أنفاس الوحي (13)
كيف رسم البيان القرآني معالم الإصلاح؟
ليس كل من رفع
راية الإصلاح كان مصلحًا، وليس كل من أكثر الحديث عن هموم الناس كان صادقًا في
حملها؛ لأن معالم الإصلاح في المنظور القرآني لا تبدأ من المنابر، وإنما تبدأ من
الضمير، ولا تقوم على البلاغة اللفظية بقدر ما تقوم على صدق النية، وسعة البصيرة،
وحسن الصلة بالله، لذلك جاءت كلمة نبي الله شعيب -عليه السلام- مختصرة في ألفاظها،
عظيمة في دلالاتها، حتى غدت دستورًا خالدًا لكل من أراد أن يعرف معالم الإصلاح
ويسلك طريقه: (إِنْ أُرِيدُ
إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ) (هود:
88).
وليس من قبيل
المصادفة أن تبنى هذه الآية على نسق بلاغي بالغ الدقة؛ إذ افتتحت بأسلوب القصر: (إِنْ
أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ)، وهو من أقوى أساليب الحصر في العربية؛ لأنه ينفي
جميع المقاصد الممكنة، ثم يثبت مقصدًا واحدًا لا يزاحمه غيره، فكأن شعيبًا -عليه
السلام- يخلع عن قلبه كل تهمة يمكن أن يلصقها به قومه؛ فهو لا يطلب زعامة، ولا
ينازعهم سلطانًا، ولا يسعى إلى مكسب شخصي، وإنما اختزلت إرادته كلها في كلمة
واحدة: الإصلاح.
وهنا يبرز سرٌّ
بلاغي آخر؛ إذ لم يقل: إني أصلح، وإنما قال: (إِنْ أُرِيدُ)، فالتعبير القرآني لم
يعلّق قيمة الإنسان على النتائج، وإنما على صدق الإرادة؛ فقد يحول بين المصلح وبين
ثمرة عمله مانع، وقد يلقى الرفض أو الأذى أو سوء الفهم، لكنه لا يفقد شرف المحاولة
ما دام قصده خالصًا لله جلّ وعلا.
غير أن الآية لم
تترك هذه الإرادة مطلقة، بل علقتها بقيد بالغ الدقة هو قوله: (مَا اسْتَطَعْتُ)، وهذا
القيد ليس فضلةً في التركيب، وإنما هو محور البناء كله؛ لأنه يربط الإرادة بحدود
الطاقة البشرية، ويمنع المصلح من الوقوع بين طرفين متقابلين: اليأس الذي يقعده عن
العمل، والغرور الذي يجعله يتوهم أنه قادر على إصلاح العالم دفعة واحدة، فكأن
الجملة المعلقة بالفعل (أُرِيدُ) تقول: إن الإخلاص وحده لا يكفي، بل لا بد أن
يتحول إلى عمل واقعي في حدود الاستطاعة، فالقرآن لا يبني الحالمين، وإنما يبني
العاملين.
ثم تأتي القفلة
القرآنية المدهشة: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ)، لتؤسس قصرًا ثانيًا يقابل
القصر الأول، فإذا كان الأول قد حصر الغاية في الإصلاح، فإن الثاني حصر مصدر
النجاح في الله، وبين القصرين تتكشف معالم الإصلاح وتتشكل شخصية المصلح الرباني:
مقصده الإصلاح، وحدود عمله الاستطاعة، وثقته كلها بالله.
إن هذا التدرج
ليس ترتيبًا لفظيًا فحسب، بل هو سلم تربوي؛ يبدأ بتطهير النية، ثم بضبط الوسائل،
وينتهي بتجريد القلب من رؤية نفسه، ولهذا انتقل السياق من: (أُرِيدُ)، إلى: (اسْتَطَعْتُ)،
ثم إلى: (وَمَا تَوْفِيقِي)، في حركة بيانية تجعل الإنسان مسؤولًا عن السعي،
مجردًا من دعوى الفضل، متعلقًا بربه في كل خطوة.
هكذا تتحول معالم الإصلاح لنماذج حية
وهذا البناء
القرآني لا يبقى حبيس المعنى النظري، بل يظهر أثره حين يتحول إلى نماذج بشرية
حيّة، ومن أقرب هذه النماذج ما نراه في سيرة موسى عليه السلام؛ إذ كانت غيرته على
المظلوم عظيمة، حتى اندفع لنصرته قبل البعثة، لكن حرارة العاطفة وحدها لم تكن
كافية لصناعة الإصلاح، ومن هنا بدأت مدرسة التهذيب الإلهي، فرباه الله في الابتلاء
سنوات طويلة، حتى عاد إلى فرعون لا يحمل مجرد غضب على الظلم، بل يحمل رسالة،
ووحيًا، وصبرًا، وبصيرة، والأعجب أن الله، وهو يرسله إلى أكثر الطغاة تجبرًا، لم
يأمره بالشدة، وإنما قال: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا)، وهنا تتضح الصلة بين
الآية الأولى وهذا المشهد؛ فالمصلح في القرآن لا ينتصر بانفعال اللحظة، وإنما
بحكمة الكلمة؛ لأن الغاية ليست كسر الخصم، بل إنقاذ الإنسان.
وإذا كان هذا هو
الدرس الذي يقدمه القرآن في قصة موسى عليه السلام، فإن السيرة النبوية تأتي لتؤكد
المعنى نفسه وتوسعه في واقع أشمل، فبعد أن اكتملت أسباب القوة لرسول الله صلى الله
عليه وسلم في فتح مكة، كان يستطيع أن يرد على الأذى بمثله، وأن يفتح صفحة النصر
على حساب الخصومة القديمة، لكن الإصلاح لا يعرف الانتقام حين يغلب الهوى، لذلك وقف
أمام الذين أخرجوه وحاربوه وقال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء).
من مدرسة النبوة الأولى إلى رواندا
وهنا ينتقل المعنى من مدرسة النبوة الأولى إلى
التطبيق العملي في السيرة؛ إذ أدرك النبي صلى الله عليه وسلم أن المجتمع لا يعاد
بناؤه بالأحقاد، وإنما بالعفو الذي يفتح بابًا جديدًا للحياة، ولم يكن ذلك ضعفًا،
وإنما قمة القوة؛ لأن أقوى الناس من يملك نفسه حين يقدر على خصمه.
ومن السيرة
النبوية يمتد هذا المعنى إلى التجارب الإنسانية المعاصرة، حين تتقدم الحكمة على
الثأر، ويُختبر الناس في قدرتهم على كسر دائرة الدم، ففي أعقاب المأساة التي
عاشتها رواندا سنة 1994، كان المتوقع أن تستمر دوامة العنف عقودًا طويلة، غير أن
كثيرًا من قادة المجتمع اختاروا طريقًا أشق من الانتقام، وهو طريق العدالة
والمصالحة، ولم يكن ذلك تنازلًا عن الحقوق، بل محاولة لإحياء وطن كاد أن تبتلعه
الثارات.
فقد أدركوا أن
الأوطان لا يعيد بناءها المنتصرون في المعارك، وإنما المصلحون الذين يملكون شجاعة
إخماد نار الكراهية، وهي قيمة يلتقي فيها العقل الإنساني مع الهداية القرآنية، وإن
اختلفت المنطلقات.
وعندما نجمع هذه
الشواهد بعضها إلى بعض، يتبين أن معالم الإصلاح وأصوله في القرآن ثلاثة: إخلاصٌ
يطهّر القصد، واستطاعةٌ تضبط العمل، وتوكلٌ يردّ الأمر كله إلى الله، فإذا استقامت
هذه الأركان، صار الإصلاح عبادةً قبل أن يكون مشروعًا، ومسؤوليةً قبل أن يكون
شعارًا، وفي واقعنا المعاصر يبدأ ذلك من بيتٍ يُصلح أهله بالرفق، ومدرسةٍ تُربي
على العدل، ومؤسسةٍ تُقدّم الكفاءة على المحاباة، ومنصةٍ تُنشر فيها الكلمة
النافعة بدل التحريض والخصومة؛ فهناك يظهر الإصلاح في السلوك اليومي، لا في
العناوين الكبيرة، فالمصلح الحق لا يطلب أن يُصفَّق له، بل أن يُثمر أثره، ولا يثق
بنفسه، بل بربه، ولا ييأس من قلة الحيلة ما دام يعمل بما يستطيع.
أصلح قلبك،
يبارك الله أثرَك.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً