; «غينيا بيساو» .. الوضع المتأزم وانعكاساته على دول الجوار.. فصول المؤامرة لم تكتمل بعد.. وشرارة الاحتراب القبلي قد تشعل البلاد | مجلة المجتمع

العنوان «غينيا بيساو» .. الوضع المتأزم وانعكاساته على دول الجوار.. فصول المؤامرة لم تكتمل بعد.. وشرارة الاحتراب القبلي قد تشعل البلاد

الكاتب محمد سعيد باه

تاريخ النشر السبت 16-مايو-2009

مشاهدات 58

نشر في العدد 1852

نشر في الصفحة 28

السبت 16-مايو-2009

  • شهدت صراعًا داميًا بين أجنحة الجيش والقوى السياسية المتنافسة على السلطة وأحدث ذلك فوضى عارمة وشرخًا عميقًا في المجتمع.
  • عسكريون قتلوا الرئيس فييرا ذبحًا أمام زوجته.. انتقامًا لمصرع منافسه الجنرال « نا واي » رئيس أركان الجيش في انفجار عنيف دمر مقره.
  • أصبحت غينيا بيساو وبعض الدول المجاورة لها محاور عالمية لتهريب المخدرات من أمريكا اللاتينية إلى الدول الغربية.
  • السنغال أكثر الدول تضررًا من تأزم الوضع بسبب تشابه وتشابك الوضع في البلدين ولأن الوضع في جنوب السنغال لم يحسم بعد .
  • مصادر مطلعة: أجهزة مخابرات غربية تكثف أنشطتها في المنطقة لفرض سيطرة إستراتيجية على شواطئ غرب أفريقيا.

غينيا بيساو - هذه الدولة الصغيرة حجمًا وقوة، والتي تُصنف ضمن أشد بلدان العالم الثالث فقرًا - أصبحت تتصدر العناوين في وسائل الإعلام العالمية؛ بسبب برك الدماء التي سالت في اقتتال مدمر على مستوى هرم السلطة.. لكن ما حدث لم يكن في الواقع بين مفاجئًا للمراقبين المطلعين على سير الأوضاع، رغم أن السرعة والدموية والقسوة التي طبعت الحلقة الأخيرة من مسلسل هذه المأساة كانت فوق المتصور.
تقع جمهورية غينيا بيساو على شواطئ المحيط الأطلسي في منطقة غرب أفريقيا، بين جمهوريتي السنغال و«غينيا كوناكري» وتبلغ مساحة أراضيها الإجمالية ( ٣٦١٢٥ ) كم مربع، ويُقدر عدد السكان بحوالي مليون ونصف المليون نسمة، وهم مزيج من الأقوام والقبائل المتنافرة.. وأما من ناحية تطور المسار السياسي، فقد خضعت البلاد للاحتلال البرتغالي حتى عام ١٩٧٤ م، حين استطاعت أن تنتزع استقلالها بقوة السلاح بقيادة بطلها «أميكال كبرال» وكان الجنرال «نينو» من أخلص رجاله أثناء خوضهم معارك التحرير ضد البرتغال، واستطاعا تحقيق النصر بدعم واضح من دول الجوار، وخصوصًا السنغال وغينيا كوناكري. 
وبعد فترة بدأ المسار التاريخي الدامي، وتوج بالاغتيال المزدوج في الثاني من مارس الماضي ( ۲۰۰۹ م )، والذي راح ضحيته كل من رئيس الجمهورية خواو بيرناردو فييرا المعروف اختصارًا بـ«نينو » ورئيس أركان جيشه الجنرال باتيستا تاجامي نا واي الذي ظل هو الآخر يُعد الرجل القوي والحليف المخلص الذي تعتمد عليه السنغال في السيطرة على الوضع في الجنوب

دوامة من الفوضى
ظل الرئيس نينو اللاعب الرئيس في الحياة السياسية في هذا البلد المنكوب لمدة تقرب من ثلاثين عامًا، وذلك بعد تخلصه من رئيس الجمهورية وقائد حركة التحرير الوطني « أميكال كبرال» في انقلاب عسكري عام ١٩٨٠ م، ثم أصبح رئيسًا منتخبًا في العام التالي قبل أن يُطاح به هو الآخر في شهر مايو عام ۱۹۹۹ م في الانتفاضة العسكرية التي قادها «عنسمان ماني» حليفه السابق الذي لقي حتفه لاحقًا.
لكن « نينو » استطاع بعد هذه الفترة الطويلة من الغربة - العودة إلى سدة الرئاسة بعد خمسة أعوام من حياة المنفى التي كان قد أمضى ردحًا منها إلى جانب رفيق سلاحه الجنرال لاسن كنتي الذي شارك في حرب تحرير « غينيا بيساو» قبل أن يستقر في البرتغال، وقد عاد إلى كرسي الحكم عبر بوابة الانتخابات التي جرت عام
٢٠٠٥ م.
هكذا عاشت غينيا بيساو في مهب الريح عبر السنوات القليلة الماضية؛ نتيجة للصراع الدامي الذي تورطت فيه أجنحة الجيش الذي تحزب بشكل خطير، فضلًا عن القوى السياسية المتنافسة على السلطة.
وأحدث ذلك شرخًا عميقًا في المجتمع، وبالتالي جعل الشعب يعيش في دوامة من الفوضى العارمة، وأوضاع معيشية تزداد ترديًا يفقد فيها المواطن المسكين أقل مقومات الحياة الكريمة.
تهريب المخدرات
أما القشة التي قصمت ظهر البعير فقد تمثلت في التطور الأخير، عندما أصبحت « غينيا بيساو» وبعض الدول المجاورة لها أحد المحاور العالمية لتهريب المخدرات من أمريكا اللاتينية إلى الدول الغربية، وقدرت المصادر الاستخبارية العاملة في المنطقة المبالغ التي تدرها هذه التجارة المدمرة بأنها تفوق ميزانية هذه الدولة الفقيرة.
وقد تحدثت بعض التقارير الإعلامية كذلك عن دور هذه الصفقات، والمبالغ الضخمة التي تجنى من ورائها في ازدياد التوتر بين الجنرالين ( المقتولين ) « نينو »، و « نا واي» الأمر الذي حدا بالرئيس « نينو » إلى اتخاذ قرار التخلص من غريمه، الذي ما أن سقط صريعًا في الانفجار العنيف الذي دمر مقره نتيجة القنابل - التي تقول التقارير الإعلامية: إن رجال الرئيس « نينو » قاموا بزرعها أثناء مقابلته لهذا الأخير - حتى سارع بعض أتباعه إلى الانتقام من الرئيس الذي حملوه مسؤولية مقتل زعيمهم، ومن ثم قاموا بقتله ذبحا أمام زوجته.
خارطة متفجرة
ولنفهم خطورة الوضع الداخلي في غينيا بيساو والانعكاسات المحتملة على مستوى المحيط، يحسن أن نلقي نظرة على التطورات الجارية في دول الجوار.. ففي الشمال محافظة ريجانشور الواقعة في جنوبي السنغال، والتي ظلت تعاني من ويلات حركة التمرد التي كان يقودها القس «جَمَ كُن سنغور » الذي توفي منذ حوالي سنتين.. وفي الجانب الآخر من الحدود، نجد جمهورية «غينيا كوناكري» التي تعيش في حالة تقرب من الانهيار التام نتيجة لتفاقم الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فيها، فأصبح هذا البلد الذي يُعَدُّ من أغنى بلدان القارة الأفريقية - وربما على المستوى العالمي من حيث المصادر - على شفا الإفلاس.
وبمحاذاة المحيط الأطلسي تقع ثلاث دول أخرى وهي: سيراليون، وليبيريا، وساحل العاج التي عاشت كل واحدة منها حربًا أهلية ضروسًا خرجت منها مثخنة بالجراح، وأصبح مجتمعها ممزق الأوصال، ولا يعرف أحد بعد أين تتجه الأوضاع التي لا تزال تتسم بالهشاشة؟
وغير بعيد، تقع جهورية « جامبيا » التي أقل ما يُقال عنها: إن الظروف السياسية فيها غير مستقرة، وأن لها علاقة وطيدة بما يجري في غينيا بيساو، وربما هذا ما جعل أحد المحللين السياسيين السنغاليين يطرح هذا التساؤل الخطير غداة الأحداث الدامية في «بيساو»: أهي يد جامبية أم قوى بارونات المخدرات؟
وعلى ضوء هذه الخارطة المتفجرة، نفهم القلق الذي ساد المنطقة إثر المذبحة الأخيرة - التي طالت أعلى رموز هرم السلطة السياسية والعسكرية في « بيساو »، وانعكس هذا القلق على التصريحات التي صدرت عن كبار المسؤولين السياسيين وعلى مستوى الاتحاد الأفريقي، حيث كان عنصر التخبط جليًا في تلك التصريحات التي وصف بعضها ما حدث بأنه انقلاب عسكري قبل أن تتراجع عن ذلك لاحقًا.
موقف السنغال
لكن يبدو أن أكثر الجهات تضررًا في التأزم الحالي – بعد غينيا كوناكري - بسبب تشابه وتشابك الوضع في البلدين، هي السنغال لأسباب عدة، أهمها كون الوضع في جنوب السنغال لم يحسم بعد، بينما كان النظام السنغالي يعول في ذلك كثيرًا على الجنرالين القتيلين رغم العداوة المستحكمة بينهما، وهنا تكمن المفارقة، حيث قدم كل واحد منهما دعمًا واضحًا للسنغال فيما مضى في صراعها مع متمردي حركة «قوى الديمقراطية » في « كازمانس». 
وقد عبرت عن الانشغال السنغالي بما يحدث في « بيساو » وبوضوح، تلك التصريحات التي صدرت عن «شيخ تجاني غاجو » وزير خارجية السنغال لدى عودته من « بيساو» بعد أن حضر تنصيب رئيس البرلمان رئيسًا مؤقتًا للبلاد، حيث وصف الوضع بأنه خطير جدًا وقال: إنه قد دعا إلى عقد اجتماع سريع للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا المعروفة اختصارًا بـ ( CEDEAO ) من أجل دراسة الوضع، وإنه ناقش ذلك مع رئيس وزراء «بيساو»، وكان قد سبق قيام السنغال بإغلاق حدودها الجنوبية فور ورود أنباء مقتل الرئيس نين.و
وفي وقت لاحق صرح الرئيس السنغالي بأنه دعا من جانبه إلى عقد اجتماع عاجل للقادة الأفارقة يُخصص لمناقشة المستجدات في « غينيا بيساو» وذلك سعيًا إلى تقديم مساعدة للمسؤولين للخروج من المأزق الخطير الذي يتخبط فيه أهلها.. وفي تلك التصريحات، أشار الرئيس إلى أنه لا يستطيع هذه المرة أن يتحمل تكاليف تنظيم انتخابات رئاسية على غرار ما قام به في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي تحمل دفع مبالغ طائلة من أجل تنظيمها.
نقطة عبور
ومن ناحية أخرى، فالقوى الدولية - وخاصة الغربية منها - ليست غائبة عما يجري في المنطقة حاليًا، حيث تؤكد مصادر مطلعة ازدياد نشاط عدة أجهزة مخابرات غربية في المنطقة، وقد كثفت نشاطها على الأرجح بسبب ما يقال إن «الكارتلات» (الاتفاقات الاحتكارية) التي تعرضت لضربات هائلة في المنطقة الأمريكية قد قررت نقل أنشطتها، ولو بصورة جزئية، إلى منطقة غرب أفريقيا واتخاذها مجرد نقاط عبور إلى الدول الغربية وذلك في إطار إستراتيجية شاملة لفرض سيطرتها على شواطئ منطقة غرب أفريقيا التي تواجه الدول الأطلسية في الضفة الأخرى بهدف اتخاذها قاعدة لنقل سمومها.
وفي هذا السياق، وقع اختيار هؤلاء على غينيا بيساو لأسباب عدة، أهمها كونها الحلقة الأكثر ضعفًا في المنطقة، حيث لا تمكنها بنية الدولة الهشة من الوقوف في وجه تلك القوى التي تناطح أقوى البلدان. وعن هذه الحقيقة المرة عبر أحد رجال الأمن الغينيين، حين انتقد أحد الصحفيين أداء القوى المكلفة بمطاردة مهربي المخدرات، وتساءل قائلًا: «كيف تريد أن نجابه هؤلاء وهم قادرون على أن يضحوا بطائرة في إحدى جزر « بيساو »، ونحن لا نملك سيارة نطارد بها اللصوص، وذلك في إشارة إلى حادثة وقعت في إحدى جزر «بيساو » مؤخرًا، حين تخلص تجار المخدرات من طائرة استخدموها لنقل بضاعتهم، بعد أن نقلوها إلى زوارق سريعة كانت مجهزة لهذا الغرض.
ويعزز هذا الرأي تكرار ضبط كميات هائلة من الكوكايين والهيروين في دول الجوار وبالأخص في غينيا كوناكري والسنغال، وقد قدرت الكميات التي تم ضبطها خلال العام الماضي بمئات المليارات من الدولارات، وقد جرت هذه الأيام عدة محاكمات لكبار المهربين من بينهم « بارون كولومبي »، بينما يُحاكم مهربون آخرون غيابيًا.. وقد ألمحت الصحافة إلى تورط بعض الشخصيات المهمة في المنطقة، ومن هؤلاء نجل « لاسن كنتي» رئيس غينيا كوناكري الذي توفي مؤخرًا، وهو يقبع الآن في إحدى سجون كوناكري بتهمة الاتجار بالمخدرات، كما يتم التحقيق مع بعض كبار رجال الأمن الغينيين.
احتراب قبلي
وبالنسبة للانعكاسات الداخلية في غينيا بيساو، فالحالة لا تقل خطورة، ورغم استبعاد شبح الانقلاب العسكري الذي كان المنشغلون بالوضع في بيساو يخشون من أن يعود بالأوضاع إلى المربع الأول فيزيد الطين بلة مرة أخرى، على ضوء ما جرى في كل من جمهورية موريتانيا الإسلامية، وغينيا كوناكري مؤخرًا، حيث يراوح الوضع مكانه في البلدين مع وجود بلدان أخرى تصنف الأحوال فيها على أنها مرشحة للانفلات بين لحظة وأخرى، وخاصة أن معظم هذه البلدان مقبلة على استحقاقات انتخابية، مع ما يمثله ذلك من أرض خصبة لحدوث هزات سياسية واجتماعية خطيرة.
وبالإضافة إلى سلسلة الصراعات التي أدمنها الساسة في بيساو، فإن شرارة الاحتراب القبلي غير مستبعد أن تشعل البلاد كلها كذلك، وهناك مؤشرات نجدها في أحداث كثيرة، منها مقتل الرجل القوي السابق «عنثمان ( عثمان ) ماني» الذي ينتمي إلى قبيلة «الماندينغ» المنتشرة في البلدان المجاورة كلها.. وهذا الخوف من تفجر الوضع الداخلي، عبر عنه الرئيس السنغالي عبد الله واد في تصريح له عن مجريات الأمور في بيساو حين قال: « لقد شكل كل من الفريقين العسكريين (الموالين للجنرالين) لجنة للتحرير ولابد من أن تتحد هاتان اللجنتان، وإلا سيتحول الأمر إلى حرب قبلية، لأن كل مجموعة تنتمي إلى قبيلة، فإذا حدث ذلك ستدمر كل واحدة منهما الأخرى».
مخطط سري
وعلى ضوء هذه القراءة السريعة لتطورات الأوضاع في هذه المنطقة، يمكن القول: إن العناية التي يبديها عدد من الدول الغربية لما يجري في بيساو وغيرها، والذي يصل إلى مستوى التدخل السافر، إنما يعود إلى الشعور بالخطر الذي يمكن أن يشكله وجود عصابات تجارة الموت التي يتزايد نفوذها في المنطقة بوتيرة متسارعة، علمًا بأن تجارة المخدرات لا تسير وحدها وإنما تجر وحدها سلسلة من الجرائم والتي من أهمها انتشار الأسلحة والتصفيات الدموية التي يمكن أن تطال الجميع وخصوصًا في ظل عدم وجود أنظمة سياسية تملك القوة الكافية لردع عصابات الإجرام.
ويبدو أن فصول المسلسل الأخير لم تتكامل بعد، باعتبار أن ثمة ثغرات ولاعبين مجهولين يمسكون ببعض الخيوط لم يقولوا كلمتهم النهائية بعد، فهذا ما نجده في التصريحات التي صدرت عن رئيس لجنة حقوق الإنسان البيساوي، وتحدث فيها عن وجود مخطط سري يرعاه أحد السياسيين لدفع بعض العسكريين للتخلص من الرئيس بالوكالة «ريموندو بيريرا »، الذي تم اختياره لإدارة الحكومة وتنظيم الانتخابات المبكرة خلال شهر يونيو القادم، قبل أن يهدد بكشف النقاب عن هذه المؤامرة وفضح من يقفون وراءها.

الرابط المختصر :