أنفاس الوحي (12)

قراءة أسلوبية تربوية في آية الجدل وقصة موسى والخضر

قراءة أسلوبية تربوية في آية الجدل وقصة موسى والخضر

تمثل آية الجدل في سورة «الكهف» مفتاحًا دلاليًا مهمًا لفهم جانب من سنن التربية القرآنية في بناء الإنسان؛ إذ تكشف عن العلاقة المتوترة بين اتساع البيان الإلهي ومحدودية الإدراك البشري، وتعرض إحدى القضايا الملازمة للتجربة الإنسانية، وهي ميل النفس إلى الاعتراض على ما لم تنكشف حكمته بعد.

ومن هنا جاءت قصة موسى والخضر في سياق السورة لا بوصفها سردًا تاريخيًا مجردًا، بل بوصفها تجسيدًا عمليًا للحقيقة التي قررتها الآية، ومساحة تربوية ينتقل فيها الخطاب القرآني من تشخيص الجدل إلى بناء الصبر، ومن تفسير الظاهرة إلى معالجة جذورها النفسية والمعرفية.

يقول الله تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) (الكهف: 54).

تقوم الآية على مقابلة أسلوبية دقيقة بين طرفين متقابلين: فعل إلهي متجدد يتمثل في قوله: "صَرَّفْنَا"، ووصف إنساني راسخ يتمثل في قوله: "وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا".

فالفعل (صرّفنا) جاء بصيغة التفعيل الدالة على التكثير والتكرار، وهي صيغة تتناسب مع طبيعة البيان القرآني الذي لا يقتصر على طريق واحد في الإقناع والهداية، بل يتنقل بين الأمثال والقصص والمشاهد والمواعظ، ويخاطب العقل والقلب والوجدان في آن واحد. وكأن الخطاب الإلهي يطوف بالإنسان من جميع مداخل نفسه؛ لئلا يبقى له عذر في الإعراض أو حجة في الغفلة.

وفي المقابل جاء الحديث عن الإنسان في صورة جملة اسمية تفيد الثبوت والرسوخ، بما يوحي أن الجدل ليس سلوكًا عارضًا، بل نزعة متكررة تظهر كلما واجه الإنسان أمرًا يجاوز حدود علمه أو يصطدم بمألوفاته الذهنية.

ومن دقائق التعبير القرآني أن الآية لم تقل: وكان الإنسان أكثر شيء سؤالًا، لأن السؤال قد يكون طريقًا إلى المعرفة، ولم تقل: أكثر شيء تفكيرًا، لأن التفكير مطلوب في أصل التكليف؛ وإنما اختارت لفظة "جدلًا"؛ لما تحمله من إيحاء بالمقاومة والمنازعة والالتواء.

فالجدل في أصل الاستعمال اللغوي مأخوذ من جدل الحبل؛ أي إحكام فتله وشدة لَيِّه، وكأن اللفظة ترسم صورة نفسية للإنسان حين يلتف حول الحقيقة بدل أن يتجه إليها مباشرة. ومن هنا تتجاوز الآية مجرد الإخبار عن طبيعة بشرية إلى تشخيص إحدى العقبات الكبرى في طريق الهداية؛ إذ لا تكمن المشكلة دائمًا في غياب البرهان، بل قد تكمن في مقاومة النفس للبرهان حين لا يوافق ما ألفته أو اعتادته.

من التقرير إلى التجسيد

وعقب هذا التشخيص مباشرة تنتقل السورة إلى قصة موسى والخضر، وكأنها تقدم تطبيقًا عمليًا لما قررته الآية نظريًا.

فالسياق لا ينتقل من موضوع إلى موضوع آخر، وإنما ينتقل من القاعدة إلى المثال، ومن التقرير إلى التجسيد.

لقد عرضت الآية صورة الإنسان في إطلاقها العام، ثم جاءت القصة لتجسد تلك الصورة في موقف إنساني حي.

ومن هنا تكتسب شخصية موسى عليه السلام دلالة تربوية بالغة؛ إذ لم يختر القرآن إنسانًا عاديًا ليكون طرفًا في هذه التجربة، بل اختار نبيًا من أولي العزم؛ ليبين أن محدودية الإدراك ليست نقصًا في الإيمان، وإنما هي جزء من الطبيعة البشرية حين تقف أمام الغيب.

ويتجلى ذلك من خلال التدرج الأسلوبي في الاعتراضات الثلاثة:

  • {أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا}.
  • {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً}.
  • {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا}.

ولا تبدو هذه الاعتراضات مجرد مواقف متفرقة؛ بل تمثل مراحل متدرجة لاستجابة النفس أمام ما تعجز عن تفسيره؛ فالاعتراض الأول ولد من صدمة الحدث، والثاني صدر من منطلق أخلاقي يرى الفعل من زاوية ظاهره، أما الثالث فجاء من زاوية المصلحة والحساب البشري المعتاد.

وفي كل مرة يتكرر جواب الخضر: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا}.

الصبر أداة معرفية

من اللافت أن الخضر لم يربط الأمر بالفهم أو الذكاء أو العلم، وإنما ربطه بالصبر، ذلك يكشف أن القضية المركزية في القصة ليست نقص المعرفة؛ بل استعجالها؛ فبعض الحقائق لا تُمنح دفعة واحدة، وبعض الحكم لا تُدرك إلا بعد اكتمال سياقها، ولذلك أصبح الصبر في هذه القصة أداة معرفية قبل أن يكون خلقًا سلوكيًا.

وهنا تتكشف العلاقة العميقة بين آية الجدل وقصة موسى والخضر؛ فالجدل يمثل استعجال النفس للحكم على الأشياء قبل اكتمال صورتها، بينما يمثل الصبر القدرة على تأجيل الحكم حتى تنكشف أبعاد المشهد.

ومن ثم فإن السورة تنتقل بالقارئ انتقالًا تربويًا بديعًا من قوله تعالى: {وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} إلى قوله: {إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا}. وكأنها ترسم طريق العلاج بعد تشخيص الداء.

في رحاب السيرة النبوية

ولا يقف هذا النسق التربوي عند حدود القصة، بل يمتد إلى السيرة النبوية نفسها؛ فعندما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، تأخر نزول الوحي أيامًا، وكان ظاهر الموقف انتظار جواب، غير أن باطنه كان تربية على معنى أعمق؛ إذ نزل قوله تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً {23} إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ) (الكهف)؛ فقد سبق بناء المنهج تقديم المعلومة، وسبق تهذيب النفس كشف الجواب.

ولم يكن المقصود الإجابة عن السؤال فحسب، بل تعليم الأمة أن المعرفة نفسها ينبغي أن تُبنى على الافتقار إلى الله والتسليم لمشيئته.

ويتكرر المعنى ذاته في حادثة الإفك؛ إذ تأخر نزول البراءة مع أن القدرة الإلهية قادرة على حسم الأمر من أول لحظة، غير أن الحكمة اقتضت أن تُربّى الجماعة المؤمنة على التثبت، وأن تنكشف مكنونات النفوس، وأن يُبنى وعي الأمة قبل نزول الحكم الفاصل.

ومن هنا يتبين أن تأخير البيان في بعض المواطن ليس فراغًا من الحكمة؛ بل هو جزء من الحكمة ذاتها.

وإذا انتقلنا إلى الواقع المعاصر وجدنا أن الإنسان ما يزال يعيش الأزمة نفسها التي كشفت عنها آية الجدل.

فكم من مبتلى أراد أن يعرف حكمة ابتلائه قبل أن تنقضي أيامه!

وكم من باحث استعجل ثمار جهده قبل اكتمال أسبابه!

وكم من والد وقف أمام فقد عزيز عليه متسائلًا عن سر ما جرى!

إن الإنسان بطبيعته يرى جزءًا من المشهد، بينما تتعلق الحكمة الإلهية بالمشهد كله.

ولهذا لا تقدم قصة موسى والخضر تفسيرًا لكل ألم بقدر ما تقدم منهجًا للتعامل مع الألم، ولا تكشف سر كل حدث بقدر ما تعيد تشكيل علاقة الإنسان بما يجهله من الأحداث.

وهنا تبلغ التربية القرآنية غايتها؛ إذ تنتقل بالنفس من مطالبة الحكمة بالظهور الفوري إلى الثقة بوجودها وإن تأخر انكشافها.

وبذلك يتحول القرآن من كتاب يصف الإنسان إلى كتاب يبني الإنسان، ومن خطاب يكشف الحقائق إلى خطاب يربي على كيفية تلقيها. وتلك إحدى الدلالات العميقة لأنفاس الوحي؛ إذ لا يكتفي البيان الإلهي بإرشاد العقل إلى الحق، بل يهيئ النفس للسير إليه، ويعلمها أن الصبر ليس انتظار انكشاف الحكمة فحسب، بل الثقة بها قبل انكشافها.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة