العنوان مداخل الشيطان (العدد 467)
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-يناير-1980
مشاهدات 91
نشر في العدد 467
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 29-يناير-1980
الأمر بالسوء:
إن أعمال الشيطان كلها ومداخله لتندرج تحت الأمر بالسوء، ذلك لأنه لا يعرف إلا الأمر بالسوء فأخبر عنه تعالى ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 169)، لأن الأمر بالسوء هو الضمان الوحيد لتحقيق غاياته فمنطق الجاهلية يقول إن الغاية تبرر الوسيلة وقد يخدع البعض ويلبس بعض أوامره ثوب الحق ولكنه أبداً لا يريد إلا السوء ولقد ذكر «عن أبي حازم أنه دخل المسجد فوسوس له إبليس أنك تصلي بغير وضوء فقال ما بلغ نصحك إلى هذا». فلقد أخذ إذنًا من الله وعهودًا على نفسه بأن يؤذي بني آدم أشد الإيذاء ويحاربهم بكل وسيلة ويقتحم مودهم في كل مكان و يستولي ويستنزل من بني آدم حظًا معلومًا فقال ﴿لأتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (النساء: 119:118)، يحيد بذلك النصيب المفروض عن الطريق السوي طريق الاستقلال من قيود الشهوة التي تخضع الإنسان وتجعله ساجدًا عابدًا لها من دون الله ويأمرهم بالقيام بأعمال سخيفة كقطع آذان الأنعام حتى يصبح ركوبها وأكلها حرامًا دون أن يحرمها الله ويأمرهم بتغيير خلق الله بقطع أجزاء من الجسم أو تشويهها ولئن كانت هذه الأوامر في عهد الجاهلية فإن أوامره بهذا العهد ازدادت وتنوعت من أعياد مفتعلة وعادات غريبة وسياسة حمقاء وأكبر سوء يأمرهم هو التحاكم إلى الطاغوت وترك التحاكم إلى الحق؛ الحكم بالباطل وكل شيء من وضع البشر من أحكام سخيفة هشة وترك ما وضع الله لهذا الإنسان من الحق .. ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (النساء: 60) علينا ألا نتوقع أن عدو الله إبليس سوف يرفع راية الاستسلام إنه عدو لا يمل الحرب إن حربه دائمة فإما أن ينتصر وإما إن يهزم أمام إيمان المؤمن...
إنه عدو ذو غاية وصاحب الغاية لا يفتر أبدًا حتى يحققها وحتى إذا حققها لا يفتر.. والشيطان لا يأمر إلا أولئك الذين استولى عليهم فأنساهم ذكر الله أما أصحاب الحق فإنه ينسيهم أحيانًا ذكر الله ولكنه لا يستطيع أمرهم بشيء وحتى لو أمرهم لا يلبون وذلك لأنهم يعودون إلى الله بسرعة ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (آلعمران: 135).
نسيان الاستحواذ:
يقول ابن القيم «خُلق ابن آدم من الأرض وروحه من ملكوت السماء وقرن بينهما فإذا جاع بدنه وأسهره وأقامه بالحزم وصبرت روحه خفة وراحة فتاقت إلى الموضع الذي خلقت منه واشتاقت إلى عالمها العلوي وإذا أشبعه ونعمّه ونومه واشتغل بخدمته وراحته أخلد البدن إلى الموضع الذي خلق منه فانجذبت الروح معه فصارت في السجن فلولا أنها ألفت السجن لاستغاثت من ألم مفارقتها وانقطاعها من عالمها الذي خلقت منه كما يستغيث المعذب» (١).
ومتى تظهر عتامة الطين الذي خلق منه الإنسان؟
ومتى ترى الإنسان ذا البشرة البيضاء كأنها سوداء؟
ومتى ترى الابتسامة كأنها عبوس والضحك كأنه بكاء؟
ترى ذلك كله عندما يُنسي الشيطان هذا الإنسان العنصر الآخر الذي خلق منه «نفخة من روح الله» .
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ﴾ (المجادلة: 19)
ينسيه خالقه الذي صوره وأحسن تصويره ويسعى عدو الله حثيثًا لتبخير كل ما علق فيه من ذرات من ذكر الله حتى يحيله إلى طينة يابسة لا حياة فيها وذلك ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت» (٢)، وكما قيل: فنسيان ذكر الله موت قلوبهم وأجسامهم قبل القبور قبور.
يحيله إلى أعمى لا يرى طريقه يتخبط كل ما يعترضه لا يدري أين يسير ولا إلى أين يسير كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ﴾ (طه: 124-126).
فهو كما كان أعمى عن الحق في الدنيا كذلك يجعله الله أعمى في الآخرة ويستخدم عدو الله وسائل كثيرة لتحقيق هذا المدخل منها ذكر بالقرآن الكريم كالخمر والميسر قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ﴾ (المائدة:91 ).
وأحيانًا يستخدم المال والأبناء قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (المنافقون:9).
فلا تخافوهم:
ويومًا بعد يوم يزداد الباطل وتكثر عدته وتزداد أعداده و يبدو مرعبًا ذلك الازدياد وهذه التطورات بتصنيع الأسلحة المدمرة والأجهزة الإعلامية الضخمة التي يملكها الباطل ...
ولربما تسرب شيء من الخوف إلى نفس المؤمن من ذلك الباطل الضخم ولكن الله يرد تلك المخاوف بقوله ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 175).. فالمؤمن مستيقن أن ذلك التضخم الذي حدث للباطل إنما هو أورام ذات غشاء رقيق مليئة بالميكروبات الخبيثة جاءت غازية لذلك الجسم السليم، فكلما زاد حجم هذه الأورام، دنا أجل انفقاعها ويخرج ذلك القيح النتن بعد الانفقاع ويعود الجسم إلى حالته السليمة...
فلا يخاف إلا من الله ولا تروعه أعمال الباطل الكثيرة مادام متمسكًا بالحق في عصبة الحق ويراها دائمًا ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ (النور: 39). أما هو فليس من هؤلاء الظمأى الذين يرون السراب كأنه ماء وذلك بتسليمهم للمخاوف التي يلقيها الشيطان في نفوسهم فينغرس الوهن فيهم فلا يخافهم أحد أما المؤمن فيرى تضخمهم أورامًا وأعمالهم سرابًا ولئن حاول عدو الله بتخويفه بأوليائه من أصحاب الباطل تذكر قول الله تعالى ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 175)
الأماني الكاذبة:
يعد الشيطان أولياءه بأنه لا جنة أو نار أو يهون النار في قلوبهم فلا يخافونها ولا يقدرونها حق قدرها فيجترون على المعاصي و يمنيهم النجاة من عاقبة أعمالهم و يزرع في قلوبهم أن اعملوا ما شئتم من المعاصي فان لكم ربًا غفورًا و ينسون أنه شديد العقاب كما أنه يمني بعض الدعاة بملاذ الدنيا من الأولاد والتجارة والمنصب وطلب الرياسة فيتركون الدعوة ويستسلمون لهذه الأماني التي تجذبهم إلى الأرض فينسون السماء.
«ونستلذ الأماني وهي مردية – كشارب السم ممزوجًا مع العسل..» (٣)
وكأني أرى الشيطان وهو يضحك بملء فيه عليهم وهم يتكالبون على الدنيا وخضرتها وينسلخون من هذه الدعوة المباركة
﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (النساء:120)..
الهوامش:
١) الفوائد لابن القيم - ص ١٦٨ يقصد به نفخة الملك بأذن الله تعالى
٢) متفق عليه «اللؤلؤ والمرجان» ٤٤٦ واللفظ للبخاري
٣) المدهش - لابن الجوزي - ص 150.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل