مقاصد القرآن في الأحكام (3 - 3)
أحكام الصلاة والزكاة والصيام في التصور القرآني
نتناول في هذه
الحلقة الأخيرة مقاصد القرآن ثلاثة من أركان الإسلام، وهي: الصلاة والزكاة والصوم،
ونسعى فيما يلي إلى الوقوف على أهم مقاصد أحكام القرآن في هذه الأركان الثلاثة بما
تمثله من ركائز أساسية في عبادات المسلم، وفي علاقاته الاجتماعية بالآخرين.
أولاً: مقاصد الصلاة:
ربط القرآن بين
الصلاة وبين خصائص الشخصية المسلمة، وجعل الصلاة طريقًا للبناء السوي لتلك
الشخصية، فتارة ربط بين صفات التقوى والصلاة (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ
الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) (البقرة: 3) وبينها وبين
صفة الصدق (وَأَقَامَ
الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ
وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ
الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) (البقرة: 177)،
والأخوَّة في الدين (فَإِن
تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ)
(التوبة: 11)، والإصلاح والصلاح (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا
لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) (الأعراف: 170).
كما أن للصلاة
مقصدًا اجتماعيًّا هو تحقيق «الأخلاقية الاجتماعية»، وأعظمها تجنب الفحشاء
والمنكر؛ أي تجنب كل فعل يرتبط بالرذيلة وسوء الأخلاق وما ينكره الناس في حياتهم
الاجتماعية، والفحشاء هي الزنى، وقيل أيضًا: هي كل ما استُعظِم واستُفحِش من
المعاصي التي تشتهيها النفوس، أما المنكر فهو كل معصية لله تعالى تخالف الطاعة
التي هي «الصلاة»، أو كل معصية تنكرها العقول والفِطَر.
كما جعل القرآن
ترك الصلاة عنوانًا «للغيِّ» و«التكذيب بالدين» و«اتباع الشهوات» (مريم: 59)، (الماعون).
ومن مقاصد
الصلاة في القرآن نشير إلى ما يلي:
1- مقصد إلى
الله تعالى: بالامتثال الغيبي، والتوجه إليه سبحانه 5 مرات في اليوم ليلًا ونهارًا،
فيتحقق رباط الأرض بالسماء، ويعزز من هذا الرباط ويوثقه.
2- مقصد إلى
داخل الذات: يظهر تحققه في تجسيد التقوى، والصدق الداخلي للإنسان، فيتسق مع ذاته
(الإسلامية)، ويحقق السوية النفسية بأن يكون باطنه كظاهره.
3- مقصد إلى
خارج الذات: الطهارة العامة للإنسان (طهارة الجسد وطهارة البيئة المحيطة).
4- مقصد إلى
المجتمع: ويظهر في تجنب كل صور «السوء الأخلاقي»، و«المنكر الاجتماعي»، والتحلي
بالفضيلة الاجتماعية والأخلاقية. ويتمظهر بها في معاملاته وعلاقاته.
5- مقصد إلى
الأمة: فمن حيث الشكل تمثل الصلاة صورة من صور وحدة الأمة، والالتقاء في صف واحد
ناحية قبلة واحدة، وتحقيق رباط العقيدة وصلتها الروحية والجسدية. ومن ناحية
المضمون فإن الصلاة تمثل هوية الأمة الحضارية، فالالتقاء ليس ناحية قبلة واحدة
وفقط، ولكن ناحية منهج واحد ومرجعية واحدة هي القرآن الكريم والنبوة الخاتمة.
6- مقصد إلى
الحضارة: ويتمثل في تقدير الوقت، وهو المجال الذي تُبنى فيه الحضارة، والدعاء
بهداية العالمين إلى الصراط المستقيم.
ثانياً: مقاصد الزكاة:
تضمنت آيات
الزكاة مجموعة من المفردات التي يمكن أن نتأملها، ونبحث فيها عن أهم المقاصد
المراد تحققها في أداء هذا الفرض، وهذه المفردات هي: الإنفاق (البقرة: 219)،
والعفو (البقرة: 219)، والخير (البقرة: 215)، والمال (المعارج: 24، 25)، والحق
الاجتماعي (المعارج: 24، 25)، وسبيل الله (التوبة: 34).
1- مقصد إلى
الله تعالى: ويبدو في تفعيل قيمة «الاستخلاف» التي أرستها المشيئة الإلهية ووجهت
إليها، والامتثال بردِّ «الملكية» إلى صاحبها الأصلي.
2- مقصد إلى دخل
الذات: ويتمثل في الإيمان الوجداني بالاستخلاف في المال (بكل أشكاله)، وأن الإنفاق
من هذا المال (في صوره المقررة) هو صميم هذا الإيمان.
3- مقصد إلى
خارج الذات: ويظهر في ربط حركة المسلم ونشاطه «بالنفع» العام للآخرين، وتجسيد
المسئولية الاجتماعية بالإنفاق المالي على فئات معينة في المجتمع، أو مجالات
بعينها.
4- مقصد إلى
المجتمع: ويتجسد في التواصل الاجتماعي الفعال، وتمتين شبكة العلاقات الاجتماعية
بالتواصل/ الاتصال الإيجابي بين أفراد المجتمع غنيِّهم وفقيرِهم.
5- مقصد إلى
الأمة: إن كل ما يعود بالنفع على الفرد والمجتمع يعود كذلك على الأمة، ويظهر هذا
المقصد في تحقيق التعاون الاقتصادي بين أقطار الأمة، ودعم المؤسسات الاجتماعية
الاقتصادية في الأمة، ومواجهة الاحتياجات الأساسية للأمة، وسد الديون عن الأقطار
الفقيرة، وتحرير الإنسان من الاستعمار المادي والمعنوي والفكري.
6- مقصد إلى
الحضارة: ويظهر في القيمة المطلقة الواردة في مجال الإنفاق (قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ)
(البقرة: 215)، وهذا مبدأ عام في حياة المسلم القائمة على العطاء الإنساني،
ووجه الإنفاق هنا متوجه إلى ما يسهم في البناء الحضاري للإنسانية، (والمال) عصب
فيه، وهو ما أوجبه الشرع على الفرد تجاه الأمة والإنسانية بصفة عامة.
ثالثاً: مقاصد الصوم:
من مواضع أحكام
الصوم في القرآن نشير إلى ما يلي:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ
الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(البقرة:
183)، (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ
لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ۗ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ
تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ ۖ فَالْآنَ
بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ۚ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا
حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ
مِنَ الْفَجْرِ ۖ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ۚ وَلَا
تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
فَلَا تَقْرَبُوهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ
يَتَّقُونَ) (البقرة: 187).
إن المقصد
الأعلى للصوم كما انتهت إليه آية الصوم هو تحقيق التقوى: والتقوى من: وقى، وتدل
على دَفْعِ شيء عن شيء بغيره. ووقيتُه أقيه وَقْيًا. والوقاية ما يقي الشيء. واتق
الله: تَوَقَّه، أي اجعل بينك وبينه كالوقاية. والتقوى –أيضًا- من الوقاية: أي:
حفظ الشيء مما يؤذيه. ويضره. والتقوى جعل النفس في وقاية مما يخاف، وصارَ التقوى
في تعارف الشرع حفِظ النفس عما يؤثِمُ، وذلك بترك المحظور، ويتمُ ذلك بترك بعض
المبُاحات(1).
والتقوى أيضًا بمعنى:
الحماية والحفظ، والتمسك بطاعة الله، وإلزام تلك الطاعة، والحرص والخوف من تجاوز
حدود الله وأحكامه. وهكذا جاءت التقوى على عدة معان منها: الدفع لكل ما يؤذي وتجنب
الضرر، الوقاية من كل إصابة حاضرة أو متوقعة، الحماية الواجبة من الآثام والذنوب،
وحفظ عناصر القوة في الإيمان وغيره، مما يجب فيه التقوى.
إن فريضة الصوم
هي التربية بالعزيمة، وكذلك بالرخصة حيث تكون إباحة الفطر حين السفر والمرض، أما
عن المقاصد القرآنية التي تسعى فريضة الصوم إلى تحقيقها فنشير إلى ما يلي:
1- مقصد إلى
داخل الذات: ويتمثل في التقوى والمراقبة الذاتية.
2- مقصد إلى
خارج الذات: ويظهر في ضبط الجوارح بتقوى الله في الحركة والفعل والنزوع.
3- مقصد إلى
المجتمع: ويستهدف الضبط الاجتماعي والأخلاقي؛ «فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث،
ولا يصخب، فإنْ سابَّه أحدٌ أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم»(2).
4- مقصد إلى
الله تعالى: ويتجسد في تطبيق الحدود/ الكفارات/ المحرمات/ الرخص.
5- مقصد إلى
الأمة، ويتضمن دورة الطاعة الجماعية للأمة، والاتصال الإيماني، والهلال الواحد، واستعادة
القرآن إلى مائدة الأمة.
6- مقصد إلى
حركة الحضارة: ويظهر في تقدير الوقت فكل أعمال الصوم ترتبط بالوقت: وقت حلول شهر
رمضان، وقت الصوم، وقت الإفطار- الذي هو مجال العمل والبناء الحضاري، وتحقيق
السلام الإنساني.
خاتمة وتوصية
أتوجه بالتوصية إلى الباحثين في مجال التعليم القرآني والقرآني، وأيضًا والمبلغين والخطباء والمعلمين لعلوم الوحي، أن يتأملوا توجيهات القرآن العظيم وإرشاداته وأحكامه وتكليفاته، في ضوء عقلية واسعة في فهم هذه الجوانب والاقتراب من مقاصد القرآن الواسعة طولًا وعرضًا أثناء تقديم هذه الأحكام والتوجيهات للأمة، والتي غرضها في الأساس التربية على الشاكلة القرآنية لعموم الأمة وخواصها، والتمكين للعمران الصالح في الكون.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً