العنوان مداخل الشيطان
الكاتب عبدالحميد أبو بلال
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يناير-1980
مشاهدات 79
نشر في العدد 464
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 08-يناير-1980
نسيان الاستحواذ
يقول الإمام ابن القيم: «خلق ابن آدم من الأرض، وروحه من ملكوت السماء وقرن بينهما، فإذا أجاع بدنه وأسهره وأقامه بالحزم وجدت روحه خفة وراحة، فتاقت إلى الموضع الذي خلقت منه، واشتاقت إلى عالمها العلوي، وإذا أشبعه ونعمه ونومه واشتغل بخدمته وراحته أخلد البدن إلى الموضع الذي خلق منه، فانجذبت الروح معه، فصارت في السجن، فلولا أنها ألفت السجن لاستغاثت من ألم مفارقتها وانقطاعها عن عالمها الذي خلقت منه، كما يستغيث المعذب»[1].
ومتى تظهر عامة الطين الذي خلق منه الإنسان؟
ومتى ترى الإنسان ذا البشرة البيضاء كأنها سوداء؟!
ومتى ترى الابتسامة كأنها عبوس والضحك كأنه بكاء؟!
ترى ذلك كله عندما ينسى الشيطان هذا الإنسان، العنصر الآخر الذي خلق منه «نفحة من روح الله» ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾) (المجادلة:19)
ينسيه خالقه الذي صوره وأحسن تصويره، ويسعى عدو الله حثيثًا؛ لتبخير كل ما علق فيه من ذرات من ذكر الله، حتى يحيله إلى طينة يابسة لا حياة فيها، وذلك ما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
«مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ»[2] ٣، وكما قيل: «فنسيان ذكر الله موت قلوبهم وأجسامهم قبل القبور قبور».
يحيله إلى أعمى لا يرى طريقه، يتخبط كل ما يعترضه، لا يدري أين يسير، ولا إلى أين يسير، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ (طه: 124 -125)٤.
فهو كما كان أعمى عن الحق في الدنيا، كذلك يجعله الله أعمى في الآخرة، ويستخدم عدو الله وسائل كثيرة؛ لتحقيق هذا المدخل، منها ذكر بالقرآن الكريم، كالخمر والميسر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ ﴾5(المائدة:91).
وأحيانا يستخدم المال والولد، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (المنافقون: 9) ٦.
١- الفوائد ص ١٦٨
٢- المجادلة ١٩
٣- البخاري ومسلم
٤- طه ١٢٤
٥- المائدة ٩١
٦- المنافقون ٩
التخويف بالفقر:
البيعة:
وكما أن هذه الدعوة تحتاج إلى التضحية بالنفس؛ لكي تنتشر، كذلك فهي محتاجة إلى التضحية بالمال سواء بسواء، فلذلك كانت البيعة التي عقدها الله مع المؤمنين متكونة من هذين العنصرين: النفس والمال، اللذين بهما يتم انتشار دعوة الحق وانتصارها والفوز بالجنة، فإذا نقص أحد العنصرين في البيعة كانت بيعة ناقصة.
إبليس والبيعة:
ويأتي عدو الله هنا؛ ليفسد هذه البيعة، فيلقي بالنفس الخوف من الفقر، ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ (البقرة: 268) ١. عندما يهم المسلم بالإنفاق في سبيل الله أو إذا طلب منه ذلك یوهمه بأن ذلك سينقص من ماله، وأنه محتاج لذلك المال ويعرض له الأدلة في القرآن ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة:286) ٢ . إلى آخر هذه الهمزات حتى يجعله يعدل عن الإنفاق في سبيل الله، وبذلك يفسد بيعته مع الله.
جزاء المنفقين:
وقد بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جزاء المنفقين في سبيل الله، والذين لا يخافون الفقر، فقال: «من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه؛ حتى تكون مثل الجبل»[3]4.
هكذا تشربت هذه المعاني في قلوب الرعيل الأول، وهكذا فهموا الإسلام؛ حتى ينفق أحدهم كل ماله في سبيل الله عندما طلب منه المال، ويسأله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ماذا أبقيت لأهلك» يقول: «أبقيت لهم الله ورسوله». هؤلاء هم الذين صدقوا البيعة مع الله، فنالوا من الله ما نالوا، تقف أمامهم مداخل الشيطان وألاعيبه كأنها هباءة، بل لا تساوي هباءة أمام إيمانهم الشامخ.
كيف تربى الصحابة؟
كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلمهم دائما كيف يحافظون على البيعة، التي عقدوها مع الله، فما أن يرى أي اعوجاج في أحد العنصرين إلا عدله فيهم، أو لقد دخل عليه الصلاة والسلام على بلال وعنده صبر ة من تمر، فقال: «ما هذا يا بلال؟، قال: أعد ذلك لأضيافك، قال: «أما تخشى أن يكون لك دخان في نار جهنم، أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا)[4] .٦
نعم، أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالا. أنفق يا داعية الإسلام في كل مكان، ولا تخش الفقر، ولا تخش من ذي العرش إقلالًا.
۱-
٢- البقرة: ٢٨٦
٣- الجحش أو المهر فطما
٤ البخاري
٥- الطعام المجتمع مثل الكومة.
٦- رواه البزاز بإسناد حسن، وقال ابن حجر: بالزوائد إسناده حسن.
غرس اليأس
مقدمـة
قال «علي بن طلحة» عن «ابن عباس» قال: نزل النبي -صلى الله عليه وسلم- حين سار إلى بدر والمشركون بينهم وبين الماء رملة، وعصة، وأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ يوسوس بينهم، تزعمون أنكم أولياء الله – تعالى - وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلون مجنبين؟؛ فأمطر الله عليهم مطرًا شدیدًا، فشرب المسلمون وتطهروا، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان[5] 1.
يقول لهم: (وأنتم تصلون متجنبين)، ومتى كان العدو ناصحًا؟، إنما هو ذلك التخطيط الشيطاني؛ لغرس ذلك اليأس في قلوب عصبة الحق، ومن الطبيعي أنه يدخل إليهم من ذلك المدخل الإيماني؛ لكي يسهل عليه غرس اليأس، وإلا لاكتشفوه: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ (الأنفال: 11) ۲.
الهزيمة النفسية:
وكل هزيمة لا بد وأن تسبقها هزيمة نفسية في قلوب المقاتلين، عندئذ لا يكون للسلاح قيمة، ولولاها لأصبح النصر متعذرا لكلا الجانبين، هذا ما حاول الشيطان أن يلقي في قلوب أهل بدر قبل لقائهم بعدوهم.
نفوس إسفنجية:
والإسفنج من خصائصه أنه يمتص ولا يعكس، وبعض النفوس كالإسفنج تمتص كل وسوسة ونزنمة[6] من الشيطان، وقد يلقي عدو الله في نفوس بعض الدعاة ذوي النفوس الإسفنجية أنه كيف تنتصرون والجاهلية تملك ما تملك، وأصحاب الحق قليلون، وقد مرت سنون ولم يحدث تغيير ، وكلما خرجتم من السجون عدتم إليها، إلى متى هذه الغربة وهذه الفتن؟!.
طريق التهور:
هذا اليأس في النصر، يدعو ذلك الداعية للتهور والتصرف الفردي، مما يضع الدعوة في موضع بالغ الخطورة؛ ذلك لأن الدعوة كأنها السفينة، التي تكلم عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، تسير في محيطات الجاهلية العميقة، وعليها عصبة الحق، فإن أخطأ أحدهم وأراد أن يثقب ثقبًا في أسفل السفينة؛ ليحصل على الماء بسرعة؛ ليوفر عليه وقت الصعود إلى الأعلى وجلب الماء - كما يظن- غرق وغرقوا جميعًا، هذه الكارثة كلها تكون بسبب ذلك التصرف الفردي من أحد أفراد الدعوة، الذي وضع إبليس اليأس في قلبه.
عشق الظلام:
إن بعض النفوس تستلذ اليأس، وتعشق الظلام، ولكن الأمل من حولها واسع، والنور غامر؛ ولذلك وجبت هذه الربتة الخفيفة على كتف المطرف المطاطئ الملتفت، تنبهه إلى سكينة قريبة منه لو تناوش، وهالة جميلة فوقه لو رفع رأسه ونظر، وهل أسطع من هالة شمس هذه الدعوة التي هو فيها، وأنصع بياضًا وأشد لألاة؟. ٣
ولا بد أن توجد مثل هذه النوعيات، التي تستلذ اليأس، وتستسلم لنداء الشيطان في كل دعوة.
-الإمام البنا يحذر:
الإمام البنا يحذر
ولقد كان الإمام البنا عليما بالدعوة، فقيها بالنفوس، ولا يفوت من يملك هذا الفقه، أن في الجماعة فئة معرضة لهذا المدخل الشيطاني الخطير؛ لذلك نادى هذه الفئة- لا تيأسوا، فليس اليأس من أخلاق المسلمين، وحقائق اليوم أحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد، وما زال في الوقت متسع، وما زالت عناصر السلامة قوية عظيمة في نفوس شعوبكم المؤمنة رغم طغيان مظاهر الفساد، والضعيف لا يظل ضعيفا طول حياته، والقوي لا تدوم قوته أبد الآبدين: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص:5)٤.
١- تفسير ابن كثير ج ۲ ، ص ۲۹۱.
٢- الأنفال ۱۱
٣- العوائق ص ۲۸۰
٤- مجموعة الرسائل- المؤتمر الخامس ص ۲۹۸.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل