; إسبانيا .. وتطلعات الاستعمار الجديد | مجلة المجتمع

العنوان إسبانيا .. وتطلعات الاستعمار الجديد

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 27-يوليو-2002

مشاهدات 59

نشر في العدد 1511

نشر في الصفحة 9

السبت 27-يوليو-2002

فتح النزاع الذي نشب مؤخرًا بين المغرب وإسبانيا حول جزيرة «ليلى» ملف احتلال إسبانيا للأراضي المغربية، متمثلًا في مدينتي «سبتة ومليلية»، وعدد من الجُزُر المغربية، وهو في الوقت نفسه يفتح ملفًا مليئًا بالأحداث التاريخية، وحافلًا بالحروب الدامية بين الغرب الصليبي والمسلمين، ويعيد إلى الذاكرة وقائع تلك الحملات الصليبية التي قادتها الجيوش الإسبانية والبرتغالية بدعم وتأييد من الكنيسة، لاقتلاع الوجود الإسلامي من الأندلس، ثم مطاردته إلى السواحل المغربية في محاولة للقضاء عليه، وكانت خطتها في ذلك احتلال المناطق الإستراتيجية على السواحل المغربية؛ لرصد حركة الوجود الإسلامي ومراقبته، وشل أي انطلاقة إسلامية إلى السواحل الأوروبية الجنوبية.

ونحن هنا لا نتكلم عن قضايا تاريخية؛ إذ لا يزال هذا الهدف قائمًا حتى اليوم، وعلى قمة الأولويات الأوروبية، ولذا فإن هناك اتفاقًا أوروبيًّا على تأييد إسبانيا في موقفها من استمرار احتلال المدن والجزر المغربية.

النزاع الأخير حول جزيرة «ليلى»، لا يمكن حصره في نزاع تقليدي على قطعة أرض صغيرة، وإنما هو في حقيقته عنوان لصراع طويل وممتد بين مشروع صليبي غربي يسعى إلى فرض هيمنته على المنطقة العربية، ووجود إسلامي أصيل يواصل المقاومة والصمود؛ دفاعا عن الهوية والدين والأرض.

وهذا الصراع الدائر عند أقاصي المغرب العربي لا ينفك عن الحملة التي يشنَّها الاستعمار الغربي الحديث في مناطق عديدة من الأرض بهدف تحجيم الوجود الإسلامي وتذويب الهوية الإسلامية.

وإذا اقتربنا أكثر من ملف الاحتلال الإسباني للمدن والجُزُر المغربية، فإننا نجد العديد من الشواهد على ما نقول:

فمدينة «سِبتة» مثلاً التي حظيت بمكانة رفيعة عبر التاري؛خ بسبب موقعها الجغرافي الإستراتيجي ظلت محط أنظار الاستعمار منذ القِدَم وبخاصة الصليبيين، وقد امتلات أوروبا وحكام شبه إيبريا «إسبانيا والبرتغال» حقدًا على هذه المدينة؛ بسبب دعمها المتواصل للوجود الإسلامي في الأندلس، فقد كانت دائمًا مركز الإغاثة والنجدة للدولة الإسلامية في الأندلس خلال صراعها مع الجيوش الأوروبية، ومن الناحية الاقتصادية، كانت تمثل المحطة الأولى التي تفد إليها السفن التجارية من الموانئ الإسلامية، ولذلك تسابقت إسبانيا والبرتغال على احتلال المدينة، وكان رضا البابا والكنيسة الغربية على الدولتين يُقاس بمقدار ما تنزلانه بالمسلمين هناك من تنكيل، والدولة التي تَفتِك أكثر بالمسلمين تكون أقرب إلى عطف ورضا الكنيسة!

وتسجل دراسة حديثة صادرة عن مركز زايد للتنسيق والمتابعة أن المسلمين في «سبتة» تعرضوا خلال غزو البرتغاليين للمدينة في عام 818هـ - ١٤١٥م لمذبحة مُرَوِّعة خلال مقاومتهم للجيش الصليبي بقيادة الملك البرتغالي «جواو الأول»، الذي قال وهو يُحرِّك حملته إنها مُوَجَهة ضد «المسلمين أعداء المسيحية بالسليقة»، وإن تلك الحملة هي «لخدمة العرش والبلاد والدين المسيحي».

وقد قوبِل احتلال المدينة والمذبحة التي وقعت فيها للمسلمين بمباركة البابا الذي منح الملك البرتغالي «صك الجهاد المقدس»!

كما اعتبرها الغرب حملة صليبية ناجحة ضد المسلمين.

وبعد الاحتلال البرتغالي للمدينة جاء الاحتلال الإسباني عام ١٥٨٠م، الذي ارتكب فيها مذابح لا تقل بشاعة عما ارتكبه البرتغاليون، وكانت الكنيسة تدعم وتبارك تلك المذابح على طول الخط.

وقام الاحتلال البرتغالي والإسباني بحملة واسعة لطمس معالم الحضارة الإسلامية، وحول المساجد إلى كنائس والمدارس إلى اصطبلات ومعسكرات، وأتلفت الكتب وهدمت المكتبات تحت إشراف كبير الأساقفة.

وما جرى في «سبتة» جرى مثله في مدينة «مليلية»، التي احتلتها إسبانيا عام ١٤٩٧م، وقد أعلن الملك الإسباني «فيرنانديز» وزوجته «إيزابيلا» أربعة أهداف لاحتلالها:

  1. الثأر من المغرب الذي ساعد دولة الإسلام على فتح الأندلس عام ٩٢هـ (۷۱۱م).

  2. متابعة المغاربة ومحاربتهم في عقر دارهم. 

  3. الحيلولة دون أن يتمكن المغاربة من نصرة المسلمين، الذين بقوا في الأندلس.

  4. متابعة الحملات الصليبية التي تباركها الكنيسة. 

واليوم فإن الاتحاد الأوروبي وحِلف الأطلسي يتخذان سياسات لا تختلف كثيرًا عمَّا حدث في الماضي، فهناك تفويض لإسبانيا للقيام بدور البوابة الجنوبية المواجِهة للمنطقة العربية، وفي سبيل القيام بهذا الدور، سارعت إسبانيا لاحتلال جزيرة «ليلى»؛ لتبليغ رسالة مؤداها أن إسبانيا ومن ورائها أوروبا هي – وحدها – التي تمتلك فرض منطق القوة والأمر الواقع، وفي سبيل القيام بهذا الدور، يستمر احتلال سبتة ومليلية، وفي سبيله أيضًا تعبث الأصابع الإسبانية في منطقة الصحراء الغربية؛ لتبقى مشكلة دائمة تستنزف طاقات المغرب والجزائر وسكان الصحراء.

وقد وافق ذلك هوى لدى إسبانيا التي بدأت تُحيي إستراتيجية «الاستعمار الجديد»، وهو منزع خطير في سياستها الخارجية، آخذ في التوسع.

وعلى صعيد ما يسمى بالتعاون الإقليمي، فإن لإسبانيا دورًا متميزًا في رعاية ما يسمى المنتدى الأورومتوسطي، الذي هو ذراع آخر لاختراق المنطقة.

الشواهد إذن تدل على أن النزاع على جزيرة «ليلى» ليس نزاعًا على قطعة أرض بقدر ما هو حلقة في مسلسل صراع تاريخي طويل لا يقتصر على حدود المغرب وحدها، فهل لنا أن نعيد قراءة التاريخ جيدًا ونَعِي دروسه؟، وهل لنا أن نضع الأحداث في سياقها وموضعها السليم؛ لنواجهها بما تستحق من متطلبات؟ نأمل ذلك.

الرابط المختصر :