قراءة في فقه الكلمة والقرار
المهلب بن أبي صفرة.. حين يسبق العقلُ اللسانَ
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عن المهلب بن أبي صفرة قوله: «يعجبني في الرجل أن أرى عقله
زائدًا على لسانه»(1).
لم تكن كلمات
المهلب بن أبي صفرة الأزدي مجرد وصية أدبية عابرة، بل كانت خلاصة تجربة قائد عاش
في زمن كثرت فيه الفتن، واضطربت فيه الموازين، وأصبحت الكلمة أحيانًا سببًا في
إشعال الصراع أو إطفائه، فالذي خبر ميادين القتال وإدارة الرجال يدرك أن الإنسان
لا يُقاس بكثرة ما يقول، وإنما بقدر ما يحمله قوله من عقل، وما وراء كلامه من فهم
وبصيرة.
وتأتي هذه
الحكمة في سياق تاريخي اتسم بالصراعات السياسية والعسكرية في صدر الدولة الأموية،
ولا سيما مواجهة الخوارج الأزارقة، وهي أحداث تحتاج عند دراستها إلى مراعاة سياقها
التاريخي وتعقيداتها، بعيدًا عن التبسيط أو إسقاط أحكام العصر الحاضر عليها، وقد
عُرف المهلب بن أبي صفرة بقدرته العسكرية والسياسية، فكان من القادة الذين جمعوا
بين الحزم في الميدان والنظر العميق في أحوال الرجال.
علاقة ضبط اللسان بالتريّث في اتخاذ القرار
كانت بيئة
المهلب بن أبي صفرة بيئة اختبار دائم للقيادات؛ فالقائد في زمن الاضطراب لا يحتاج
فقط إلى الشجاعة، بل يحتاج إلى القدرة على ضبط النفس، وقراءة الواقع، واختيار
اللحظة المناسبة للفعل والكلام، ومن هنا تتضح دلالة الحكمة التي اختصر بها المهلب
هذا الميزان بين العقل واللسان.
ويكشف هدي النبي
صلى الله عليه وسلم في الكلام عن صورة عملية لهذا المعنى؛ فالعقل الذي يضبط اللسان
لا يظهر أثره في الصمت وحده، وإنما يظهر كذلك في إحكام الكلام، والتأني في أدائه،
ومراعاة أن يبلغ المعنى على وجهه، وقد روى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله
عليه وسلم: «كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ
عَنْهُ»(2)، فهذا التأنّي في أداء الكلام وإعادته حتى يتحقق الفهم
يوضح كيف يكون اللسان تابعًا لمعنى مقصود، لا منفلتًا من ضابط العقل؛ ومن هنا
يلتقي الشاهد النبوي مع المعنى الذي تقوم عليه الحكمة في أن قيمة الكلام ليست في
كثرته أو سرعته، وإنما في إحكامه وإيصاله على الوجه الذي يحقق مقصوده.
فالمقصود ليس ذم
الكلام، فالبيان من خصائص الإنسان، وقد مدح القرآن حسن القول فقال تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)
(البقرة: 83)، وإنما المقصود أن يكون الكلام تابعًا للعقل لا قائدًا له، فالعقل
يزن، واللسان ينقل؛ فإذا سبق النقلُ الوزنَ وقع الإنسان في الخطأ، وإذا سبق
التفكيرُ التعبيرَ خرج الكلام في موضعه وقدره، وهذا المعنى لا يقف عند حدود
الكلمة، بل يمتد إلى القرار نفسه؛ إذ إن التريث الذي يضبط اللسان هو من جنس التريث
الذي يضبط الفعل، وكلاهما يمنح العقل فرصته قبل أن تتحول الفكرة إلى موقف.
ويتضح امتداد
هذا المعنى من ضبط الكلام إلى ضبط القرار في موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند
وقوع طاعون عمواس؛ فلم يتعجل في اتخاذ قراره، بل شاور المهاجرين والأنصار ثم سأل
مشيخة قريش، حتى استقر رأيه على الرجوع(3)، فهنا يظهر التريث لا بوصفه
امتناعًا عن الكلام، وإنما بوصفه مرحلةً تسبق القرار، تُمهل العقل حتى يستمع
ويوازن ويقرأ الواقع قبل الحسم.
وبذلك يكتمل
المعنى الذي تشير إليه عبارة المهلب بن أبي صفرة: فالرجل الذي يكون عقله زائدًا
على لسانه لا يكثر من الكلام قبل أن يزن معناه، ولا يندفع إلى الفعل قبل أن يستوفي
نظره؛ وإنما يجعل بين الإدراك والتعبير، وبين التقدير والقرار، فسحةً تمنع العجلة
وتتيح للرأي أن يستقر، ولهذا كان القادة الكبار يعرفون أن الكلمة قرار، وأن
التصريح موقف، وأن العبارة غير المحسوبة قد تصنع أزمة لا تستطيع القوة وحدها
علاجها.
كيف يحمي الإنسان عقله من اندفاع اللسان؟
في النفس
الإنسانية ميل طبيعي إلى التعبير السريع، خصوصًا عند الغضب أو المنافسة أو الرغبة
في إثبات الذات، لكن النضج الحقيقي يظهر عندما يمتلك الإنسان مساحة بين الشعور
والكلام؛ فيتوقف لحظة ليفكر: هل ما سأقوله حق؟ وهل هو نافع؟ وهل هذا هو الوقت
المناسب؟
وتزداد قيمة هذه
المساحة حين يكون الإنسان تحت تأثير الغضب؛ لأن ما يخرج من اللسان في لحظة
الانفعال قد يترك أثرًا يندم عليه صاحبه بعد زوال غضبه، ويجسد مورق العجلي هذا
المعنى بقوله: «تعلمت الصمت في عشر سنين، وما قلت شيئًا قط إذا غضبت أندم عليه إذا
ذهب عني الغضب»(4)، فمورق لا يتحدث عن الصمت بوصفه تركًا للكلام
مطلقًا، وإنما عن تدريب النفس على ألا تجعل الغضب سببًا في كلام يعجز الإنسان عن
استدراك أثره بعد أن يهدأ؛ وبذلك يتحول الصمت عند الانفعال إلى وسيلة لحماية العقل
من اندفاع اللسان.
ومن علامات قوة
الشخصية ألا يكون الإنسان أسيرًا للحظة الانفعالية؛ فلا يجيب كل مستفز، ولا يدخل
كل جدال، ولا يجعل الآخرين يتحكمون في كلماته من خلال استفزازه، ويظهر هذا المعنى
في توجيه الربيع بن خثيم حين قال: «الناس رجلان: مؤمن وجاهل، فأما المؤمن فلا
تؤذه، وأما الجاهل فلا تجاهله»(5)، فالموقف هنا يعلّم الإنسان أن يضبط
استجابته تجاه من يستفزه، فلا يؤذي من أمامه، ولا يسمح لجهله أن يجرّه إلى ما يفسد
عليه اتزانه، وبهذا يبقى زمام الكلام في يد العقل، لا في يد الانفعال.
إن العقل الذي
يزيد على اللسان يمنح صاحبه قدرة على إعادة ترتيب المواقف قبل أن تتحول إلى
صراعات.
القيادة الرشيدة تبدأ من إدارة الكلمة
في عالم
القيادة، ليست المشكلة دائمًا في نقص المعلومات، بل أحيانًا في سرعة الإعلان قبل
اكتمال الرؤية، والقائد الذي يتحدث قبل أن يكتمل تصوره قد يربط نفسه بوعود أو
مواقف يصعب التراجع عنها.
ولهذا، ارتبطت
الحكمة القيادية بحسن التوقيت؛ فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُقال يُقال
الآن، فإدارة الكلمة لا تتعلق بمقدار ما يقوله القائد فحسب، وإنما تتعلق كذلك
بمعرفة متى يقول، ولمن يقول، وفي أي ظرف يكون القول أقدر على أداء مقصوده، ويظهر
هذا المعنى بوضوح في موقف عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه مع عمر بن الخطاب رضي
الله عنه، حين أراد عمر أن يخطب في الناس بمنى، فقال له عبد الرحمن: «يا أمير
المؤمنين، لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، وإني أخشى أن تقوم فتقول
مقالة يطير بها أولئك عنك كل مطير، ولا يعوها ولا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى
تقدم المدينة فإنها دار السُّنة، وتخلص بأهل الثقة وأشراف الناس فتقول ما قلت
بالمدينة متمكنا، فيعي أهل الفقه مقالتك، ويضعوها على مواضعها»(6).
فقبل عمر نصيحته
وأرجأ حديثه حتى قدم المدينة، وهنا لا تكمن الحكمة في تأخير الكلام لذاته، وإنما
في إدراك أن الكلمة قد يتغير أثرها باختلاف زمانها ومقامها والمتلقين لها؛ فالكلمة
التي تُقال قبل أن تتهيأ لها بيئتها قد تُفهم على غير مرادها، أما اختيار الظرف
المناسب فيجعلها أقرب إلى أن تُفهم على وجهها، وأن تؤدي الغرض الذي قيلت من أجله.
وفي المؤسسات
المعاصرة يظهر هذا المعنى بوضوح؛ فالقائد الناجح لا يجعل الاجتماعات ساحات لإثبات
الحضور بالكلام، بل يجعلها أدوات للفهم وصناعة القرار، فحين يدرك القائد أن قيمة
الكلمة في أثرها، لا في مجرد صدورها، يصبح حسن توقيت الحديث جزءًا من صناعة القرار
نفسه؛ كثرة الحديث قد تعطي انطباعًا بالحيوية، لكنها لا تعوض غياب الرؤية.
تطابق القول والفعل أساس التأثير الحقيقي
يميل الناس
أحيانًا إلى الانبهار بمن يمتلك قدرة عالية على الحديث، لكن التجربة تكشف أن
التأثير الطويل يحتاج إلى عمق يتجاوز المهارة اللفظية، فالإنسان قد يملك عبارات
كثيرة، لكنه لا يملك حلولًا، وقد يملك حضورًا صوتيًا، لكنه يفتقر إلى البناء
الداخلي.
ومن هنا، كان
قول المهلب بن أبي صفرة معيارًا لاختيار الرجال؛ فالعقل الزائد على اللسان يعني أن
وراء الكلمة تجربة، ووراء القرار دراسة، ووراء الموقف رؤية، وتتضح قيمة هذا
المعيار حين ننظر إلى الشخصيات التي تجاوز أثرها مجرد القدرة على الحديث؛ فقد وصف
خالد بن صفوان الحسنَ البصري أمام مسلمة بن عبد الملك فقال: «أخبرك عنه بعلم؛ أنا
جاره في مجالس وأعلم من قبلي به، أشبه الناس سريرة بعلانية، وأشبه قولًا بفعل، إن
قعد على أمر قام به.. رأيته مستغنيًا عن الناس، ورأيت الناس محتاجين إليه»(7).
فهذه الشهادة لا
تقف عند وصف بلاغة الحسن أو حسن كلامه، وإنما تكشف عن عمقٍ جعل القول متصلًا
بالفعل، والظاهر موافقًا للباطن، فكان أثره نابعًا من حقيقة شخصيته لا من كثرة
حديثه.
ومن هنا يتبين
أن الكلام لا يكتسب وزنه بمجرد حسن صياغته، وإنما بما يستند إليه من عمل وتجربة؛
ولذلك قال أبو حازم سلمة بن دينار: «رضي الناس من العمل بالعلم، ورضوا من الفعل
بالقول»(8)، فحين يصبح القول بديلًا عن العمل، يفقد الكلام جزءًا من
قيمته، أما حين يكون وراء الكلمة رصيد من الفعل والمعرفة والموقف، فإنها تصبح أقدر
على التأثير.
ضبط اللسان صناعة تربوية تبدأ من الصغر
لا تُبنى الحكمة
في لحظة واحدة، وإنما تتكون بالتربية والممارسة، فالطفل الذي يتعلم أن يستمع قبل
أن يجيب، وأن يفكر قبل أن يحكم، ينشأ أكثر قدرة على ضبط نفسه في المستقبل.
ويؤكد هذا
المعنى ما يظهر في توجيه النبي صلى الله عليه وسلم للغلام عمر بن أبي سلمة رضي
الله عنهما، حين قال له: «يَا غُلَامُ، سَمِّ اللهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ
مِمَّا يَلِيكَ»، فلم يكن التوجيه مجرد تصحيح لسلوك عابر، وإنما تدريبًا للصغير
على الانضباط في أفعاله واستجاباته؛ وقد دل على أثر هذه التربية قول عمر رضي الله
عنه: «فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ»(9)، ومن هنا يتضح أن
التربية اليومية لا تقتصر على تصحيح السلوك في لحظته، وإنما تسهم في ترسيخ العادات
والضوابط التي تستقر في شخصية الإنسان، ومنها ما يتصل بطريقة استجابته قبل أن
يتكلم أو يتصرف.
وفي الأسرة
والتعليم والإعلام تظهر الحاجة إلى إعادة الاعتبار لقيمة التمهل؛ لأن كثيرًا من
مشكلات العصر مرتبطة بسرعة الرد، وسرعة الحكم، وسرعة نشر الكلام قبل التحقق.
وتتأكد قيمة هذه
التربية حين تمتد إلى طريقة الكلام نفسها، فيتعلم الصغير ألا يتجاوز في كلامه ما
يعلم؛ فقد سمع القاسم بن محمد ابنه يقول في صدقة قسمها أبوه: «والله ما نال منها
درهمًا ولا دانقًا»، فأوجز القاسم ثم قال له مؤدبًا: «يا بني، قل فيما علمت»، وقال
سفيان عقب ذلك: «صدق ابنه، ولكنه أراد تأديبه في المنطق وحفظه»(10).
فهذا التوجيه لا
يعلّم الطفل مجرد قلة الكلام، وإنما يدربه على أن تكون عبارته بقدر علمه، وأن يضبط
ما ينطق به قبل أن يطلق الحكم أو الخبر؛ وهي تربية تتصل مباشرة بالحاجة إلى التمهل
والتحقق قبل نشر الكلام، وقد أصبحت هذه القضية أكثر حضورًا في زمن وسائل التواصل
الاجتماعي، حيث يستطيع الإنسان أن ينشر كلمة في لحظة، ثم يقضي وقتًا طويلًا في
معالجة آثارها، لذلك فإن قاعدة المهلب بن أبي صفرة تمثل مبدأ عمليًا؛ اجعل مساحة
التفكير أكبر من مساحة التعبير.
بين البلاغة والصمت.. جمال الإنسان حين يتكلم بقدر
ليس المراد من
حكمة المهلب بن أبي صفرة أن يتحول الإنسان إلى صامت دائم، فالكلمة الطيبة عبادة،
والبيان النافع وسيلة إصلاح، وإنما المقصود أن يكون الكلام في خدمة المعنى، لا أن
يصبح الكلام غاية بذاته.
ولهذا لم يمدح
القرآن الكلام لمجرد صدوره، وإنما دعا إلى أن يكون سديدًا مستقيمًا في معناه
وأثره، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) (الأحزاب: 70)،
فالقول المطلوب ليس مجرد كثرة الحديث، بل القول الذي يجمع الصواب والاستقامة وحسن
الأثر، ومن هنا لا يكون الصمت هو المقصود لذاته، وإنما المقصود أن يعرف الإنسان
قدر الكلام، فيتكلم حين يكون في كلامه معنى نافع، ويمسك حين لا يكون للكلام ما
يضيفه.
ويجسد هذا
التوازن ما روي عن جابر بن سمرة رضي الله عنه أنه قال: «كَانَ صلى الله عليه وسلم
طَوِيلَ الصَّمْتِ، قَلِيلَ الضَّحِكِ، وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَذْكُرُونَ عِنْدَهُ
الشِّعْرَ، وَأَشْيَاءَ مِنْ أُمُورِهِمْ، فَيَضْحَكُونَ، وَرُبَّمَا تَبَسَّمَ»(11)،
فلم يكن طول صمته صلى الله عليه وسلم انقطاعًا عن الناس أو امتناعًا عن مشاركتهم،
وإنما كان صورة من صور الوقار وضبط الحضور؛ فكان يصمت حين لا يحتاج المقام إلى
الكلام، ويشارك حين تكون المشاركة في موضعها، وبذلك لا يتحول الصمت إلى عزلة، ولا
الكلام إلى غاية لمجرد ملء الفراغ.
وإذا كان الصمت
يحفظ للكلام قدره، فإن البلاغة تظهر حين يأتي الكلام نفسه محكمًا ومقتصرًا على ما
يخدم المعنى؛ ويتضح ذلك في موقف جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أمام النجاشي، حين
سأله عن عيسى عليه السلام، فقال: «نقول فيه الذي جاءنا به نبينا؛ هو عبد الله
ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول»، فضرب النجاشي بيده إلى
الأرض وأخذ عودًا، ثم قال:« ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود»(12)،
فلم يحتج جعفر إلى إطالة، لأن عبارته أدت المعنى الذي أراد بيانه في ألفاظ واضحة
سديدة، فكان الإيجاز هنا أبلغ من الاسترسال، ومن هنا يظهر جمال شخصية الإنسان
المتزن؛ فهو لا يحتاج إلى ملء كل فراغ بالصوت، لأن حضوره نابع من فكره وعمله، فإذا
تكلم أصغى الناس، لأنهم يعلمون أن الكلام سبقته مراجعة وعقل.
حضور حكمة المهلب بن أبي صفرة في واقعنا المعاصر
تحتاج المجتمعات
اليوم إلى هذا الميزان في ميادين كثيرة: في الإدارة، والتعليم، والدعوة، والإعلام،
والعلاقات الاجتماعية، فكم من نزاع بدأ بكلمة متسرعة، وكم من فرصة ضاعت بسبب إعلان
غير محسوب، وكم من إنسان خسر مكانته لأنه جعل لسانه أسرع من عقله.
إن الإنسان الذي
يجعل عقله قائدًا ولسانه تابعًا يملك قدرة أكبر على بناء الثقة، وإدارة الخلاف،
وتحقيق الأهداف، فهو لا يهرب من الكلام، لكنه لا يسمح للكلام أن يقوده، وبذلك تصبح
الحكمة وسيلة لحسن التعامل مع المواقف، لا مجرد فضيلة فردية؛ إذ تمنح الإنسان
قدرةً أكبر على أن يختار كلمته، ويضبط استجابته، ويوجه حضوره نحو ما يحقق الغاية
التي يريدها.
وهنا تتضح قيمة بقاء أمثال هذه الحكم عبر القرون؛ فهي لا ترتبط بزمن المهلب بن أبي صفرة وحده، بل تتصل بطبيعة الإنسان في كل عصر؛ أن قوته الحقيقية ليست فيما يستطيع قوله فقط، بل فيما يستطيع فهمه وضبطه وتحويله إلى أثر، فكلما اتسعت مساحة التفكير قبل التعبير، أصبح الإنسان أقدر على أن يجعل كلماته وسيلة للبناء، ومواقفه امتدادًا لفهمه، وأثره ثمرةً لعقلٍ أحسن التقدير وضبط الاستجابة.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 384).
- 2 أخرجه البخاري (95).
- 3 متفق عليه، أخرجه البخاري (5729)، ومسلم (2219).
- 4 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم (2/ 235).
- 5 مداراة الناس: ابن أبي الدنيا (38).
- 6 السيرة النبوية: ابن هشام (2/ 657).
- 7 تهذيب الكمال في أسماء الرجال: المزي (6/119).
- 8 اقتضاء العلم العمل: الخطيب البغدادي (60).
- 9 متفق عليه، أخرجه البخاري واللفظ له (5376)، ومسلم (2022).
- 10 المنتظم في تاريخ الأمم والملوك: أبو الفرج بن الجوزي (7/ 123).
- 11 أخرجه أحمد في مسنده (20810)، وقال محققه: حديث حسن.
- 12 دلائل النبوة: البيهقي (31).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً