; إحياء فقه الدعوة.. الجندية طريق القيادة | مجلة المجتمع

العنوان إحياء فقه الدعوة.. الجندية طريق القيادة

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 25-ديسمبر-1973

مشاهدات 230

نشر في العدد 181

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 25-ديسمبر-1973

حين تدعي نظرية ما دعواها، فإن اللحظات الحرجة وحرارة التحديات هي التي تكذبها آنذاك أو تصدقها، فيرسخ مدلولها أو يهمل، ويصير أساسًا في التعامل والتفاضل أو يعرض عنه.

وحين أدلى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بنظريته في الأشكال الروحية المؤتلفة، وجربها في أصحابه وتلامذته، كان عليه أن ينتظر يوم فصل يؤيد مذهبه أو يخونه، فيتكفل بنقله للأجيال اللاحقة، أو يسلمه النسيان.

• الإمارة حمل ثقيل

ولقد كان يوم خلافة تلميذه عمر بن عبد العزيز هو ذاك اليوم الفصل.

فلئن لم يكن ثمة جيش عاص يتحدى تلميذه وراء أسوار دمشق، فإن هناك تحديات نفس مقبلة على إغراءات الرياسة، وبطرًا اجتماعيًا، ورخاوة خلف لسلف الهمة والجهاد.

ومع كل خطوة لعمر حين كان يرتقي المنبر ليطلب خطبته الأولى: كانت ترتجف قلوب الذين يَظُنُّون أن عبيد الله قد أحيا فيهم فقهًا كاد ينحرف بالتأويل، وتزداد دقات قلوبهم مع استدارة عمر، يخافون أن تغلب شهوة تنفر الناس من مذهبهم التربوي، وتزهدَهم فيه.

إنها رجفة الموقف الحاسم، لا الشك في الفقه المسند، إذ ربما كان للخوف معنى لو كان لسان عمر يتكلم أو عقله المجرد، لكنها كانت دموعه ثَمَّ، وكان قلبه..

كان فوق المنبر خريج مدرسة يحاول أن يفي لأستاذه، ويطمئن أشكاله، ويحزن متواضعًا لفتيان لم يعرفوا ما عرف فتفرقوا، فانطلق يعلن انتصار عبيد الله.

«ألا إني لست بخيركم، ولكني رجل منكم، غير أن الله جعلني أثقلكم حملًا»(1). وهذا الشعور هو أدنى ما تحس به الأرواح المؤتلفة وتتميز به عن غيرها، فحين تزول المزايا المصطنعة، والطباع المتكلفة، ويحل التواضع، وتسود الأخوة: لن يبقى من معنى الإمارة والرئاسة إلا ثقلها الثقيل.

• عمر يطور مذهب التأليف

لقد أبرد عمر حقًا بكلماته هذه قلوبًا طال همها واشتياقها إلى رؤية واقع يظنه الضعفاء خيال مثاليات، وتحليق تمنيات.

نعم، كانت كلمات عمر وعدًا لمستقبل، وأخبارًا عن شعور متوار في كامن الصدر، ولكن كفى بوعود الأحرار ضمانًا، وبأخبارهم صدقًا.

ولذلك أسلس الناس له القيادة، وحصل منهم تجاوب سريع معه، أحسن عمر استغلاله أيما إحسان، فطور نظرية أستاذه في التأليف، فجعل ابتداء التربية ينطلق من معالجة أعقد عقدتين في الجماعات؛ عقدة الفراغ، وعقدة حب الرئاسة والتنازع عليها.

فالمطالع لسيرة عمر يجد شدة اهتمامه بعلاج هذين العيبين واضحًا، وظل تأثيره في ذلك ينطق الشاعر بعد الشاعر، والحكيم بعد الحكيم، يستمدون من تجربته معاني الإصلاح.

عرف عمر سيئات الفراغ، فأوجد للناس شغل خير ألهاهم، إن لم يكن عملًا عمرانيًا وسعيًا في مصالح المسلمين، فشغلًا تأمليًا مع النفس، وفكرًا في القلب، يفيضان من بعدُ عزَمات فنَهَضات.

لقد أخرجهم من الغفلة والإهمال والبرود، إلى التذكر والفحص والاستدراك، وكفى بهذا الإخراج نجاحًا عند من يعرف تربية الجماعات. وفي خطبه وكلماته كلها تسمية وإشارة إلى عيوب النفوس، وطرق إصلاحها، وترقب الموت، ورجاء رحمة الله، وخوف عقابه. ثم زاد فاستقدم الخوارج إلى دمشق، وأمرهم بإلغاء تفَرُّدهم ولزوم الجماعة، وذكرهم ضرر الفرقة، فبات جميع الناس في شغل وادكار، بمثلهما انتفع أبو العتاهية من بعدُ، فاتضحت له مثالب الفراغ، فقال:

ما أحسن الشغل في تدبير منفعة                           أهل الفراغ ذوو خوض وإرجاف(2)

فالمشتغل جاد فيما هو فيه، يربي قلبه ويعلي همته، والفارغ الكسول يفتش في الفتن عن لهو يؤنسه.

ثم دعا عمر ثانية إلى زهد في المناصب هو أهم من الزهد في الأموال، واستخلص من الفتن التي حدثت في الصدر الأول دروسًا، ووعظ المستشرفين للرئاسة مواعظ أبانت فيهم حبها، بمثلها انتفع أبو العتاهية مرة أخرى، فحذرك:

أخي من عشق الرئاسة خفت أن                             يطغى ويحدث بدعة وضلالا(3)

وتخوفه هذا صواب لم يبالغ فيه؛ فإن شرع الله وعرف المؤمنين ينفران عن طلب الرئاسة؛ فمن طلبها تمحل لذلك ولا بد، فيزين الذميم، فتكون البدعة، ويقمع المخالف له ويعاديه، فتكون الضلالة. ومن نظر إلى عهد ما بعد عمر أدرك ذلك؛ فإن القلوب عزفت عما قبحه لها وآمنت، إلا قلبًا واحدًا من قلوب أقربائه، عشق الرئاسة، فسقاه السم، فمات عمر، فكان عصر الضلالة، والسنوات العجاف.

• مدرسة الثوري تواصل التربية

ولما هالت المربين تلك الضلالة التي عكرت صفاء تاريخ المسلمين بعد عمر؛ أصفقوا على ذم التنازع على الرئاسة وتحذير الأجيال اللاحقة منه، وجعلوه أصلًا مستقلًا من أصول التربية الإسلامية، يتجاوز أن يكون مجرد علاج واقع أرهق الذين بعد عمر.

• للثوري كلام كثير جزل في ذلك تصدر به المربين يبدؤوه بتقرير واقع الناس، فيقول: «ما رأيت الزهد في شيء أقل منه في الرئاسة»(4).

ورؤياه هذه ظلت تؤرقه، حتى أمسك بقلمه يكتب رسالته المشهورة إلى صاحبه عباد بن عباد، وإلى كل عباد من الدعاة في كل الأجيال، أن: «إياك وحب الرئاسة؛ فإن الرجل تكون الرياسة أحب إليه من الذهب والفضة، وهو باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء السماسرة، فتفقد نفسك، واعمل بنية»(5).

ثم جسد حقيقة ينساها طلاب الرئاسة فذكرهم أن: «من طلب الرياسة قبل مجيئها: فرت منه»(6).

أي يبقى عليه وزر الشوق الآثم، وزفرة الصدر الراغم، ليس إلا، ويرجع صفر اليدين، وبخفي حنين، لم يذهب لأبعد من فضج نفسه أمام جمهور العاملين.

• وكما كانت نظرية الأشكال المؤتلفة مذهبًا لعبيد الله بن عبد الله جسده في جماعة عمل متآخية استدركت التفرق، كان نداء الحذر في طلب الرئاسة مذهبًا للثوري جسده في جماعة زهد محتسبة. استدركت تفرقًا آخر، ولانت لها نفس هارون الرشيد، فشغل الناس معه بحج أو يغزو، سنة فسنة.

• ولعل الفضيل بن عياض هو أهم أركان تلك الجماعة التي عضدت الثوري في شرح مذهبه من بعده، أخذ صحبه وأخذ علمه، وتأخرت وفاته عنه قرابة ثلاثين سنة، كان يكثر خلالها ذم التكلف في طلب الرياسات، وعلى الأخص تركيزه على كشف النفسية المعقدة الغريبة التي يحملها طالب الرياسة.

يقول الفضيل: «ما أحب أحد الرئاسة إلا أحب ذكر الناس بالنقائص والعيوب ليتميز هو بالكمال، ويكره أن يذكر الناس أحدًا عنده بخير. ومن عشق الرئاسة فقد تُوُدِّعَ من صلاحه»(7).

ومن لم يجرب الأعمال الجماعية يستغرب مثل هذا أو يستبعده، ولكن الممارس يحفظ قصصًا تصدق الفضيل أيما تصديق؛ فإن العمل الإسلامي حين يدع الانتقاء، ويلهيه التكاثر بالأعضاء؛ يدخله أصحاب التخليط، ويظهر في محيطه مثل هذا الذي وصفه الفضيل.

فمن لم يزهد في الرياسة صار ميؤوسًا منه عند الفضيل، أي وإن زهد في الأموال وأطايب الطعام وجمال النساء؛ لأن «الزهد في الرئاسة أشد من الزهد في الدنيا». كما يقول صاحبه وصاحب الثوري، الزاهد يوسف بن أسباط(8).

كلام لا يقولونه اعتباطًا، بل كانت تأملاتهم في مصائر الجيل الذي مرقوه تعمل كعمل دوائر الإحصاء الحديثة، يحصون من كمل ونقص، ومن وصل ومن خانته قدمه، والعثرة التي عثرها، إن كانت في أول الطريق، أو عند أوسطه، أو لما كاد ينتهي ولم يبق له إلا خطوة الفوز، ثم يعطونك نتائج الإحصاء في أقوالهم هذه.

• تجريب وتدرج

وأخذ الشعر أيضًا دوره في التحذير آنذاك، ولفت الشعراء أنظار المتنازعين إلى كثرة الأعداء من حولهم، وشماتتهم بالذي يحصل بين المؤمنين، وانتفاعهم به نفعًا مباشرًا في عمل جاد إيجابي يستغل فرصة انشغال المؤمنين بأنفسهم، فأرسلها شاعر ذاك العصر زفرة ألم:

إن التنازع في الرئاسة ذلة                                          لا تستقال، ودعوة لم تنصر

أوما ترون الشامتين أمامكم                                     ووراءكم من مضمر أو مظهر؟

وهذا في الحقيقة هو الوصف الدائم لظروف وآثار كل نزاع، بل إن كثرة الأعداء اليوم، وخططهم المنظمة، تجعل المحنة الحالية أعنف محنة مر بها الإسلام في تاريخه، وتستدعي أقصى درجات الوحدة الإيمانية بين العاملين.

والنجاة من فتن اليوم لن تكون إلا باللجوء إلى الشرط الذي وضعه سلفنا بالأمس وأودعوا فيه خلاصة تجربتهم في اكتشاف مسلك الوصول الصحيح إلى الرئاسة؛ فإنهم لم يعترفوا إلا بالطاعة طريقًا إلى القيادة، وجزموا بأن من لم يكن في آخر الصفوف، تغمره عجاجة المتقدمين؛ فلن يستطيع أبدًا قيادتهم إن شغَر المكان واحتيج إليه.

ولذاك كانوا لا يُرَأَّسُ منهمُ                                         من لم يجرب حزمه مرؤوسا

من لم يقد فيطير في خيشومه                                 رهج الخميس فلن يقود خميسا

قانون تدرج، ومرحلة اختبار، إذا أساء خلالها العامل أدب الجندية، واستعجل، وتطاول: جوزي بالحرمان، ودعي إلى التوبة، وارتجع إلى محل البداية يستأنف المحاولة.

• لا.. يا عباد الرحمن

ليس في هذا القانون اعتداء، ولا احتكار أو تجبر، وإنما هو صياغة تجريبية محضة لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- في اختيار الأمراء؛ فإنه كان يقول: «إنا لا نولي هذا من سأله ولا من حرص عليه»(9).

أي هذا الأمر من شؤون المسلمين. وشدد في النصيحة الصريحة لعبد الرحمن بن سمرة -رضي الله عنه-، فقال له: «يا عبدالرحمن بن سمرة: لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أعطيتها عن مسألة وُكِلتَ إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعِنتَ عليها»(10).

مع أن عبدالرحمن من صالحي صحابته وشجعانهم، ويكفيه أنه لما التزم وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه صار قائد جيش المسلمين الذي كلف بفتح كابل عاصمة الأفغان، وكان حصنها من أمنع الحصون، وسقط عنده من شهداء المسلمين ما لم يكن في معركة أخرى.

الهوامش

(1) طبقات ابن سعد 5 / 340

(2)، (3) ديوان أبي العتاهية / 167 / 215

(4)، (5) حلية الأولياء 7 / 39، 6 / 377

(6)، (7) تنبيه المغتربين / 30

(8) حلية الأولياء 8 / 238

(9)، (10) صحيح البخاري 9 / 80 / 79.

الرابط المختصر :