في الذكرى الـ31 لمذبحة سربرينيتسا..
سفير البوسنة والهرسك بالقاهرة ثابت سوباشتيش لـ«المجتمع»: الإبادة قد تتكرر!
في الذكرى الـ31
لمذبحة سربرينيتسا، التي ارتقى فيها آلاف الضحايا وشُرد عشرات الآلاف، يؤكد سفير
البوسنة والهرسك لدى القاهرة د، ثابت سوباشتيش، في حوار لـ«المجتمع»، أن الإبادة
الجماعية ليست مأساة تخص شعبًا بعينه، وإنما جريمة ضد الإنسانية جمعاء، مشددًا على
أن إنكارها يُعد إبادةً في حد ذاته، وأن الاعتراف الصادق بها السبيل لمنع تكرارها.
وربط السفير، في
حواره الذي جرى على هامش فعالية إحياء ذكرى المذبحة وتوقيع كتاب عنها، التي عُقدت
بمقر نقابة الصحفيين المصريين بوسط القاهرة، بين ما حدث في سربرينيتسا وما تشهده
غزة، مؤكدًا أن جرائم الإبادة الجماعية ليست أفعالًا عشوائية، بل هي أعمال ممنهجة
ومخطط لها ومدروسة.
- في
البداية، ماذا تمثل لكم الذكرى الـ31 لمذبحة سربرينيتسا؟
- تمثل ذكرى
سربرينيتسا محطة إنسانية مؤلمة، ليس في تاريخنا فحسب، بل في تاريخ الإنسانية، هذه
ليست مجرد مناسبة تخص البوسنة والهرسك وحدها، إنها تذكير دائم للعالم بضرورة ألا
تتكرر جريمة الإبادة الجماعية في أي مكان من العالم، وأن يظل إحياء الذكرى وسيلة
لترسيخ العدالة وصون الذاكرة الإنسانية ومنع تكرار المأساة.
وإني أثمن قرار
الأمم المتحدة بإعلان 11 يوليو يومًا دوليًا لإحياء الذكرى، وأعتقد وأنا أحيي هذه
الذكرى من القاهرة أن هذا يمثل اعترافًا دوليًا بأهمية الحفاظ على الذاكرة
الجماعية، وإدانة إنكار الإبادة الجماعية، كما يسهم في نشر الوعي العالمي حتى لا
تتكرر مثل هذه الجرائم في المستقبل.
- ما
الخطوات التي قامت بها حكومتكم لإقرار اعتراف الجناة بالمذبحة بعد مرور 31 سنة؟
- مذبحة
سربرينيتسا تُصنف كأكثر جريمة إبادة جماعية توثيقًا في التاريخ المعاصر، ولقد قالت
العدالة الدولية كلمتها الفصل في هذا الملف من خلال مئات الوثائق والأحكام
القضائية الصادرة عن محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي.
أما بخصوص
المتورطين، فإن العديد منهم يتواجدون الآن في سجون مختلفة، بناء على الأحكام التي
صدرت ضدهم من محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، والعملية
القضائية لا تزال مستمرة في محاكم البوسنة والهرسك بخصوص العديد من المجرمين لضمان
عدم إفلات أي مجرم من العقاب، ورغم أن الدولة البوسنية تضع ملف حقوق الضحايا
وإقرار العدالة على رأس أولوياتها، فإن لدينا بعض التحديات والعقبات التي تواجهنا،
وهي أن بعض القادة العسكريين المهمين يتواجدون حالياً في صربيا، ولم يتم تسليمهم
بعد إلى البوسنة والهرسك لمحاكمتهم.
لكن أؤكد هنا أن
اعتراف الجناة من عدمه لا يغير من الحقيقة التاريخية والقانونية شيئاً، طالما أن
الأدلة القاطعة قد أثبتت وقوع الإبادة الجماعية، وطالما أن المجتمع الدولي والقضاء
الوطني مستمران في ملاحقة المسؤولين عن هذه الفظائع.
- ولكن
ماذا يعني استمرار إنكار الإبادة الجماعية؟ وما توابعه ميدانيًا؟
- مع الأسف،
نفتقد إلى الاعتراف والإقرار من جانب الجناة، وكذلك من جانب الجهات المعنية في بعض
الدول المجاورة، وهذا يشكل تهديدًا مباشرًا وعائقًا خطيرًا أمام الحياة المشتركة، إنهم
لا يريدون أن يقولوا لنا: «نعم، لقد فعلنا ذلك، لقد ارتكبنا إبادة جماعية، ونعتذر».
وفي اعتقادي أن
إنكار الإبادة الجماعية من قِبل مرتكبيها إبادة جماعية بحد ذاته، بل هو المرحلة
الأخيرة منها، وهذا يعني أن الإبادة الجماعية تستمر في الواقع أثناء إنكارها، فهي
في طور التكوين خلال فترة الإنكار، كثيرًا ما نعتقد أن القتل والذبح قد انتهى، وأن
علينا نسيان الأمر والمضي قدمًا، أعتقد أن هذا خطأ فادح، بل خطأ جسيم، وذلك
استنادًا إلى تجربتنا في البوسنة، يجب أن يتحد العالم لإقرار الاعتراف، لأنه من دون
ذلك سيتكرر الأمر، وستتكرر الإبادة الجماعية.
- برأيك،
هل تكررت مذبحة سربرينيتسا في غزة؟
- بعد الإبادة
الجماعية التي وقعت عام 1995م، في سربرينيتسا، توحد العالم على ألا يتكرر هذا
الأمر في أي مكان في العالم، وبطريقة ما، كنا مقتنعين بعد إبادة سربرينيتسا بأنها
لن تتكرر، كنتُ شخصيًا مقتنعًا بذلك أيضًا، لكن قبل 3 سنوات، ذهبتُ من هنا، من
القاهرة إلى معبر رفح، لأجد ما لم أكن أريد أن أراه.
أتذكر مشاعري
وقتها، فقد شعرت أن كارثة ما تلوح في الأفق، ورأيت إبادة جماعية جديدة تتكون، قلت
وقتها: إنها إبادة جديدة، أو ربما مجرد امتداد لما حدث في سربرينيتسا بالبوسنة
والهرسك، وبأبشع صورة ممكنة.
أرى أن كل مأساة
شهدناها في غزة لها أبعاد عالمية، الإبادة الجماعية لا يمكن أن تكون محلية أو
إقليمية، أي إبادة جماعية تُرتكب هي إبادة عالمية، وشاملة، الإبادة الجماعية في
رواندا والإبادة الجماعية في البوسنة، وإبادة سربرينيتسا، وإبادة غزة، هي هي كارثة
كونية هائلة، لا يتعلق الأمر بالأرقام في المقام الأول، بل هو في جوهره كارثة
مروعة للعقل البشري، ويجب على الإنسانية ألا تقبل بتكرار مثل هذه الكوارث.
- وفقًا
لتجربتكم، هل يمكن تحقيق مصالحة حقيقية بعد جرائم الإبادة دون اعتراف بما حدث؟
- من واقع
تجربتنا في البوسنة والهرسك، لا يمكن ذلك، فالمصالحة الحقيقية تبدأ بالاعتراف
الصريح بالجرائم وتحمل المسؤولية عنها، ثم العمل المشترك لضمان عدم تكرارها.
ولا ينبغي أن
يكون الاعتراف بالإبادة الجماعية محل خلاف سياسي، لأن هذا الأمر تحسمه المؤسسات
القضائية الدولية، وليس المواقف السياسية، فعندما تصدر المحاكم الدولية أحكامها،
ينبغي احترامها باعتبارها جزءًا من النظام القانوني الدولي، ولذلك يجب أن نكون
جميعًا أكثر يقظة، نعم لدينا القوانين والمحاكم والاتفاقيات، لكن الأهم الالتزام
الحقيقي بتطبيقها، وعدم التعامل مع هذه الجرائم بمنطق المصالح أو الحسابات
السياسية.
- كيف
نواجه أي محاولة لتكرار الإبادة الجماعية؟
- مواجهة
الإبادة الجماعية تبدأ بالوعي، وكما قال أينشتاين: «لا يمكن حل المشكلة على مستوى
الوعي الذي أوجدها»؛ ولذلك علينا أن نتعلم من الماضي، وأن نرفع مستوى وعينا حتى لا
تتكرر هذه المآسي في أي مكان من العالم.
دعونا نعِ
الإبادة الجماعية في سربرينيتسا، ثم في غزة لتجنب تكرارها ليس فقط في البوسنة، وفي
غزة، بل في أي مكان في العالم.
دعونا نعِ أن
الإبادة الجماعية ليست فعلًا عفويًا، وإنما مشروع منظم ومخطط له بعناية، يستهدف
القضاء على جماعة بشرية بسبب عرقها، أو دينها، أو هويتها، أو انتمائها، ولهذا فهي
لا تحدث بالمصادفة، وإنما نتيجة تخطيط وإعداد مسبق، بشكل منهجي لتدمير الوجود
المادي لمجموعة ما والقضاء على الناس وإبادتهم.
- كيف
ترى الاحتفاء بالذكرى في مصر؟ وما رسالتك؟
- يُعد أي تجمع
لإحياء الذكرى بالغ الأهمية، في قضية إبادة سربرينيتسا، كان حكم المحاكم واضحًا: «لقد
كانت إبادة جماعية»، ولكونها قضية عالمية، يجب تخليد ذكرى الإبادة الجماعية، وهذا
أيضًا سبيل لمنع وقوع إبادة جماعية في المستقبل، فكلما زاد الاعتراف العالمي بها
وتخليد ذكراها، قلَّت احتمالات تكرارها أو ارتكابها في مكان آخر؛ لذلك يجب أن
نواصل تذكر جميع ضحايا الإبادة الجماعية، وأن نعمل معًا من أجل عالم يحترم الكرامة
الإنسانية، ويمنع تكرار مثل هذه الجرائم بحق أي شعب.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً