; بين غربة زائلة وحقيقة ماثلة | مجلة المجتمع

العنوان بين غربة زائلة وحقيقة ماثلة

الكاتب سالم الفلاحات

تاريخ النشر السبت 02-أبريل-2011

مشاهدات 54

نشر في العدد 1946

نشر في الصفحة 41

السبت 02-أبريل-2011

من كان يظن أن دنيا العرب ستتغير بهذه السرعة وقد أوغلت الأنظمة في إقصاء الأطهار ونشر ثقافة الاستبداد والفساد؟!
لقد زالت غربة المصلحين الذين كانوا غرباء في طرحهم ودعوتهم.. تكال لهم التهم هم وإسلامهم الذي يحملون طوبى للغرباء، صدح بها النبي العربي محمد ﷺ يومًا وهو يستشرف المستقبل بروح الوحي وقراءة سنن الكون، قائلًا: «طوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس»، أرأيتم أوضح وأكثر معاصرة من هذه القراءة النبوية؟
أرأيتم كيف لخص الوظيفة الحقة لأتباعه ومن هم على منهجه؟ أنهم يصلحون ما أفسد الناس، وما التكليف بالصلاة والصيام والنسك وتحريم الحرام ما هي إلا تهيئة للمصلحين وإعداد لهم، وسيبقى في الأرض من يفسد فيها ويسعى بما يستطيع، وسيأتي من يصلح فسادها. ﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ (الإسراء :٤)، وهذا دأبهم، والصفة الغالبة عليهم هكذا عرفنا عالم الغيب والشهادة سبحانه، وهكذا وعدنا أيضًا ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ ﴿5﴾ ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿6﴾ (القصص).
ألم يحذر فرعون ويبلغه مرتزقته أن مولودًا سيولد هذه الأيام سيمزق ملكه؟ فعمد لمعالجة هذا الخطر الداهم بقتل كل مولود ذكر لبني إسرائيل، حتى لا يبقى من يقتله ويهدد ملكه، لكن هل أغنى عنه كل هذا الإجرام شيئًا؟
قل لي بربك، وهل تتعدى اتهامات أعداء الحرية والإصلاح والعدل اليوم في بلاد العرب هذه التهم الفرعونية التي روجها فرعون الأول؟ لكن هذا التهويش وهذا التجييش الذي نراه اليوم ضد الغرباء أصبح غريبًا أو هو الغريب عما قريب، ولكنه يحتاج لفضح وكشف وحجة ومنطق وصبر وحكمة ومدافعة وتضحيات غالية.
وقد قال عباس محمود العقاد كلمة مبصرة: كثيرًا ما يكون الباطل أهلا للهزيمة، ولكنه لا يجد من هو أهل للانتصار عليه، والله يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء:18).
من هم الغرباء اليوم؟ إنهم الذين يدارون ظلمهم، ويخادعون الناس، ويحاولون نفي التهم عن أنفسهم وأنظمتهم، ويقومون بمحاولات استرضاء شعوبهم، على أن يعطوها ما يوازي لعب الأطفال التي تسليهم ساعة، ثم يرمونها على الأرض، بحثًا عن دمية أخرى.. وما فقهوا.
ينادون اليوم بالإصلاح والاستقامة والعدل والديمقراطية ومحاربة الفساد، وحفظ حقوق الإنسان، وإشراك الشعب في المسؤوليات، والنزاهة والوعد بتداول السلطة والإصلاحات الشاملة واحترام القيم، وحب الأوطان، وترك التوريث.. إنه منطق جديد نسمعه منهم لأول مرة، ولا بأس. 
الحمد لله، وما الذي يريده المصلحون (الغرباء) غير ذلك، فقد اعترف بمنهجهم الإصلاحي، وبمطالبهم القيمة، وما عادت هذه تهمًا لهم، أو مطالب عبثية أو خيالية، وهذا منتصف الطريق، فالغربة الأولى تتلاشى وإن كان ببطء، وتتراجع سطوة المفسدين لصالح المصلحين، ولم يبق إلا التطبيق الحق والامتثال الصحيح الكامل لما اعترفوا به، لكن لا يخفى أن دون ذلك بالنسبة لهم خرط القتاد ، ولا يمكن أن يموت إنسان بإرادته ورغبته، استخدم كبيرهم البغال والحمير والجمال لتعينه لأنها تفقد الإرادة والوعي فيسوقها بسوطه لمواجهة المصلحين - وإن أركبها من لا يختلف عنها كثيرًا - رغبة ورهبة وقدرات وإمكانات ولكن الحقيقة الباقية المتجددة مهما كانت غربة الإصلاح والمصلحين وقوة الإفساد والمفسدين هي: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (القمر:45)، حتى لو استبعد المعذبون المقهورون، أو المضبوعون أحيانًا على حد سواء ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴿4﴾ ﴿ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (الروم)، وما النصر هنا إلا بتمكين الناس كل الناس حرية الإرادة ورفع كابوس الظلم. 
المهندس (الغريب) خيرت الشاطر، وأخوه حسن مالك وعبود الزمر وغيرهم في سجن واحد مع سجانهم وزير الداخلية السابق «حبيب العادلي»، يدخل متهما ويخرجون براء ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران:26). 
لقد زالت غربة المصلحين الذين كانوا غرباء في طرحهم ودعوتهم، تكال لهم التهم هم وإسلامهم الذي يحملون، وإن كانوا ينظرون بنور الله تعالى ويقولون: المستقبل لهذا الدين كما كان يردد سيد قطب يرحمه الله، وكما قال الأستاذ البنا: إن أحلام اليوم حقائق الغد، وكان يقول: إن الزمن سيتمخض عن كثير من الحوادث الجسام، وإن الفرص ستسمح بالأعمال العظيمة وإن العالم ينتظر دعوة الهداية والفوز والسلام لتخلصه مما هو فيه من آلام، وتلك الأيام نداولها بين الناس، فاستعدوا واعملوا اليوم، فقد تعجزون عن العمل غدًا. كانوا يرون في اشتداد الغربة اقتراب زوالها وتبدلها، واشتداد الظلام ما هو إلا مؤذن ببزوغ الفجر الصادق.
من قال: إن دنيا العرب ستتغير بهذه السرعة؟ وقد أوغلت الأنظمة العربية في إقصاء الأطهار والأخيار، ونشرت ثقافة الاستبداد والفساد والخنوع والخوف والذل والاستسلام للواقع مهما كان، وإذا اعترض عليهم معترض هددوه قائلين: أنتم أحسن حالا من دولة كذا التي لا يفتح فيها المواطن فمه إلا عند طبيب الأسنان؛ فاسكت.
وقد صدق من قال:
ما بين طرفة عين وانتباهتها                             يغير الله من حال إلى حال
طوبى طيبة في الدنيا والآخرة للغرباء فدماؤهم ودموعهم ومعاناتهم لم تذهب سدى حتى في الدنيا، نعم كانت دماء الدعاة المصلحين الصادقين لعنة على الظلم والظالمين. 
وصدق الله العظيم: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (النور: ٥٥). 
نعلم أن قوى كثيرة في العالم أصيبت بالهلع مما يجري في البلاد العربية، وتسعى لمحاصرته وتحجيمه، ولو كانت مبصرة واعية متجردة لعلمت أنه لمن الخير للبشرية كلها أن تعيش الشعوب حرة؛ لأنها تحارب الفساد وتصلح ما أفسد المفسدون وتسهم في بناء حضارة إنسانية راقية. 
وصدق رسول الله ﷺ: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء» والحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :