مقاصد القرآن في الأحكام (2 - 3)

أحكام الأموال في التصور الإسلامي

تناولنا في المقالة الأولى من سلسلة «مقاصد الأحكام في القرآن» ما يتعلق بأحكام الميراث وأبعادها الفردية والمجتمعية والحضارية، ونتناول في هذه المقالة النموذج التطبيقي الثاني، ويتعلق بمقاصد الأموال عامة، حيث يمثل المال في القرآن موضوعًا رئيسًا في منظومة الأحكام والتشريعات المجتمعية والحضارية، وذلك لما له من مكانة ركيزة في حركة العمران البشري والنشاط الإنساني.

النموذج التطبيقي الثاني: مقاصد الأموال:

من مواضع آيات الأموال في القرآن ما يلي: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة: 188)، (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (آل عمران: 92)، (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا) (النساء: 5)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (النساء: 29)، (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الأنفال: 41).

وقال تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ) (الإسراء: 26)، (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۚ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (الإسراء: 34)، (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) (الكهف: 46)، (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) (الروم: 39)، (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) (الحديد: 7)، (مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (الحشر: 7).

ونشير فيما يلي إلى أهم مقاصد أحكام الأموال في القرآن، وذلك كما يلي:

1- مقصد إلى الله تعالى:

الإقرار الوجداني والسلوكي من المسلم بملكية الله تعالى لكل شيء في الكون، ومنها المال المكتسب للفرد أو الجماعة أو الأمة، فإن لله تعالى ملك السماوات والأرض ومن فيهن (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (المائدة: 120).

2- مقصد إلى داخل الفرد:

إن حب التملك غريزة فطرية، لها وجوه إيجابية عديدة، منها: العمل، والرغبة في الاكتساب، والمحافظة على الثروة من الضياع، إلا أن التوجيه التشريعي في هذا المجال وضع هداية مهمة يهتدي بها الإنسان (المالك) في حياته الدنيوية حتى لا يعدل في ملكيته عن الحق، هذا التوجيه هو إظهار حقيقة العلاقة بين الإنسان الفرد وبين المال، وهي أن الإنسان ليس هو المالك الحقيقي؛ بل هو مُستخلَف فيه.

وهذا الاستخلاف له شروطه وقواعده التي هي جملة التشريعات التي يلتزم بها الإنسان في خارج سلوكه ونشاطه الاجتماعي، لكنه لا يمكن أن يلتزم بتلك التشريعات السلوكية إلا إذا استقر في وجدانه حقيقة النظرة القرآنية إلى المال وعلاقته به المتمثلة في قوله تعالى: (مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ).

3- مقصد إلى خارج الفرد:

أقرت الشريعة حرية تصرف الفرد في ماله وممتلكاته إذا كان راشدًا ومؤهلًا لهذا التصرف، كما أقرت الشريعة الحرية الواسعة للفرد في التملك أو الإنفاق؛ وذلك لأن المال بكل أشكاله هو عصب الحياة الإنسانية، ولا يجوز للمسلم الانعزال في صومعة عن تلك الحياة، والزهد فيها، فإن خوص غمار الحياة لا يكون إلا بالسعي والاكتساب وتحصيل المال الذي يستطيع الإنسان أن ينفق منه على نفسه وعلى من يعول، وأن يؤدي فروض الله فيه (الزكاة)، وبدون التحصيل والاكتساب للمال يصبح الإنسان عالة على غيره وعلى المجتمع، وهو ما يأباه الإسلام وينبذه.

4- مقصد إلى المجتمع:

أكدت الآيات القرآنية المتعلقة بالمال حرمة اكتنازه، وفي المقابل حفزت على تداوله بين أكبر عدد من أفراد المجتمع (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ)؛ وذلك لما في أخطار اكتناز المادي الاقتصادي كله في المجتمع، ولعل ما أشارت إليه نتائج تطبيقات النظام الاقتصادي الرأسمالي، وما تضمنته من أخطار على الإنسان الفرد والمجتمع في ظل تمركز «المال» في يد فئة «الرأسماليين»، يُعد أحد المصاديق الواقعية لمقصدية القرآن في الدفع إلى تداول المال بين أكثر فئات المجتمع.

5- مقصد إلى الأمة:

إن الأموال المتداولة بأيدي الأفراد تعود منافعُها على أصحابها وعلى الأمة كلها؛ لعدم انحصار الفوائد المنجرة إلى المنتفعين بدوالها(1)، وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ)، فالخطاب للأمة أو لولاة الأمور منها، وأضاف الأموال إلى ضمير غير مالكيها لأن مالكيها هنا هم السفهاءُ المنهيُّ عن إيتائهم إياها، وقوله: (الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) يزيد الضمير وضوحًا، ويزيد الغرض تبيانًا؛ إذ وصف الأموال بأنها مجعولة قيامًا لأمور الأمة، وإن أي خلل في التعامل مع أموال الأمة عن طريق الترف أو الإسراف أو التقتير لاحتياجاتها الأساسية والضرورية يدخل في باب السفه التي يجب أن يمنع عنه المتصرفون في مالها.

6- مقصد إلى حركة الحضارة:

إن نظرة المجتمع إلى «المال» تؤثر -بلا شك- في حركة الحضارة الإنسانية، فطبيعة النظام «المالي» يتحدد في ضوئها شكل النظام الاجتماعي وطبيعة العلاقة بين الناس، وليس بعيدًا عن الإنسان المعاصر ما جرَّه النظام الرأسمالي من ويلات على البشرية، التي ازدادت فيها الطبقة الرأسمالية غنًى، بينما ازدادت الطبقة الوسطى والفقيرة فقرًا.

وننقل في الفقرة التالية رؤية للمفكر الاقتصادي الألماني أولريش شيفر (وُلد 1967) حول مآلات العالم في ظل النظام الرأسمالي:

إن الأزمة المالية دهمت مجتمعًا متداعي الأسس، فالأواصر التي توجد بين فئاته المختلفة أمست قاب قوسين من التفتت، لقد ضاعت القوة التي تشد هذه الفئات بعضها لبعض، فالتباين بين الواقفين في أعلى السلم الاجتماعي والواقفين في أدناه في تزايد متواصل، ففي حين يفر الأغنياء بأموالهم بلا انقطاع، تَضمُر الطبقة الوسطى على نحو متواصل، ويعجز الفقراء عن اللحاق بركب المجتمع، فأولئك الأفراد -على وجه الخصوص- الذين يمتلكون المال والثروة أصلًا، انتهزوا جنون أسواق المال وازدادوا غنًى أكثر فأكثر، في حين دأبت حصة الأجور من الدخل القومي منذ سنوات كثيرة على مواصلة انخفاضها في كل دول الاتحاد الأوروبي تقريبًا، وفي الولايات المتحدة أيضًا(2)، والبحث في مخاطر النظام الاقتصادي الوضعي غير محدودة من أبناء هذا النظام نفسه وخبرائه ومفكريه.

أما النظام «المالي» كما يبينه القرآن فيمنح لحركة الحضارة عدة ضمانات من خلال عدة معالم، منها:

أ- مَعْلَم النهي عن تركيز الثروة في يد قلة من المجتمع، والحفز إلى زيادة مساحة تداول «رأس المال» بين عدد أكبر من فئات المجتمع، بما يجنب -في أقل نتائجه- الفجوات الهائلة بين أصحاب رأس المال وقاعدة المجتمع الكبرى.

ب- مَعْلَم النهي عن الربا: بما يعطي من فرصة واسعة للعمل الجالب للمال، ويخفف من ظاهرة «المال الوالد» للمال، الذي يُعظم من ثروات أصحاب الأموال، ويقلل من فرص العمل والاكتساب للفئات غير المالكة للمال.

جـ- مَعْلَم النهي عن الاكتناز: بما يضمن من توفير فرص عمل لفئات المجتمع الواسعة عن طريق استثمار المال في المشروعات المختلفة.

د- مَعْلَم مبدئية النفع العام: والذي يبيح سد حاجات المجتمع والفقراء من أموال الأغنياء (سد الذرائع والمصالح المرسلة)، بما يضمن القضاء على جرائم الفقر والعوز والحاجة.

هـ- مَعْلَم تسهيل انتقال وتداول «رأس المال» من خلال عدم الارتباط بالتوثيقات في حركة التجارة التي تعتمد على رأس المال بصورة أساسية، وإباحة هذا الاستثناء (إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ) (البقرة: 282).

الهوامش
  • 1 الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 298.
  • 2 أولريش شيفر: انهيار الرأسمالية: أسباب إخفاق السوق المحررة من القيود، ص 312.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة