مقاصد القرآن في الأحكام (1 - 3)
أحكام الميراث في التصور الإسلامي
نسعى في عدد من
المقالات إلى بناء خارطة لمقاصد القرآن الكريم في الأحكام والتشريعات، استنادًا
إلى موقف القرآن ذاته من تعليل الأحكام؛ أي بيان لأي قيمة نزلت تلك الأحكام، ولأي
فكرة قامت من أجل تحقيقها، ولأي دافع يحفز القرآن المؤمنين به إلى الالتزام بهذه
الأحكام والتشريعات، وما المآلات المتوقعة في المجتمع المسلم جراء الالتزام بهذه
التشريعات والأحكام ومدى تحقق مقاصدها في واقع المسلمين.
خارطة مقترحة لمقاصد القرآن في الأحكام
وعلى طريق تجديد
الوعي بعلاقة القرآن بالإنسان والعالم، قمنا بتصميم هذه الخارطة المقترحة لأهم
اتجاهات مقاصد الأحكام الشرعية في القرآن الحكيم، التي تم بناؤها انطلاقًا من
تنوُّعية الدوائر التي تعمل فيها تلك الأحكام.
وقد حددنا في
هذه الخارطة 5 مسارات أساسية تُظهر التأثير المتوقع لأحكام القرآن ومقاصده في عالم
الإنسان؛ فردًا وجماعة، وهذه المسارات؛ الأول: نحو الله، والثاني: نحو الذات،
والثالث: خارج الذات (المحيط القريب)، والثالث: نحو المجتمع (المحيط البعيد)،
والرابع: نحو الأمة على امتدادها الواسع والمستقبلي، والخامس: نحو العالم
والحضارة.

شكل: اتجاهات مقاصد الأحكام في القرآن
نتناول في هذه
السلسلة الفكرية نماذج تطبيقية لهذه الخارطة المقاصدية، وذلك كما يلي:
النموذج التطبيقي الأول: مقاصد أحكام الميراث:
من الآيات
الجامعة لأحكام الميراث ما جاء في سورة «النساء»، قال تعالى: (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ
لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ
فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ
وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ
وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ
فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي
بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ
لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيماً {11}
وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن
كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ
يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ
يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا
تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ
يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ
مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي
الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ
وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ) (النساء).
(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي
الْكَلَالَةِ ۚ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا
نِصْفُ مَا تَرَكَ ۚ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ ۚ فَإِن
كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ۚ وَإِن كَانُوا
إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ۗ
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (النساء:
176).
نكتشف في هذه
الآيات المقاصد القرآنية الآتية في أحكام الميراث بحسب الخارطة المقترحة السابقة:
1- مقصد إلى الله تعالى:
الامتثال
والخضوع لأوامره ونواهيه ومحاذيره، وهذا هو مقتضى العبودية لله تعالى في أحكامه
وتشريعاته.
2- مقصد إلى داخل الذات:
يؤدي امتثال
الفرد لأحكام الميراث في الشريعة إلى الشعور بالرباط الإيماني في حركة الإنسان
للاكتساب اليومي والحياتي، وأن تلك الحركة وما ينتج عنها من كسب إنما هي تقع في
دائرة الحياة الكبرى ولا يستأثر بها أي أحد مطلقًا؛ لانتفاء الخلود الدنيوي لأي مخلوق.
ومن ناحية أخرى،
إقرار واستقرار فكرة «الاستخلاف» لنتائج الاكتساب وهو المال أيًّا كانت صوَره،
فالإنسان مُستخلَف فيما اكتسب، وما عليه إلا أداء الأمانة التي استُخلف فيها
لأصحابها؛ ومن ثَمَّ إعادة بناء نظرة الإنسان نحو المال في كسبه وإنفاقه، وكذلك
إعادة النظر في علاقاته مع الوارثين التي ينتظر أن يكون النفع مبدأً أساسيًّا فيما
يرثونه، وهذا أدعى إلى العناية الإيمانية بشكل العلاقات مع الوارثين من ناحية
الوارث، وإعادة بناء هذه العلاقة على أسس استمرار الرسالة والأمانة والاستخلاف.
3- مقصد إلى خارج الذات:
يتمظهر هذا
المقصد في تعظيم السلوك العملي في التعامل مع موضوع الميراث باعتبار أنه فريضة من
الله، وما فرضه الله جدير بالتعظيم، سواء من المورِّث بأن يلتزم في حياته بالضوابط
القرآنية الواضحة في ذلك مثل مساحة الوصية فيما تركه، وعدم تعمد حرمان صاحب حق من
حقه المعتبر في القرآن لأي هوًى أو تحيز.
وبصفة إجمالية
المراعاة التامة لقواعد تهيئة الإرث للوارثين بلا إشكالات نفسية أو قبَلية أو
تحيُّزية، أو من الوارثين بالتحايل واستعجال الحصول على الميراث.
4- مقصد إلى المجتمع:
يشكل المجتمع
بعناصره المكونة للقرابة والزوجية أهم مردودات نظام الإرث في الإسلام، فتوزيع الإرث
هو إعادة لتنظيم حركة المال في المجتمع من جديد، وهو أمر من الناحية الاجتماعية له
فوائد متعددة؛ لأنَّ تركُّز المال لفترة طويلة في يد شخص واحد هو نوع من الاحتكار
والاكتناز لحركة المال التي تتوقف في نقطة محددة فتنمو رأسيًّا وتتجمد أفقيًّا،
أما نظام الإرث بروافده المتعددة فيتيح لحركة المال النمو الأفقي، وتفكيك النقطة
التي تركز فيها ربما لعقود طويلة.
كما أن المال -في
المنظور القرآني- له وظيفة اجتماعية أساسية، المالك فيها أمين وخازن فيما يحوزه من
مال الله تعالى أو من مال مجتمعه؛ ولهذا أشار القرآن إلى مصارف الإنفاق له بقوله
تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا
يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ
وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ
فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة: 215)، والإرث وجه من وجوه الإنفاق،
بل هو أجلُّها عند الله تعالى؛ لأنه فريضة من الله موجهة إلى المجتمع.
5- مقصد إلى الأمة:
يجنب نظام الإرث
في القرآن عدة آثار سلبية للملكية الفردية على مستوى الأمة:
الأول: سوء
توزيع الثروة.
الثاني: اكتناز
المال.
الثالث: ثبات
الطبقية في الأمة.
الرابع: جفاء
التواصل بين الفرد والجماعة الاجتماعية.
في ذات الوقت
يحقق نظام الإرث على مستوى الأمة عدة آثار إيجابية، منها ما يأتي:
الأول: إعادة
توزيع الثروة بطرق ممنهجة تقوم على البُعد الاجتماعي.
الثاني: تدويل
حركة رأس في المجتمع (من الفرد إلى المجتمع).
الثالث: تقارب
الطبقات التي تنشأ في ظل تركز رأس المال في المجتمع.
الرابع: فعالية
الاتصال بين الفرد والأمة.
الخامس: منع
الضرر الواقع على الأمة حال عدم وجود ضوابط لتوزيع الثروة الفردية.
6- مقصد إلى حركة الحضارة:
يقف الفكر
الاقتصادي القرآني بين نظامين وضعيين، هما: النظام الاشتراكي الشيوعي، والنظام الليبرالي
الرأسمالي فيما يتعلق بتوزيع التركات، فالأول أنكر مبدأ التوارث (الإرث)، فلا يعطي
لقرابة الميت صاحب الثروة شيئًا من تلك الثروة، أما الثاني فيتيح لصاحب الثروة حق
التصرف المطلق في ثروته، وأن يفعل بها ما يشاء، ويعطيها لمن يشاء في حياته أو بعد
مماته بما يوصي به مكتوبًا أو منقولًا.
أما نظام الإرث
في الإسلام فقد دفع حركة الحضارة الإنسانية إلى تحقيق الضبط في علاقات ثلاث؛
الأولى: علاقة صاحب المال (الثروة) بماله (ثروته)، وأن تلك العلاقة من حيث حرية
التصرف بضوابطها أيضًا محدودة بقواعد الاكتساب والمشروعية في الإنفاق في حياته.
والثانية: علاقة
صاحب الثروة الفرد بالقرابة (أصولًا وفروعًا) باعتبارها علاقة ممتدة لا تنقطع حتى
بعد وفاته، فيقيم الميراث تلك العلاقة بين وارث ومورِّث وإرث؛ ولذلك كان نصيب
الميراث يتناسب طرديًّا مع درجة القرابة.
والثالثة: شبكة
علاقات الميراث، شبكة واسعة ومحددة في ذات الوقت (رجال، ونساء، وكبار، وصغار، أب
وأم، إخوة وأخوات وأبناء).
يأتي أيضًا نظام الإرث في الإسلام ليؤيد سياسة الإسلام في تحريم اكتناز المال في أيدي قلة من فئات المجتمع، ويؤكد نظريته في تداول المال بين المسلمين، فلم يسمح الإسلام لصاحب المال إلا بالتصرف بحرية في ثلث تركته فقط ويوزع الباقي بحسب التقسيم الشرعي لها، فهذا من أبواب منع تكديس المال، ومحاولة تفتيت الثروة التي يرغب البعض أن تتركز في أيدي قلة في المجتمع، بما يؤدي إلى إيجاد «دَولة» من الأغنياء منهم، وهو ما جنَّبه الإسلام للإنسانية في نظامها الاقتصادي في حال اختياره والالتزام به منهجًا تشريعيًّا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً