العنوان إعادة تنظيم البيت .. للخروج من المأزق
الكاتب الاستاذ مصطفي مشهور
تاريخ النشر السبت 24-أغسطس-2002
مشاهدات 71
نشر في العدد 1515
نشر في الصفحة 26
السبت 24-أغسطس-2002
● الصلة بين الظلم والفساد وثيقة.. فحيث يسود الظلم يعم الفساد وتترسخ جذوره.
● تعيش الأمة محنة قاسية .. تستهدف دينها وهوتها ووجودها ..
● روح المقاومة ما زالت ملموسة في الشعوب إلا أن أجواء الظلم والفساد تحاول إخمادها.
لا يكاد اثنان من عامة الناس أو خاصتهم يختلفان حول أمرين:
الأول: انتشار ظاهرة الفساد.. في مختلف المستويات، وعلى مختلف الساحات وتعمق جذوره، ووصوله إلى مستوى من السفور جعل الشرفاء والمخلصين يشفقون - في ألم وحسرة - على حاضر البلاد والعباد.. ويدعون الله عز وجل أن يكشف الغمة، ويزيل الكربة.. ويأخذ بيد الأمة إلى طريق الجادة والهداية والقيم والمثل.
الثاني: انتشار الظلم.. والقهر.. أيضًا على مختلف المستويات والساحات والجهات.. حتى بات الخوف يسيطر على الناس، وصار القلق يبدد الهدوء والسكينة.. وصار الأمن والحرية - وهما حقان فطر الله الناس عليهما، حلمًا يراود الإنسان بعد أن بدد الظلم والقهر أمنه. ووصل أمر الظلم إلى مستوى مصادرة حق الإنسان في الحياة.. بدل أن يهنأ آمنًا مرتاح البال في داره أو عمله، أو حله أو ترحاله.
والصلة بين الفساد والظلم أكثر من وثيقة.. إذ حيث يعم وينتشر الظلم.. يعم الفساد وترسخ جذوره، وحين يصادر حق الإنسان في إبداء الرأي والمشاركة في القرار وتصادر الكلمة. كما تصادر الحقوق كافة تنعدم الرقابة ... وينتشر الفساد ويعيث أهله تقويضًا للقيم وهدمًا للأخلاق وترويجًا لكل ما هو قبيح.. وتسخر وسائل الإعلام لتحسين الظلم.. كما تسخر لتجميل الفساد وتحسينه. كما تسخر لتاليه الدكتاتوريات وبث الرعب والخوف في نفوس الناس ويجري الانحراف بأجهزة الأمن لتمارس دورًا غير دورها الصحيح، فبدلًا من أن تحمي المواطن، وتؤكد حقه، وتدافع عنه وعن إقامة دعائم القانون يجري تسخيرها لحماية البعض وتأكيد أمنهم كما يجري تسليحها بشتى أسلحة ووسائل التعذيب لانتهاك الحرمات، واقتحام البيوت وتتبع العورات وإلصاق الاتهامات والافتراءات بالأبرياء.
وعلى أعواد المشانق حرمت الأمة من علماء أفذاذ ومصلحين أبرار ومجاهدين عظماء.. ومفكرين حكماء. لتتضاعف جريمة الظلم.. ويزداد حجم الفساد وتتسع رقعته. وتتضاعف وطأة القهر، تثقل ظهور الشرفاء والمخلصين.. ويخلو الجو للفساد والمفسدين، ليواصلوا تدمير وتخريب ثروات الأمة البشرية والمادية.
كثير من البلاد العربية والإسلامية، لا تخلو سجونها من الشرفاء الأحرار، والدعاة إلى الله الأبرار ولا تتوقف فيها المحاكم الاستثنائية عن إصدار الأحكام على الأبرياء... ولا يسلط فيها سيف أو سوط القوانين الجائرة الظالمة، إلا ليبتر رقاب أكرم وأنبل أبنائها، أو يجلد ظهورهم.
كثير من البلاد العربية والإسلامية أيضًا.. سخر حكامها إمبراطوريات إعلامية ضخمة... لا لخدمة قضايا الأمة مثل القضية الفلسطينية ولا للذود عن الإسلام والمسلمين.. ولا لرفع مستوى الرعية الثقافي، أو النهوض الأمة القيمي والأخلاقي أو لنشر معارف العصر وعلومه، ولكن لترسيخ كراسي السلطة.. وبث الرعب في نفوس الرعية، إضافة إلى الترويج للمباذل والسفاهات... وتزيين وتجميل مفاتن العصر وتفاهاته.. وتنفق المليارات من أموال الأمة هدرًا .. بينما يعجز الإعلام العربي عن الاتفاق حول خطة إعلامية لنصرة القضية الفلسطينية ... أو الذود عن الإسلام ورد الهجمات المغرضة عليه.. بحجة القصور في الميزانيات.. وهو في حقيقته تعبير عن عدم توافر الإرادة أو التوجه.. وتغليب الخاص على العام.
تبديد لمقومات الأمة
ولقد أدى الظلم والكبت، والقهر والفساد في ظل الدكتاتوريات المهيمنة على أغلب دول العالم الإسلامي، وفي ظل مصادرة حق الإنسان إلى تبديد جانب كبير من حيوية الأمة ومناعتها .. ولولا رصيد هائل تركه الإسلام إيمانًا في القلوب والنفوس، وأصالة في السلوك، وإصرارًا على الوجهة والاتجاه في ثنايا الصدور لكان الانهيار والتلاشي... أو الذوبان والتماهي.. وإن كان ما حلَّ بالأمة من ظلم. وما شاع في ساحتها من فساد قد أفسحا المجال واسعًا لظلم أبشع وفساد أدهى وأمر.. وفدا من الخارج. استهدفا قلب وضمير الأمة بالتغيير والتحويل والتبديل.
وأخطر أنماط الظلم والفساد قد وفد مع المستعمر القديم والجديد، الذي صار يعلن في غير مواربة بالقول والعمل أن هدفه هو السيطرة على العالم، وأنه من أجل بلوغ هذا الهدف، لابد من السيطرة على العالم العربي والإسلامي قلب ومركز العالم حيث أهم المواصلات والثروات، وحيث الإسلام العقيدة والحضارة والدور الريادي.. والدين الذي يرفض الضيم.. أو الخضوع، ويأبى لأبنائه إلا العيش في عزة وكرامة وندية وشموخ. وقد رف أهله الشعار من كتاب ربهم ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ (المنافقون:۸).
ولا غرابة ولا عجب أن يتلمس المستعمر السبل لطعن الإسلام والمسلمين، ولا يتوانى في توجيه الحملات للنيل من الإسلام والمسلمين ويرفع شعار الحرب ضد الإرهاب، ليسحق قطرًا من أقطار الإسلام، ويصفي شعبًا من شعوبه.. ويقف وراء الكيان الصهيوني الغاصب بالدعم العسكري والمالي والسياسي، ليثبت جذوره، ويحكم الحصار الخانق حول إخواننا في فلسطين، ويسلط عليهم جيوش احتلاله، وأجهزة قمعه ليعتقل ويعذب الشباب ويسيء إلى الأمهات والأخوات ويروع الأطفال.. ويصادر الأرض والديار.. ويذيق الناس ظلمًا لا يوازيه إلا ظلم من يعلن انحيازه السافر لكل عدو للإسلام والمسلمين في أفغانستان، وفي كشمير، والشيشان، وفي كل أنحاء عالم العرب والمسلمين.. كما أعلن انحيازه أو احتضانه لدكتاتوريات تتحكم في رقاب المسلمين.
أخطر ما في الأمر أن أمريكا وقد جردت حملتها العسكرية ضد العرب والمسلمين جردت معها حملة للفساد لتغزو فكر وعقول ونفوس العرب والمسلمين في سعي محموم لفتنتهم في عقائدهم وآدابهم وتقاليدهم وأخلاقهم.
وإذا كانت أسلحة الدمار الأمريكية.. تعيث في أفغانستان قتلًا ودمارًا.. وإذا كانت أسلحتها في أيدي الصهاينة تعيث في إخواننا الفلسطينيين سفكًا للدماء وإزهاقًا للأرواح، وإذلالًا للحرائر.. وتصفية للشباب وتفريغًا للأرض من سكانها، وتضييقًا للحصار على المحاصرين، لتصفيتهم، أو لدفعهم للهجرة. وتلوح بالأسلحة نفسها لضرب هذا الشعب العربي المسلم أو ذاك، وإعلان دعمها لقيصر روسيا الجديد للفتك بالشيشان أو الوقوف إلى جوار الهند للفتك بشعب كشمير المسلم.. فإن أمريكا في الوقت نفسه قد أعلنت دون مواربة، أنها تؤيد هذا الدكتاتور، أو تضفي حمايتها على ذاك، في إطار سياسة قبول الهيمنة الأمريكية، والدوران في فلكها، وأيضًا نشر العادات والطبائع، ونمط الحياة الأمريكي. وضرب حركات التحرر.. وتضييق الخناق على العلم والمعرفة... تغيير مناهج التعليم.. وتشديد الحصار والخناق حول ووصمهم بالإرهاب، أو تقديمهم للمحاكمات الدعاة العسكرية والاستثنائية، ورفع شعارات العلمانية.
والعجيب أن تحاول أمريكا الضحك على عقول لناس، وهي تحاول أن تجرد الشعب الفلسطيني من حقوقه... فتعلن أنها مع دولة فلسطينية مؤقتة.. شريطة أن ينبذ الفلسطينيون الأبرياء العزل الإرهاب.. ويؤمنوا بالديمقراطية.. بينما هم يتعرضون للحصار، والسحق والإبادة، أو لتهجير.. في إطار حملات الإرهاب الوحشي الصهيوني.
وأعجب من هذا أن تعلن أن نهوض الفلسطينيين بالإصلاح السياسي والمالي والأمني.. وانتخابهم لرئيس جديد، ومسؤولين جدد عبر انتخابات حرة نزيهة.. سيفسح المجال أمام دولتهم الموعودة، لتحتل مكانها على الخريطة ...
رغم أن الداني والقاصي يعلمان أن أمريكا تقف موقف العداء إزاء إطلاق حريات الشعوب العربية والإسلامية موقف العداء من قيام ديمقراطيات أو برلمانات نزيهة.. كما أن الداني والقاصي يعرفان استحالة إجراء انتخابات نزيهة في تجمعات سكانية فلسطينية.. مقطعة الأوصال محاصرة.. تتعرض للاقتحام الصهيوني المجرم مع التفتيش المتواصل والزج بالألوف من الشباب الفلسطيني من الاعتقال والتعذيب.
الخروج من المأزق
إن الأمة تعيش محنة قاسية.. محنة الهجمة التي ستهدف دينها وهويتها .. ووجودها وحضارتها .. وإذا كانت روح المقاومة.. والإصرار والرفض، مازالت على مستوى الشعوب محسوسة وملموسة، وتمثل السلاح الناجع في المقاومة والمواجهة.. والسبيل - بعد توفيق الله - للوصول إلى بر النجاة، والخروج من المحنة. فإن أجواء الظلم، وأجواء الفساد تعوق دون شك روح المقاومة.
ولما كانت الهجمة قد أسفرت عن وجهها، مع رفعها شعار الحرب على الإرهاب، وصارت تعلن أنها تستهدف الحكام... كما تستهدف الشعوب.. وأنها في سبيلها لتغيير هؤلاء.. وإخضاع أولئك.. فإن الموقف يتطلب من المسؤولين الحكومات إعادة النظر في السياسات.. وليكن الحرص على دعم الشعوب من خلال إصلاح السياسات، وإعادة ترتيب البيوت.. والسعي لوحدة الصفوف.
وإذا كنا تلح على ضرورة وحتمية إصلاح البيت العربي والإسلامي، للخروج من المأزق والمحنة.. فذلك لأنه يمثل خطوة أساسية لضمان الوصول إلى بر النجاة.. والنجاح في مواجهة الهجمة.. وهي خطوة تتمثل في خطوط رئيسة عدة ومهمة في مقدمتها:
(1) العودة إلى منهج الله عز وجل.. وتحكيم كتابه والعمل بسنة نبيه الله القائل وقد صدق: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به من بعدي لن تضلوا أبدأ كتاب الله وسنتي».
(2) وإذا كان تحكيم كتاب الله والعمل بسنة نبيه يضمنان شفافية.. الأمر وطهارة اللسان واليد والذمة ونظافة المجتمع والتزام الإنسان فإنهما يؤكدان الشورى. والحرية كما يؤكدان حق الإنسان في الاختيار مع الجهر برأيه ومزاولة حق النقد.. وقد استقر في ذهنه قولة أبي بكر الصديق رضي الله عنه: «لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها».
(3) وحين تكون العودة إلى منهج الله.. يكون الحب وتكون الأخوة وتكون وحدة الصف.. والالتحام بين الحاكم والمحكوم، ووقوف الجميع في وجه المعتدي دفاعًا عن الأرض والعرض، ولا يكون هناك امتثال لقول من يجهر في صلف وغطرسة، بأن مقاومة الشعب الفلسطيني لجحافل الاحتلال اليهودي الإجرامي.. إنما هي إرهاب يجب إدانته، وفرض الحصار حوله.. ولكن يكون الامتثال لقول النبي صلى الله عليه وسلم «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر» (متفق عليه) ويكون الاقتداء بحاكم نادته مسلمة في أقصى الدولة الإسلامية وامعتصماه.. فسير لها جيشًا يؤكد كرامتها وعزتها ومسؤوليته إزاء أعراض ودماء وعزة المسلمين.
(4) وحين تعيش الأمة في ظلال قرآنها، وتعمل بسنة نبيها ستتحرر الإرادة بتحرر القرار، وستخرج مضحية مجاهدة لتحرير كامل الأرض .. وهي تمضي في الطريق نفسه الذي سار فيه من دحروا هجمة التتار والصلبيين, ويعود الأمن والأمان للديار الطاهرة .. وتعيش الأمة دورها الريادي والحضاري, متمثلة قول ربها سبحانه : ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ تأمُرُونَ بِٱلمَعرُوفِ وَتَنهَونَ عَنِ ٱلمُنكَرِ وَتُؤمِنُونَ بِٱللَّه﴾ (آل عمران : 110).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل