مجازي عباده بالحسنات والسيئات ولو دقَّت فكانت مثل حبة من خردة متناهية في الصغر متخفية في جبل، فكيف يخشى عبد عمِل الصالح أن يفوت جزاءه، أو آخر عمِل الطالح ألا يعلم به ربه الخبير؟! وتلك الوصية مما تُعظِّم في النفوس علم الله وعدله ولطفه بعباده، وتدفع إلى مراقبته والرجاء منه والخوف، فيستقيم العبد عظيم الاستقامة بذلك.

الحكمة الرابعة: تعظيم قدر الصلاة:

(يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ) (لقمان: 17)؛ وهي عبادة جميع الأنبياء والصالحين، وهي الحاوية لمضامين سائر العبادات الأخرى، فاختصت بالوصية قبل غيرها، وهي الناهية عن الفحشاء والمنكر مما سيُنهى عنه في تلك الآيات، فكل ما سيُوصى به فهو ملحق بها.

الحكمة الخامسة: تحمل المسؤولية الاجتماعية:

(وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (لقمان: 17)؛ فإن الصلاح في نظر الدين القويم لا يكمن في استقامة الفرد وحده، بل بتحمل المسؤولية الاجتماعية في نشر الصلاح ودفع الفساد بالدعوة إلى الله عز وجل والمداومة عليها، ومعلوم أن الخيرية العامة لا تُكتسب إلا بشيوع هذه الشعيرة العظيمة -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- فهي الضامن لدوام صلاح المجتمع، بخلاف ما لو ارتبط الصلاح بشخص قد يموت أو يغفل أو يتبدل حاله.

الحكمة السادسة: البلاء قدر المؤمن:

(وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (لقمان: 17)؛ ولما وصَّى لقمان عليه السلام ابنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أردف ذلك بالوصية بالصبر؛ بما يفهم منه أن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يخلو من بلاء، وهذا المعنى كما هو ثابت في الشرع فهو ثابت كذلك بالمشاهدة، فلم يزل الصالحون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر في بلاء وعداء من أعداء الصلاح، وذلك من اختبار الله عز وجل لهم هل يثبتون على تلك الاستقامة أم لا؛ لذا كانت الوصية بالصبر في موضعها؛ بل ولم يتأخر ذكرها في آية أخرى؛ بل كانت رديفة للوصية الأولى في نفس الآية.

الحكمة السابعة: الدين المعاملة:

فالدين هو طريقة العيش، لا العقائد فحسب، بل لا يُتصور وجود العقائد من دون أن تصبغ الحياة بلونها، ولذا جاءت التشريعات عمومًا والمعاملات خصوصًا لازمة للعقائد منظمة لحياة الناس مذيعة فيهم الصلاح.

ومن تلك الوصايا الجليلة وصايا تتعلق بمعاملة الخلق، أولها ترك الكبر؛ (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) (لقمان: 18)؛ فالمستكبر يبغضه الله عز وجل ويبغضه الخلق، فلا خير فيه ينفع به نفسه، ولا خير منه يتعدَّى إلى الناس، بل هو ممقوت مرفوض في وسطهم.

ثم أتبع ذلك بالوصية بالتواضع؛ (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) (لقمان: 18)، وأعظم ما يدفع لذلك هو تتبع محاب الله عز وجل واجتناب مساخطه، فقال مرغبًا في التواضع ناهيًا عن الاختيال والفخر: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان: 18).

ثم وصَّى بالاعتدال (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) (لقمان: 19)، وهذا يشمل التوسط في الأمور كلها، وفيه استقرار النفس والبعد عن الشطط، وهو سيما التوازن في الحياة كلها، ثم أوصى بالبعد عن الصخب؛ (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) (لقمان: 19)، وتلك عادة النفوس السوية المرضية المقبولة في السماء والأرض.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة