في الجزء الثالث من الحوار..

د. محمد أكرم الندوي يحكي رحلة العلم والدفاع عن الهوية

د. محمد أكرم الندوي يحكي رحلة العلم والدفاع عن الهوية

في هذه الحلقة الثالثة من حوارنا مع د، محمد أكرم الندوي، نتابع محطات رحلته العلمية، لنقف عند تجربة فارقة نقلته من أروقة «ندوة العلماء» في الهند إلى البيئة الأكاديمية في لندن وأكسفورد، حيث واجه تحديات الغربة، وانفتح على آفاق معرفية وفكرية جديدة، جعلته أكثر وعيًا بمسؤولية الدفاع العلمي عن الإسلام والتمسك بالهوية.

  • ماذا أضافت إليكم لندن في مسيرتكم العلمية؟

- أما لندن، وما يتصل بها من بيئة أكسفورد العلمية، فقد كانت في حياتي منعطفًا حاسمًا، لا يقل أثرًا عن ذلك المنعطف الأول الذي عرفتُه في «ندوة العلماء»، بل إنها نقلتني من طور التكوين إلى طور الامتحان، ومن الاطمئنان إلى ما يشبه القلق المنتج الذي يوقظ العقل ويشحذ الهمة.

ابتُعثتُ في يناير 1991م، إلى أكسفورد زميلًا باحثًا في مركز الدراسات الإسلامية، بإشارة كريمة من شيخي أبي الحسن الندوي، فنزلت هذه الدار الغريبة وأنا أحمل زادي القديم من العلم، وأحمل معه حنينًا لا يفارقني إلى دار العلوم الأولى، فكأن القلب كان موزعًا بين موطن يسكنه وموطن يسكن فيه.

وعشتُ في هذه البيئة الجديدة حياة متقلبة، تتنازعها حالتان؛ غربة موحشة تكاد تصرفني عن لذة كل شيء، وانكشاف معرفي رحب يفتح أمامي آفاقًا لم أكن أعرفها من قبل، فأجد في نفسي سكونًا ورضًا، كنت أحضر المحاضرات والندوات، وأقرأ كتب الفلاسفة المحدثين، وأتصفح بحوث المستشرقين، فإذا بي أُلقى في معترك فكري واسع لا مكان فيه للركون أو الغفلة، بل لا بد فيه من يقظة دائمة، ودفاع واعٍ عن الدين، وعن القرآن والسُّنة، وعن السيرة النبوية وتاريخ الإسلام.

وهنا أحسست بأن العلم الذي تلقيته لم يكن غاية في ذاته، بل كان عُدّة لهذا الامتحان؛ إذ رأيت نفسي مثقلًا بمسؤولية البيان والذبّ، لا في صورة انفعالية، بل في صورة علمية رصينة، تخاطب العقول بلغتها، وتوازن بين الحجة والحجة.

ولم تخلُ هذه التجربة من امتحان نفسي دقيق؛ فقد ظننت في أول أمري أن الشهادات الجامعية الحديثة وحدها المعترف بها في هذا العالم، فداخلني شيء من الحرج، كأنني أقف بين قوم أوتوا نورًا لم أُؤته، غير أن هذا الشعور لم يلبث أن زال حين تكشف لي، من خلال التجربة والمعاشرة، أن قيمة الإنسان إنما تكون بما يحمل من علم ومعرفة، لا بما يحمل من ألقاب وأوراق.

وسرعان ما أدرك زملائي ما عندي من رسوخ في العربية والفارسية، ومن إحاطة بالعلوم الإسلامية، فازداد تقديرهم، وعجبت من عنايتهم بالجوهر دون المظاهر، فخف في نفسي الالتفات إلى الشكليات، وقوي الاعتداد بالعلم الحقيقي.

ومن جهة أخرى، رأيت طائفة من شباب المسلمين قد انسلخوا عن أزيائهم وثقافاتهم، يحاولون الذوبان في بيئة ليست منهم، ولا هم منها في كل شيء، فكان ذلك باعثًا لي على مزيد من التمسك بديني وهويتي، لا تعصبًا أعمى، بل وعيًا بأن الأصالة لا تنافي الانفتاح، وأن الثبات على الأصول هو الذي يتيح للإنسان أن يتحاور مع غيره وهو ثابت القدم.

ولهذا وثقت صلتي بالمساجد، وصادقت الصالحين، وشاركت في أعمال الدعوة، وكأنني كنت أستعيد توازني بين عالمين.

ثم انفتحت أمامي في هذه البلاد ميادين للعمل العلمي والدعوي، فنشطت في التعليم والإصلاح، وأسهمت، مع بعض إخواني، في دعم مشروعات علمية، كان من أبرزها تأسيس «كلية كمبريدج الإسلامية» عام 2013م، لتكون جسرًا بين التراث الإسلامي الأصيل والدراسة الأكاديمية الحديثة، كما شهدت قيام «معهد السلام» الذي أنشأته ابنتي سمية عام 2006م، على منهج يجمع بين الأصالة والتيسير.

وامتدت صلتي بمركز الدراسات الإسلامية نحو 25 عامًا، وكانت، على طولها، كأنها درس متصل؛ أتعلم فيه كل يوم شيئًا جديدًا، وأعيد النظر فيما تعلمته من قبل، حتى خرجت من هذه التجربة وقد امتلأت يقينًا بأن العلم الحق لا يعرف حدودًا جغرافية، وأنه قادر على الجمع بين البيئات المختلفة إذا صحبه الإخلاص واقترن بالبصيرة.

  • مؤلفاتكم، وخاصة حول المحدِّثات من النساء، لاقت صدى واسعًا، ما الدافع وراء هذا الاتجاه؟

- إن مؤلفاتي في علوم القرآن، والحديث، والفقه، واللغة، وأدب الرحلات، باللغات العربية والإنجليزية والأردية، تبلغ، فيما أحسب، نحو مائة كتاب، ومن أبرزها كتاب «الوفاء بأسماء النساء»، الذي امتد في 43 مجلدًا، فكان، من حيث الجهد والزمن، أوسعها نطاقًا، وأثقلها حملًا، وأعمقها أثرًا في نفسي.

ولست أرى هذا التعدد في مجالات التأليف ترفًا علميًا، ولا تنقلًا بين فنون متباعدة، بل أراه استجابة طبيعية لحاجة شعرت بها منذ وقت مبكر، وهي أن التراث الإسلامي، في اتساعه وغناه، لا يُحاط به من باب واحد، ولا يُفهم فهمًا صحيحًا إلا إذا أُخذ من أطرافه المختلفة، وتآزرت علومه وتكاملت مسالكه.

ومن هنا كتبت في التحقيق، والسير، والفقه، والحديث، والرحلات، وجعلت لغاتي المختلفة وسائل متعددة لغاية واحدة، هي خدمة هذا التراث وإيصاله إلى آفاق أرحب.

أما اتجاهي إلى التأليف في المحدِّثات من النساء، فلم يكن وليد خاطر عابر، ولا استجابة لدعوة معاصرة، وإنما نشأ، كما تنشأ الأفكار الراسخة، من معاناة طويلة مع النصوص، ومخالطة دقيقة لكتب التراجم، ومعايشة واعية لعالم الإسناد والرجال.

فقد كنت كلما قرأت في كتب الطبقات، والمشيخات، والأثبات، ومعاجم الشيوخ، وقفت على أسماء نساء عالمات لهن شيوخ وتلاميذ، وروايات وأسفار، ومجالس علم، فإذا بي أجد أمامي عالمًا قائمًا بذاته، ولكنه مبعثر في بطون الكتب، لا يجمعه جامع، ولا يُعرض عرضًا يكشف عن حقيقته.

وكان من أثر ذلك أن تساءلت، في شيء من الدهشة: كيف خفي هذا الجانب المشرق من تاريخنا العلمي على كثير من الدارسين؟! وكيف غلبت صورة ناقصة توحي بأن المرأة كانت بعيدة عن ميدان العلم، أو مقصورة على أدوار محدودة؟!

ثم لم ألبث أن أدركت أن السبب في ذلك ليس قلة المادة، وإنما تفرقها، وغلبة العناية بتاريخ الرجال، حتى كأنها حجبت، بغير قصد، ما للنساء من نصيب وافر في الحياة العلمية.

ومن هنا نشأ العزم على أن أفرد هذا الموضوع بعمل شامل، لا يكتفي بالإشارة ولا يرضى بالاختصار، بل يستقصي ويجمع، ويحلل ويبرز، فكان كتاب «الوفاء بأسماء النساء»، الذي اعتكفت عليه أكثر من 15 سنة، أجمع مادته من مصادرها المتنوعة، مطبوعة ومخطوطة، متنقلًا بين مكتبات في الشام، ومصر، وتركيا، والهند، وأوروبا، حتى اجتمع لي من ذلك تراث واسع يضم تراجم ما يقرب من 10 آلاف امرأة، من عهد النبوة إلى العصور المتأخرة.

ولم يكن قصدي من هذا العمل مجرد الجمع والتدوين، بل كان هدفي أن أقدم صورة علمية متكاملة تبرز مكانة المرأة في الحياة العلمية الإسلامية، وتكشف عن أدوارها الحقيقية في نقل الحديث وفهمه وتعليمه والإجازة فيه.

وقد دلت الشواهد، وهي كثيرة متظاهرة، على أن هؤلاء العالمات بلغن من الضبط والإتقان مبلغًا عظيمًا، حتى إن علماء الجرح والتعديل لم يعرفوا فيهن ما عرفوه في بعض الرجال من التهم، بل كانت رواياتهن موضع قبول واطمئنان.

ثم إني أردت، من خلال هذا الجهد، أن أقيم الحجة التاريخية على أن الإسلام لم يكتف بتكريم المرأة في النصوص، بل أتاح لها في الواقع مجالًا واسعًا للمشاركة العلمية، في إطار يجمع بين الحياء والحشمة من جهة، وبين الفاعلية والتأثير من جهة أخرى.

فقد كانت المرأة تُدرّس وتُفتي، ويقصدها الطلبة، وتُرحل إليها الرحال، وتسهم في تربية الأجيال، وفي بناء الحياة العلمية والاجتماعية على السواء.

ولم يكن هذا الاتجاه منفصلًا عن سائر مؤلفاتي، بل كان امتدادًا لها؛ فكتبي في تحقيق التراث، مثل «أصول الشاشي»، وترجمتي «بستان المحدثين»، وكتابتي في أعلام الفكر الإسلامي، وفي الفقه المعاصر، وفي أدب الرحلات، كل ذلك كان يهدف إلى إحياء التراث وإعادة تقديمه في صورة علمية دقيقة، تجمع بين الأمانة والتحليل، وبين الوفاء للماضي والوعي بحاجات الحاضر.

وقد أفدت من هذا العمل فوائد جمة، لم تكن كلها علمية خالصة، بل كان منها ما يتصل بتكوين النفس؛ إذ ازددت يقينًا بأن تاريخنا أوسع وأغنى مما نتصور، وأن فيه من الكنوز ما ينتظر من يكشف عنه، وأن الإنصاف العلمي يقتضي أن ننظر إلى هذا التراث نظرة شاملة، لا تُغفل جانبًا على حساب جانب.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة