العنوان ومضة (العدد 1116)
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر الثلاثاء 13-سبتمبر-1994
مشاهدات 80
نشر في العدد 1116
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 13-سبتمبر-1994
حرية القلم ومسؤولية الكلمة
قال صاحبي وهو يراجع مقالاً كتبه للتو: "كان القلم يجمح أحياناً
فيكتب ما يريد دون إذن مني أو إشارة أو إرادة!".
قلت له، وأنا أمسح نظارتي وأحدق كي أرى ملامح وجهه جيداً: "لا
تخطئ يا صديقي، فالقلم لا يجمح، ولكنه في اللحظة التي تصفه فيها بالجموح، إنما
يعبر عن مكنون سرك ويسجل خلجات نفسك، ويترجم همسات ضميرك، وينقل رأيك الحقيقي الذي
تواريه في زاوية اللاشعور؛ لئلا يطلع عليه من يراقب الأفكار ويصادر الرأي الآخر،
أو من باب مراعاة الخواطر والاستجابة لهيمنة المجاملة وضغط النفاق واتجاه التيار
الجارف تغليباً لمصلحة آنية، وخضوعاً لحاجة أسرية وانصياعاً لإغراء لا يقاوم".
إن الرهبة أو الرغبة؛ الإرهاب أو الإغراء، هي العوامل التي تلزم قلمك
أن يكتب ما يراد منك لا ما تريد أنت لو كنت تمتلك حرية الإرادة، فلا تعتذر بجموح
القلم.
كم من أقلام بدأت مستقلة ثم صارت تابعة، وغدت حرة ثم راحت مستعبدة
ترضى باليسير وتقنع بالفتات بعد أن دفعت ثمناً باهظاً من كرامتها واستعلائها
وإرادتها وحريتها.. فما ربح البيع ولا أجزل العطاء، وأي عطاء يعدل الحرية؟ وأي
مثوبة ترتق جرح الكبرياء؟ وأي عرض من الدنيا يساوي القيم والمبادئ حتى نستبدله
بها؟ وقد مضت حكمة الحكماء أن العرض لا يقارن بالجوهر، كما أن التبر لا يوزن أو
يقاس بالتراب.
إن هذه الأقلام المستأجرة تستطيع أن تخدم في بلاط الباطل، لكنها عاجزة
أبداً عن إقامة صرح الحق وبناء المستقبل المنشود؛ لأنها مشغولة بحاضرها، منهمكة
بالتقاط ما يتركه أصحاب الموائد من فضلات، باحثة حول الكراسي وعلى مقربة من النعال
عما يملأ الأفواه المفجوعة ويرضي البطون المنهومة والنفوس التي تحس دائماً بالخواء.
لذلك أرجو يا صاحبي ألا تكبح جماح قلمك، بل دعه يترجم نبضات قلبك
ويسمعنا صوت ضميرك، ويكفي ما تقاسيه مئات الأقلام المأسورة من ذل واستعباد.
القلم، حرية التعبير، الأقلام المستأجرة، عزة النفس، المبادئ والقيم،
ضمير الكاتب، الاستقلال الفكري، بلاط الباطل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل