العنوان مداخل الشيطان.. الغضب
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-سبتمبر-1979
مشاهدات 93
نشر في العدد 455
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 04-سبتمبر-1979
مَثَل من القرآن:
دخل موسى عليه السلام المدينة فوجد رجلين يقتلان، أحدهما من بني إسرائيل والآخر من الأقباط، فاستغاثه الذي هو من قومه وهو إسرائيلي على عدوه، وفي نفس اللحظة يدخل عدو الله ليلقي الغضب على نفس موسى، فما أن دعاه صاحبه يستصرخه حتى هوى بقبضة يديه على القبطي فصرعه.
ولم تكن فترة تفكير أو تأن من موسى إنما ضرب عدوهما بمجرد استغاثة صاحبه به ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾، وبعد أن رأى موسى القبطي قتيلًا أدرك أن ذلك من عمل شيطان فقال ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾.
أنواع الغضب:
والغضب نوعان، غضب لله، وهذا من ثمرات الإيمان؛ إذ إن الذي لا يغضب لله إذا انتهكت محارمه فإن إیمانه ضعف.
والنوع الآخر من الغضب هو غضب لغير الله، كأن يكون للنفس العشيرة أو الوطن...إلخ، وهذا نوع هو الذي يسببه عدو الله وهو مدخل من مداخله؛ إذ به تحدث الجرائم وتتفكك الأسر ويضعف الإيمان وتضعف رابطة الأخوة بالله، فهو شر تنبع منه شرور كثيرة، لذلك لم يكن غريًبا عندما قال رجل للرسول صلى الله عليه سلم «أوصني قال:- لا تغضب- ردد مرارًا، قال: لا تغضب» وهو الرسول الذي أوتي جوامع الكلم يردد هذه الكلمة عدة مرات دلالة على حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على تبيين حجم هذا المدخل الشيطاني..
ملكة النفس:
وليس الغضب مقياسًا للقوة، كمايزينه الشيطان للبعض فيغضب ليرى الناس أنه شديد ذو بأس. إنما تقاس الشدة بمقدار ما تملك النفس عند الغضب، كما بين الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قال: «ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»..
ولقد ربّى الإمام الشافعي نفسه على هذه المعاني خير تربية، ورجل بمنزلته يتعرض للنقد والمجادلة والشتائم من الذين لم يتربوا بتربية الإسلام والذين طغت عليهم أهواؤهم ولكنه يستقبل حماقة هؤلاء بصدر رحب، صدر الداعية المربي، مطبقًا قاعدة قائده الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول:
يخاطبني السفيه بكل قبح *** فأکره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة فأزيد حلما *** كعود زاده الإحراق طيبا
لا تنس أنك طبيب :
والغضب أيضًا ليس مقياسًا لاكتساب احترام الناس كما يزين الشيطان للبعض، والداعية الصادق لا يقابل سفاهة السفهاء بكلام بذيء، وغضب سافر، إنما يقابلهم بالحلم الذي قابلهم به الشافعي لأنهم مرضى وهو الطبيب، وليس من آداب الطب الغضب على تصرفات المرضى وشتائمهم بسبب الأمراض المزمنة التي في قلوبهم..
محاكمة النفس :
وقد يدخل عدو الله من مدخل آخر فيخلط الغضب لله بالغضب للنفس، وهنا على الداعية أن يقف ويسأل نفسه وليكن صريحًا معها- أهذا الغضب لله أم للنفس؟؟
ومثالا على ذلك.. إذا نصحك أحد الناس بنصيحة ووجدت في هذه النصيحة غلظة، وكان أقل منك علمًا وسنًّا.
هنا يطرح السؤال نفسه، بعد الانفعالات التي داخلتك وبعد الوساوس التي طرحها عدو الله في قلبك وأشعل النار تحت الأثافي ليزيدك حرارة ويشعلك غضبًا.. هل سترضى بالنصيحة وتبتسم ابتسامة القبول وتقول له- جزاك الله خيرًا- أم أنك ستثور لنفسك ويخدعك الشيطان قائلا لك: علّمه كيف ينصح، وأنت بذلك تبغي الانتصار للنفس، فإن كان الآخر فاستغفر لذنبك، وإن أصررت إلا الانتصار للنفس فاعلم أن الشيطان قد انتصر عليك هذه المرة، فانهض من عثرتك ولا تكن من الذين يرضون بالهزيمة فإن ذلك ليس من شيمة الدعاة.
ميزانان:
أخي الحبيب: إن كثيرًا من الأشياء حينما نزنها بميزان الجاهلية تعطينا الإشارة الخضراء بالغضب، ولكن عندما نزنها بميزان الإسلام فلا تعطينا الحق بالغضب إلا لله.
أخي، بالله -والذي نفسي بيده- إن الأخوة التي كرمك الله بها على كثير ممن خلق لهي أعز عند الله من أن تنهب أو تضعف بسبب دنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل