; هل يجوزُ لنا أن نحلمَ بغدٍ سعيد؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل يجوزُ لنا أن نحلمَ بغدٍ سعيد؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1996

مشاهدات 64

نشر في العدد 1188

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 13-فبراير-1996

من الحق أن نعترف بأننا سرنا الحقبة الماضية من القرن العشرين أيامًا عجافًا ودروبًا موحلة وسط مستنقعات آسنة، وقيعان منتنة حفرتها جهالات عقلية وضحالات فكرية أصيبت بها أمتُنا، ومُنِيَتْ بها شعوبُنا في غياب الناصح وفقدان الربان وضياع القائد، وتسلط المحتل، وعسف المستعمر، فلمَّا ولىَ المستعمر، ورحل وذهب الدخيل واندحر، وانخسف العميل وانكسر استبشرنا خيرًا، ورجونًا نجحًا وقلنا:

 إذا ذهبَ الحمارُ بأم عمروٍ

 فلا رجعتْ ولا رجعَ الحمارُ

ولكنَنَا وبكلِ حسرةٍ وألم وجدنا أمَّ عمروٍ قدْ رجعتْ ورجعَ الحمارُ، وعادت ريمة لعادتها القديمة، ورجعت الشعوب تقاسي وبقسوة. حقبًا مريرةً، ة وعادة وعادت تخوض وبامتهان مخاضًا قذراً وأصبحت تخــضع وبعبثية لمنطق شرود، ولفكر سموم ولثقافة دخيلة واشرأبت أعناق العمالات وبرزت رؤوس الشياطين، وانطلقت أعوان الأبالسة تعيس في الأرض فسادًا، واستنوقت رجال الأمة وتلبدت السماء بالغيوم، وعمَّ الكون ظلماتٍ لفتْ ديارنَا، وغلفت دروبنا، وسكن الهم كل صدر، واحتل الكرب كل قلب، فالأحرار يسجنون ويقتلون ويشردون أكثر بكثير من أزمنة الاستعمار، وإذا حصرت أعداد المسجونين وأنواعهم وثقافاتهم وتهمهم، ظهر لك مقدار الهول، وإن عددت السجون والمعتقلات وأماكن الحجز والتعذيب استبان لك مقدار الجرم وحجم القهر، وإذا تتبعت قضايا وبيانات حقوق الإنسان المهدرة في بلاد المسلمين انكشفت لك ضخامة الكارثة، في بعض البلاد بلغ القتلى من الشعب وسلطته أكثر من ۱۳۰ ألفا، وبلغ ما في السجون عددًا لا يعلمه إلا الله، وما زالت الحربُ مستعرةَ الأوار، والقتل مستحراً في الديار، وقد صاحب هذه الكوارث كوارث أخرى كثيرة، كوارث التفرق والعداء، والكيد والتقاتل بين شعوبنا وأوطاننا وأنظمتنا، وواكب هذا محن عدة؛ محن التخلف في أخلاقنا وأنظمتنا التعليمية والصناعية والتقنية والتكنولوجية، وأصبحنا كما يقول المراقبون. 

تُحَطِّمُنا الأيَّامُ حتَّىَ كَأَنَّنا

زُجاجٌ وَلَكِن لا يُعادُ لَهُ سَبْكُ

ضَحِكنا وَكانَ الضِحكُ مِنّا سَفاهَةً

وحُقَّ لسكانِ المتاهةِ أنْ يُبَكُّوا

 ويُساءلُ كلُ حرٍ، وكل غيور في الأمة نفسه مرارًا وتكرارًا، هل يجوز لنا أن نحلم، ويحق لنا أن نتمنى أم أن الأحلام والمني قد أغلقت أبوابها وأوصدت هي الأخرى منافذها وأصبح مجرد الحلم جريمة يعاقب عليها ويؤخذ بجريرتها كل من تسول له بها نفسه، أو يتلفظ بها لسانه وتتحرك بها شفتاه.

هل يجوز لنا أن نحلم بحرية من غير سجون أو قتل أو تشريد أو هتك للأعراض وامتهان للحرمات، يقول تقرير صحفي نشر في جريدتين عربيتين عن آلة التعذيب في بلد عربي - تحت عنوان: "العنف وأسلاك الكهرباء على أجساد النساء داخل أقسام الشرطة في.." جاء في تقرير المنظمة.. لحقوق الإنسان العام ١٩٩٥م أن انتشار مظاهر التعذيب، وسوء المعاملة داخل أقسام الشرطة واتساع نطاقها وتنوع أساليبها باتت سياسة منهجية، ثم تناول التقرير الصحفي مقتطفات من تقرير منظمة حقوق الإنسان تضمن مقتطفات من لقاءات صحفية مع عدد من الأكاديميين العاملين في الحقل الاجتماعي والنفسي: يقول كل من د. سوزان فياض - مدير مركز العلاج لضحايا العنف، ود. عبد الله منصور الطبيب في المركز أنه يستقبل المئات من الرجال والنساء الذين تم استعمال التعذيب معهم من قبل موظفي الشرطة، وأن كثيرًا من النساء يرفضن المساعدة الطبية خوفًا من الفضيحة، وأورد التحقيق أنه في إحدى الحالات، تم إدخال عدد من الرجال أقارب الضحية ومنهم أخوها، وكانت الضحية في قسم الشرطة في حالة عري كامل، وكانت تسمع صراخ إحدى بناتها في غرفة مجاورة؛ حيث كان يتم كيها بالكهرباء في أماكن معينة من جسدها، وما لم تكن تعلمه الضحية أن ابنتها المراهقة كان قد تم تجريدها من ثيابها بالكامل أثناء التحقيق لمدة ساعتين وذلك في استجواب حافل.

 وفي حالة أخرى تم تجريد سيدة من أسرة كريمة من ثيابها ومعها ابنها وزوجة ابنها وعذبوا بالكهرباء، وسيدة أخرى استيقظت من غيبوبتها فوجدت نفسها عارية يُعبث بها وبملابسها الداخلية وسط السخرية و... إلخ... إلخ، فهل هؤلاء محتلون أم مستعمرون أم صربيون ؟!!.

إن البلاء يُطاق غير مضاعفٍ

 

فإذا تضاعف صار غير مطاقِ

 

 هل يجوز لنا أن نحلم بدستور يقبل تداول السلطات ويحترم تعددها، وقانون يحترم الرأي الآخر، ويقبل الكلمة والنصيحة. وسلطة تخضع للقضاء ورأي الأغلبية، وترعى الأمانة وتبحث عن الحق فلا تزوير ولا قهر ولا غش ولا انحراف، ولا تبديد للطاقات ولا تبذير للأموال، وهل لنا أن نحلم بمجالس منتخبة انتخابات حرة، ونقابات مختارة اختيارًا حقيقيًا ترعى مصالح الناس وتدير شئونهم بأمانة وحرية وإخلاص، وقد عشنا عصور ٩٩.٩ % في كل شيء، وعصور ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد، وهل نظل هكذا.. 

إذا مرضْنا أتيناكم نَعُودُكُمُ 

 

وتُذنِبون فنأتيكم فنعتذرُ

 

هل يجوز لنا أن نحلم بأمة عزيزة الجانب، تبني اقتصادها بنفسها، وتصنع آلاتها وتلحق بعصرها، وتحمي حماها وتصنع سلاحها، وترهب عدوها، وتحمي حقها، وتحفظ دماءها، وتلم شعلها، وتصون كرامتها لقد وجد في البوسنة ٢٠٠ مقبرة جماعية للمسلمين فكم دفن فيها من أحياء وحرق فيها من أشلاء، وكم ذبحت فيها من أعراض وهتكت من حرمات، وصعقت من أطفال وطحنت من شيوخ، وفي كشمير قتل ٤٥ ألفا، وجرح أكثر من ٦٥ ألفا، وسجن أكثر من ۷۰ ألفا، وفي الشيشان وفي الطاجيك وفي الفلبين وفي بورما، وفي أرجاء المعمورة!

هل يجوز لنا أن نحلم بحب يحل محل العداوة، وخير يحل محل الشر، ورحمة تحل محل القسوة، ووحدة تحل محل الفرقة والشتات، وعزم يحل محل الخور، وإيمان يحل محل الشرود، فإن تحقق الحلم فسيتبدل الحال ويتغير المآل.

فـإن تكـن الأيـامُ فيـنا تَبـَدَّلَتْ
 

بِـبُؤْسى ونُعْمى والحوادثُ تَفعلُ
 

فـما ليَّـنَت منَّـا قنـاةً صـليـبةً
 

ولا ذلَّلـتْـنا للتي ليـس تجْمُلُ
 

ولكن رحـلنـاها نفـوساً كريـمةً
 

تُحمَّـلُ ما لا يُستـطاعُ فتحملُ

 

هل يترك الناس يحلمون ويحلمون ولا يجرمون، فأحلام اليوم حقائق الغد؟ نسال الله الهداية والرشاد والتوفيق والسداد أمين..

الرابط المختصر :