إلياس حسام أبو صفية لـ«المجتمع»: نطالب العالم بالانتصار للإنسانية قبل فوات الأوان
لا يمكن الحديث
عن الحرب الهمجية على قطاع غزة دون استحضار سيرة طبيب استثنائي كرس حياته وعمله
لخدمة أهله، متحدياً كل الظروف المأساوية؛ واضعاً نبل رسالته المهنية فوق كل
اعتبار؛ دون أن يكترث لحياته ولا مصيره الشخصي؛ لأن الهم الجماعي وإنقاذ أرواح الأبرياء
كان هدفه وغايته الأسمى.
الحديث طبعاً عن
د. حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان، الذي بذل الغالي والنفيس لأداء واجبه
رغم كل ما يتربص به من تهديدات وأسلحة عملاقة تترصده في كل لحظة من لدن قوى الغدر
والخسة.
منذ 27 ديسمبر
2024م، ما زال مصير الطبيب الفلسطيني مجهولاً ويعاني الأمرين في زنازين الاحتلال
وبشاعتها؛ من هذا المنطلق ولمعرفة تفاصيل أوفى عن حالته الصحية وحتى القانونية،
توجهنا صوب ابنه إلياس أبو صفية الذي وضعنا في الصورة، وأعاد سرد حكاية والده
البطل الشهم صاحب الصورة الأيقونية وسط الركام والدمار؛ وأيضاً تحدث لنا عن وضعية الأسرة
اليوم في غيابه وعن واقعة استشهاد شقيقه إبراهيم، وبعث برسالة مؤثرة لوالده وتفاصيل
أخرى مهمة في هذا الحوار.
- بداية،
ما آخر المستجدات في قضية والدكم د، حسام أبو صفية؟
- للأسف، لا
تزال معاناة والدي مستمرة منذ اعتقاله في 27 ديسمبر 2024م، آخر ما وصلنا عبر
المحامين يؤكد أنه ما زال يواجه ظروفًا قاسية جدًا من العزل والانتهاكات، وسط غياب
أي ضمانات حقيقية لحقوقه الأساسية كأسير، نحن نتابع قضيته قانونيًا وإعلاميًا
وإنسانيًا بكل ما نملك، لكن الألم الحقيقي أننا ما زلنا ننتظر اليوم الذي يعود فيه
إلينا حرًا.
- كيف
يقاوم والدكم قساوة الحبس الانفرادي في سجن نفحة الصحراوي بناء على معلومات
المحاميين؟
- من يعرف والدي
يعرف أنه رجل استثنائي، كان يقف لساعات طويلة في مستشفى كمال عدوان بين الجرحى
والشهداء والمصابين، يستمد قوته من إيمانه برسالته الإنسانية، المحامون الذين
تمكنوا من زيارته أكدوا لنا أن إيمانه بالله وصبره وإحساسه بأنه صاحب قضية عادلة
هي ما يمنحه القدرة على الصمود، لكن مهما بلغت قوة الإنسان، يبقى الحبس الانفرادي
شكلًا من أشكال التعذيب النفسي الذي لا يمكن وصف قسوته بالكلمات.
- هل
سبق وأتيحت لكم كأسرة فرصة للتواصل المباشر معه منذ تاريخ اعتقاله في 27 ديسمبر
2024م؟
- للأسف لا، منذ
لحظة اعتقاله حُرمنا من سماع صوته أو التواصل معه بشكل مباشر، تخيلوا أن يمر أكثر
من عام ونصف عام تقريبًا دون أن يسمع الأب صوت أبنائه أو تسمع الأسرة صوت والدها، نحن
نعيش على الأخبار القليلة التي ينقلها المحامون، وننتظر أي معلومة تطمئن قلوبنا
عليه.
- كيف
حالة الأسرة منذ غياب الوالد؟ وكيف تتعاملون مع الوضع الصعب وهو بعيد عنكم؟
- غياب والدي
ترك فراغًا هائلًا في حياتنا، لم يكن مجرد أب، بل كان السند والملجأ والأمان، نستيقظ
كل يوم على الشوق نفسه والقلق نفسه، نحاول أن نبدو أقوياء أمام الناس، لكن الحقيقة
أن كل زاوية في حياتنا تذكرنا به، والدتي تحمل هذا الحمل الثقيل بصبر عظيم، وإخوتي
يحاولون مواصلة حياتهم رغم الألم، لكن لا شيء يعوض غياب الأب.
- هل
هناك تواصل مع زملائه من الأطباء العرب والأجانب الذين سبق وعملوا معه في مستشفى
كمال عدوان؟ وهل أنتم راضون عن الحملات الدولية الداعية للإفراج عنه؟
- نعم، هناك
الكثير من الأطباء والزملاء والأصدقاء حول العالم الذين لم ينسوا والدي، وما زالوا
يرفعون صوته في المؤتمرات والفعاليات والمنصات المختلفة، نحن ممتنون لكل من تضامن
معه وساهم في إبقاء قضيته حية، لكن بصراحة، ما زلنا نعتقد أن حجم المأساة أكبر
بكثير مما يقدمه العالم حتى الآن، نحتاج إلى ضغط حقيقي وفعّال يترجم التضامن إلى
خطوات تؤدي إلى حريته وحماية الأسرى الفلسطينيين كافة.
- في
الحرب الهمجية على قطاع غزة استشهد شقيقك إبراهيم، كيف عشت تلك اللحظة؟ وكيف تصف
لنا علاقتك به؟
- إبراهيم لم
يكن مجرد أخ بالنسبة لي، كان قطعة من روحي، كبرنا معًا، وتقاسمنا الأحلام
والذكريات والضحكات، لحظة استشهاده كانت من أصعب اللحظات التي مررت بها في حياتي، شعرت
وكأن جزءًا مني انتزع إلى الأبد، وما زاد الألم أن والدي كان معتقلًا ولم يتمكن من
وداع ابنه أو احتضانه للمرة الأخيرة، هذه واحدة من أكثر الصور إيلامًا في هذه
المأساة؛ أبٌ أسير لا يستطيع أن ينقل جثمان ابنه الشهيد الذي دفنه على سور
المستشفى، وابنٌ رحل وهو مشتاق لوالده.
- كيف
الوضع الصحي الحالي للدكتور حسام؟
- المعلومات
التي تصلنا تبعث على القلق الشديد، هناك تراجع واضح في وضعه الصحي نتيجة ظروف
الاعتقال القاسية والعزل الطويل وسوء المعاملة والحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية،
نحن نخشى يوميًا على حياته، ونحمّل الجهات المسؤولة كامل المسؤولية عن سلامته
وصحته.
كيف عشتم كأسرة
فترة الحرب وبالأخص في ظل التضحيات الجسيمة التي بذلها والدكم من خلال إخلاصه
لعمله ورسالته النبيلة رغم الظروف السيئة ووحشية الاحتلال؟
- والدي كان
يستطيع أن يغادر مثل كثيرين، لكنه اختار البقاء إلى جانب مرضاه وجرحى شعبه، رأيناه
وهو يودع الراحة والأمان ويهب حياته لإنقاذ الآخرين، كنا نخاف عليه في كل لحظة،
لكننا كنا نشعر بالفخر أيضًا، كان بالنسبة لنا مثالًا للطبيب الذي يحمل رسالته
الإنسانية فوق كل اعتبار، دفع ثمن هذا الموقف غاليًا؛ فقد خسر حريته، وخسر رؤية
أسرته، وحُرم من أبسط حقوقه الإنسانية.
- ما
رسالة أسرته للمجتمع الدولي في ظل الأوضاع المعقدة للأسرى الفلسطينيين في سجون
الاحتلال؟
- رسالتنا بسيطة
لكنها تخرج من قلب مكسور؛ «لا تنسوا الأسرى، خلف كل أسير عائلة تنتظر، وأطفال
يحلمون بلحظة اللقاء، وأمهات وآباء يعيشون على الأمل»، والدي ليس رقمًا في ملف، وإنما
إنسان كرّس حياته لإنقاذ الأرواح وخدمة المرضى، نطالب المجتمع الدولي والمؤسسات
الحقوقية والطبية والإنسانية بأن تتحمل مسؤولياتها، وأن تعمل بشكل عاجل من أجل
الإفراج عنه وعن جميع الأسرى الفلسطينيين.
نحن لا نطلب
امتيازات، بل نطلب العدالة، نطلب أن يعود أبٌ إلى أبنائه، وزوجٌ إلى زوجته، وطبيبٌ
إلى مرضاه، نطلب أن ينتصر العالم للإنسانية قبل فوات الأوان.
وإلى والدي إن
وصلت إليه كلماتنا يومًا: نحن بخير يا أبي كما كنت دائمًا تتمنى، لكن قلوبنا معلقة
بك، نشتاق إلى صوتك وضحكتك ونصائحك، نحاول أن نكون أقوياء لأنك علمتنا القوة،
ونتمسك بالأمل لأنك علمتنا ألا نيأس، سنبقى نرفع صوتك ونحمل رسالتك حتى تعود إلينا
حرًا بإذن الله.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً