العنوان دور المسلم_ في الربع الأخير من القرن العشرين
الكاتب إبراهيم أحمد يحيى
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1976
مشاهدات 72
نشر في العدد 292
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 23-مارس-1976
لو حاولنا تحديد دور المسلم في عمومه لما كان لنا خيرة عما اختاره الله له خلال التاريخ يقول سبحانه ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (سورة البقرة: 143).
فهكذا يتحدد دور المسلم في عمومه، وليس لنا أن نختار له دورًا أفضل وأشرف، هذا مع لفت الأنظار إلى خطورة هذا الدور ومقتضياته وشروط الشاهد والشهادة من الناحية العقلية والأخلاقية معًا.
والقرن العشرون يتميز عن بقية القرون الماضية بالتغيرات الجذرية التي تحققت فيه وكأنها ترسم على محور الزمن نقطة اللا رجوع للإنسانية فهو القرن الذي هبت فيه أكبر عواصف وأعاصير التاريخ على مصير الإنسانية، القرن الذي سجل الأحداث الكبرى سواء في المجال العلمي أو النفسي أو الأخلاقي.
في كل المجالات أتت أعاصير كبرى فغيرت معالم الطريق فيما يبدو، وعلى كل حال تميزت ملامح الزمن والمجتمعات الإنسانية وهذه المتغيرات من خلال أحداث كبرى خصوصا من خلال الحربين العالميتين اللتين هزتا العالم مرتين في ظرف أربعين عامًا غيرت أرجاء العالم بعضها دخل سجل التاريخ وتسجل في حافظة الإنسانية وكتبها وبعضها دخل عالم النفوس سواء تقرأه أو تلفت عنه، ولكنه مسجل في أعماق النفوس، وبعضها ما زال توقعات نرى من خلالها أحداثًا كبرى مطلة في بداية القرن الحادي والعشرين.
هكذا يبدو أن فترة التاريخ هذه تتجمع فيها كل روابط التاريخ بنتائجها النفسية الاجتماعية والسياسية والعلمية وكل المتغيرات المترتبة على هذه النتائج. وعليه فهذه المسوغات تكفي لتبرير اختيارنا لاعتبار دور المسلم في مطلع القرن الجديد شيئًا رئيسيًا يدخل في اعتبارنا ويجب أن نقدره بما يمكننا من الواقعية حتى نقدم لشبابنا الصورة الموضوعية التي ربما من خلالها يرى دوره هو ودور الآخرين لأن رسالته هي رسالة -الجيل الناشئ- التي ستتحقق كيفما كانت سواء سلبية أم إيجابية. ولهذا يجب أن نراجع - حتى نتبين طبيعة الدور بعض المميزات والسمات التي تضطلع بها في العالم المعاصر لأن مركز الثقل العالمي يوجد على محور واشنطن - موسكو الذي هو محور القوة والعلم، لنعرف ماذا يحدث في القرن الجديد وما هي التسجيلات الخاصة في العالم الثقافي والنفسي على هذا المحور.
إن الأجيال في هذا المجتمع الحضري عاشت على رصيد ثقافي ورثته من الأجيال السابقة. عاشت على رصيد فيه مبررات دفعت عجلة التاريخ في القرون السابقة خصوصًا في القرن التاسع عشر.
إن هذا الرصيد من المبررات لتحمل أعباء الحياة بدأ ينفد وبدأت الأقوام والشعوب التي تعيش على المحور السابق تشعر بنفاد رصيدها الثقافي، رصيد مبررات حياتها التقليدية الموروثة. وبدأت فعلا عمليات «تعويض» تجري في شتى الميادين حتى ميدان الأدب، حيث نرى لونًا جديدًا من الأدب يرى الوجود تحت اسم «الوجودية» فلو حللنا هذا اللون لوجدناه «رد فعل عن شعور غامض في المجال الأدبي».
فالمبررات التي دارت عليها عجلة التاريخ طيلة القرون الماضية في أوروبا قد فقدت قيمتها فلقد كان الطفل الأوروبي ينشئ في بيته وحوله جو من الأفكار الاستعمارية وكان هذا المناخ يعم الجو الحضاري الذي تتكون فيه النفوس، بحيث نجد كاتبًا فرنسيًا «جلفرن» يكتب عن ملحمة «لاغست» يشيد فيها ببطولة الفرنسيين ويعتقد أنه هو سيد الصين فيقول: «الكلاب أولًا والصينيون ثانيًا».
هذه المبررات التي كانت تسند حياة أوروبا فقدت ونضبت وجف نبعها بعد الحربين الأولى والثانية, كما فترت أيضًا المبررات الروحية لديهم، بل وحتى المبررات الاجتماعية الموضوعية مثلًا كثقة الأوروبيين في كلمتين في العلم، والحضارة ولا بد طبعًا ومنطقًا أن أي حياة اجتماعية لأي مجتمع لا بد لها من عمليات «تعويض» تستبدل بها المبررات المتقادمة والتي فقدت تأثيرها كدوافع ومساند قوية للحياة العلمية بمبررات جديدة. فلا بد إذن من وسيلة تجديد في التعويض، وإذا لم توجد تحدث الأزمة الخطيرة التي يعيشها العالم المعاصر اليوم.
لم تأت محاولات التعويض من الجانب الأدبي -الوجودية- ولم يجد في أوكاره هذه المبررات. فكان أن النفس اضمحلت ومن الطبيعي أن من لا يجد سندًا في سيرته التاريخية أن يقع في حيرة من أجل ذلك، ونرى هذه الحيرة في العقول والأرواح وهذه الأشياء -الحيرة والقلق- إذا جمعناها في نفس بشرية يجب أن نتصور ماذا تنشئ من دوافع نفسية.
إذا فقد مجتمع ما مبرراته ولم يعوضها بطرق أخرى تعتريه الحيرة والقلق وتترتب عليه التصرفات اليوم التي نراها في أمريكا وأوروبا وغيرهما.
يترتب على هذا أن تجد بلدًا حقق الضمانات الاجتماعية إلى أقصى حد كالسويد ومع ذلك يموج بشيء خطير وهو أنه يتمركز في رأس القائمة في إحصائية الانتحار العالمية التي تصدرها الأمم المتحدة. نقول هذا ونحن في الطريق ونؤكد على أن البطون إذا امتلأت قد تبقى الأرواح متعطشة متطلعة وإن لم تجد وجهة لها مستقيمة تفضل أحيانًا -الانتحار- والاستقالة من الحياة وهذا ما يحدث. وفي بلاد أخرى نجد أكثر من هذا في صورة ما، وهناك صور أخرى للاستقالة أشنع من -الانتحار- من الناحية الأخلاقية وذلك عن طريق الموبقات والإدمان على المخدرات وهذه طرق فاشلة للتخلص من القيام بواجبات النفس. وبهذا يصبح المجتمع مهددًا بالخراب لأن القاعدة الاجتماعية -الشباب- ينهار خصوصًا وأن نسبة المدمنين من الشباب زادت ۲۰ % في السنين الأخيرة، ويبدو أن الشباب يحاول الإفلات من الحياة عن طريق المخدرات وهذا يعني أن المجتمع يفقد قاعدته الاجتماعية المتينة وهي شبابه فيضيع في المتاهات والخمارات وأما في المقابر عندما ينتحر، وهذا يدعونا أن نحل المعاني التي تنطوي عليها هذه اللوحة القائمة والتي تشمل أيضًا أمريكا وأغلب أوروبا ويبدو أن المجتمع العربي يعاني من ظاهرة تفاقم الأماكن الحضارية وتضاؤل الإرادة الحضارية.
إن الهوة أصبحت تتسع بين الواقع الطبيعي للإنسان وواقعه الثقافي اليوم. كأنما الإنسان أصبح يتمزق بين فطرة لا يستطيع التخلص منها لأنها مسجلة في طبيعته البشرية المكرمة من الله تعالى، ومن جهة أخرى يعيش واقعًا ثقافيًا لا يعطيه مبررات وجوده.
وأمام التساؤل عن هذه الظواهر نستطيع أن نقدم افتراضًا محتملًا فنقول: لعل الله تعالى يريد شيئًا من هذا؟ وكإنه استدراج يقود المجتمع المتحضر إلى النهاية ليفسح في مكانه لتجربة أخرى بعدما مر من تجارب مريرة فعلًا، فشلت كلها وربما كان هذا الفشل الذي هو -الإفلاس- نقطة البداية التي تعبر عنها الآية الكريمة ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾(سورة التوبة: 33)
ربما هذا هو القطب الذي يتجه إليه مجرى التاريخ في هذا الربع الأخير من القرن العشرين. وعلينا أن نتأكد قدر الإمكان من هذه الحقيقة التي سترسم مصير الإنسانية. وليس أدل على ذلك من أننا إذا حاولنا أن نرسم خريطة الأديان في العصر الذي نزلت فيه الآية السابقة «وهي مكية» في بداية نقطة الصفر عندما كانت مكة هي «اللون الإسلامي» نقطة في الكون كله.
والآية تحد للواقع وربما لو عاش ناس من هذا الجيل في تلك الحقبة أي وقت التنزيل لقالوا هذه -خرافة- هذه الآية تتحدى الإمبراطوريات القديمة فارس، وبيزنطية والبحر المتوسط على العموم هذا التحدي من أكثر معجزات القرآن عندما نتصوره في وقته -وقت التنزيل.
ولو رسمنا خريطة أخرى عليها لون البوذية الفارسية، البرهمية، ولون المسيحية واليهودية ونقطة عابرة في الكون في مكة هي نقطة الإسلام ماذا نجد في هذه الخريطة.. نجد في عام ١٩٧٦ أن البوذية شطب عليها بخط قلم السيد ماوتسي تونغ فمحاها.
المجوسية محاها عمر
البرهمية كتراث ستبقى إلى حد ما كدين انتهى دورها وفشلت في أبسط مهماتها خصوصًا بعد استقلال الهند التي سجلت في دستورها أن ما قامت به من أعمال كبيرة سجل تحت إملاء روح المهاتما غاندي - وبذلك فشلت البوذية فشلًا ذريعًا أما المسيحية حدث لها تطورات غريبة للأسف كما عبر عن ذلك المجمع المسكوني الأخير وقبله من المؤتمرات وبدأت فعلا المبررات المسيحية تفقد تأثيرها في الوجود المسيحي مما أعطى اللون المسيحي لونًا باهتًا أو شاحبًا مما تعانيه -ونكتفي بهذا ونحن على يقين منه-
إذن بعد هذا ماذا نجد الآن في خريطة الأديان نجد اللون الإسلامي وهو لون جديد لأنه لون ديانة جديدة تكتسح العالم فهو يغطي مساحة من الدنيا تعادل نصفها تقريبًا، وتعداده البشري يتضمن ۸۰۰ مليون من المسلمين في العالم. وإذا عرفنا أنه منذ -١٥ سنة - كان عدد المسلمين٢٥٠ مليونًا فقط وفي ظرف نصف قرن فقط نرى أن العدد ما يقارب الآن مليارًا من البشر في حين كان التعداد البشري للمسيحية في ذلك الوقت ٦٠٠ مليون والبوذية ٥٠٠ مليون. إذن ترى من طرفين في خطين متوازيين نرى سير التاريخ يستدرج العالم المتحضر إلى فشل تجاربه وإلى خيبة أمله في تجاربه العلمية والتكنولوجية.
وفي الخط الموازي دائمًا، الله -سبحانه وتعالى- يهيئ بهذا التحقيق القاعدة التاريخية في الآية الكريمة ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (سورة التوبة: 33) القصة تسير تجاه هذا القطب فعلًا على خط العالم الحضاري وكأنما الاكتشافات العلمية تتهيأ لما يسير على الخط الموازي الثاني.
في عام ۱۹۱۷ ظهر لون الشيوعية وهي دين -لا تهمنا كمذهب اقتصادي أو سیاسي- بل إنها عقيدة ودين تقدم المبررات في الطريق وهي إحدى عمليات التعويض للمبررات التي فقدت. ونجحت الشيوعية على حساب المبررات التقليدية على حساب المسيحية طبعًا وأن خط سيرها يظهر أنها أيضًا تسير نحو قطب يتحقق فيه معنى الآية.
وهذا كله يجعلنا نعيد النظر في موقف المسلم ودوره الآن في نهاية القرن العشرين. يتحدد طبقًا للظاهرة السابقة التي سقطت كل مبرراتها، ويتركز على «استدعاء» المحور الإسلامي للسير فيه نحو اتجاه التاريخ وتتبع التيار الخارجي وعلينا أن نعرف كيف نستغل الظروف السانحة، لأن المحور الذي ينتظر مبررات جديدة هو المحور الإسلامي ودور المسلم نتصوره وفقًا لضرورات داخلية وخارجية أما الضرورات الداخلية فهي الإنشاء والبناء.
وأما الضرورات الخارجية فهي الاتصال مع العالم يتضح ذلك حين نأتي بصورة رمزية: فلو أن أرضا عطشى تنتظر الري هل نستطيع ريها بماء يجري تحت مستواها؟ لن يحاول هذا طبعًا إلا المجنون إلا صاحب الشطحات الصوفية السلبية.
إذا أراد المسلم أن يقوم بدور الري عليه أن يأتي ويقدم المبررات الجديدة التي تنتظرها الأرواح التي تتألم من فراغها.
ليرفع المسلم مستواه بحيث يستطيع فعلًا بفضل دينه الذي أعطاه إياه ربه أن ينزل من قمم الفضيلة الإسلامية على أهضاب الحضارة المتعطشة فيرويها بالحقيقة الإسلامية وبالهدى.
وهذا يقتضي منه قبل كل شيء أن يقوم أولًا وقبل كل شيء بالنهوض الاجتماعي حتى يصير هو بمستوى الحضارة وأعلى منها وأغنى فعليه أن يضيف إليها بعدًا جديدًا.
إذا أراد المسلم أن يسد هذا الفراغ يجب أن يرتفع أولًا إلى مستوى الحضارة حتى يرفعها إلى معنى الوجود ومن معنى الوجود إلى ربانية الوجود ولا قيمة لهذا الوجود إلا بوجود الله.
والمسلم بعد هذا كإنسان يعاصر الناس شاهد عليهم بالتقوى، نزاهة الشاهد الصادق الخبير الواعي بقيمة شهادته إذا أتى هكذا في صورة الإنسان المتحضر في البعد الذي يضيفه الإسلام إلى الحضارة بعد السماء- بذلك ترتفع الحضارة كلها إلى مستوى القيمة الحقيقية إلى الوجود الذي فقد المعنى.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل