أنفاس الوحي (10)

هندسة العدالة الإلهية.. رؤية بيانية في «مثقال ذرة»

حمدية الجوراني

22 فبراير 2026

291

في لحظةٍ من لحظات السكون التي يختبر فيها الإنسان هشاشة وجوده، تتردّد الآية في داخله كصوت من وراء الغيب: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ {7} وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) (الزلزلة).

إنها آية لم تُنزَّل لتخيف فقط، ولا لتواسي فقط، بل لتؤسّس في النفس ميزانًا ربانيًا يُعيد ترتيب العالم من داخله؛ كلّ صغيرٍ محسوب، وكلّ خفيّ مكتوب، وكلّ ما نظنّه يضيع محفوظ.

هذه الآية ليست «مبدأ محاسبة» فحسب؛ إنها بوصلة وجودية تُقيم علاقة العبد بالزمن والموت والعمل والذات في رباط واحد.

التحليل البلاغي والأسلوبي

1- التقديم بـ«مَن» الشرطية: اختيرت «مَن» لأنها عامة تشمل كلّ إنسان: ملكًا كان أو ضعيفًا، عالمًا أو جاهلًا.

الشرط هنا يفتح باب المسؤولية للجميع دون استثناء، وهذا من أبلغ أساليب العموم.

2- الفعل المضارع «يعمل»: المضارع يدلّ على التجدد والاستمرار؛ والمعنى: ليس الجزاء على عمل قديم فقط، بل كلّ لحظة عمل تتجدّد تكتب مصير صاحبها.

وجاء الفعل بصيغة المضارع هنا، لإفادة تجدّد الفعل وتكرّره في حياة الإنسان.

3- «مثقال ذرة» صورة بلاغية في أقصى درجات التجسيم: استعانت الآية بأدقّ وحدة تُعرف عند العرب (الذرّة، الغبار الضئيل الذي يُرى في شعاع الشمس) لتجسّم ضآلة العمل، ومع ذلك فهو مرصود.

فهذا التجسيم يجعل القارئ «يرى» وزن العمل، لا أن يتصوّره فقط.

4- «خَيْرًا» و«شَرًّا».. تنكير يفيد التهويل والتعظيم: نُكِّرا لعدة وظائف بلاغية:

  • التعظيم: مهما كان الخير صغيرًا فهو عند الله عظيم.
  • التهويل: مهما كان الشر حقيرًا فهو خطير في ميزان العدالة.
  • التعميم: يشمل كل أنواع الخير والشر دون تحديد.

5- تكرار «يره» مرتين: الإعادة ليست تكرارًا لفظيًا، بل تثبيتًا لقاعدة العدالة الكلية: «لن يضيع خير، ولن يفلت شر»، وفي هذا التوازي بين الشطرين بلاغة «المقابلة» التي ترسّخ الفكرة في النفس.

6- استخدام الفعل «يَرَهُ» بدل «يُجزَ به» أو «يُحاسَب عليه»: «يرَهُ» أكثر بلاغة؛ إذ يجعل الجزاء مشاهدة بصرية، وكأن الإنسان أمام شاشة يُعرض عليها شريط حياته. وهذا من أقوى الأساليب التي تربط العمل بالتصوّر الحسيّ للجزاء.

شواهد من السيرة النبوية

1- ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اتَّقوا النَّارَ ولو بشِقِّ تمرة»؛ هذا الحديث يُفسّر الآية عمليًا: شقّ التمرة يساوي «مثقال ذرة» في ميزان البشر، لكنه في ميزان الله نجاة.

2- وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تحقرنّ من المعروف شيئًا».

3- قصة الرجل الذي سقى كلباً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا فنزل فيها، فشرب، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي، فنزل البئر، فملأ خفه ماءً، ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له» (رواه مسلم).

دلالة الشاهد: عمل صغير جدًا لمخلوق لا يملك لسان شكر، لكنه بلغ عند الله مثقال ذرة؛ فكانت سبب المغفرة.

4- قصة بغيّ بني إسرائيل التي سقت الكلب: قال صلى الله عليه وسلم: «غُفِر لامرأة مومسة لسقيها كلبًا» (رواه البخاري).

دلالة الشاهد: حتى من غلب على حياته الشر، فإن الله لا يضيع ذرة خير.

5- رجل نحّى غصن شوك عن الطريق: قال صلى الله عليه وسلم: «لقد رأيتُ رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس» (رواه مسلم).

دلالة الشاهد: خدمة الناس ولو بغمسة يد على الطريق يظهر أثرها.

شواهد تربوية من الواقع

1- ابتسامة صنعت مصيرًا: ذكر بعض الدعاة أن شابًا هداه الله بسبب ابتسامة رجلٍ في المسجد ضرب كفه على كتفه وقال له: «مرحباً بك يا بني، المسجد بيتك»، فتغير قلبه، وصار من أهل القرآن (مجرد ذرة من اللطف بدّلت حياة).

2- موقف مربية جامعية: طالبة يتيمة كتبت في ورقتها: «أول مرة أشعر أن أحدًا يراني» بعد كلمة لطيفة من أستاذة (هذا هو مثقال الذرة الذي يغيّر وعياً، ويضمّد شعورًا، ويُكتب في صحيفة العمل).

الأثر التربوي للآية

  • يقظة الضمير: لا عمل يضيع، إذن لا مبرّر لليأس ولا للغرور، والخير الصغير ذو أثر كبير.
  • المسؤولية الفردية: كل خطوة محسوبة، كل كلمة مسجّلة. والإنسان صانع قدره بيده.
  • توازن النفس بين الخوف والرجاء: الآية تجمع بينهما في بناء أخلاقي واحد؛ ترهبك من الشر، وتفتح لك باب الرجاء في الخير.
  • التذكير بالموت دون ترهيب فارغ: لأن الموت ليس نهاية، بل لحظة رؤية (يره)، والإنسان يرى حصاد عمره كما هو، لا كما يتوهم.
  • تعميق العدالة الإلهية في الوعي: فلا ظلم، ولا محاباة، ولا خسارة لمن كان يعمل في الخفاء.

هكذا تُصبح هذه الآية المباركة مرآة العمر: كلّ ما تمرّ به، كل ما تُخفيه، كل ما تنساه– محفوظ.

والموت ليس انقطاعًا، بل لحظة انكشاف لما كان يُكتب بصمت.

وحين يفهم القلب هذا القانون الرباني؛ فإنه لا يستخفّ بذرة خير، ولا يستهين بذرة شر.

 


اقرأ أيضاً:

بين الابتغاء والنسيان.. هندسة التوازن البشري في سحر البيان القرآني

خلف أستار اللغة.. الحكمة من تنوع ألفاظ التوبة في القرآن 

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة