; هل ثقافة النفاق إلى زوال؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل ثقافة النفاق إلى زوال؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 31-يوليو-2010

مشاهدات 61

نشر في العدد 1913

نشر في الصفحة 33

السبت 31-يوليو-2010

قد يسود الباطل العالم ويعم، وينتشر الظلم ويطم، فتختلط الأوراق، وتتشعب الطرق وتضيع الوجهة وتتبدل الطبائع، وتفسد الفطر، وتضيع الحقائق، ويكثر المراء ويطمس المعروف وينتشي الباطل وتسود الجهالة وتضيع من قدميك الطريق وتختار ماذا تفعل، أتتقدم أم تتأخر؟ أتداهن أم تواجه في أجواء من الجهالة والمراء؟ 

إذا كنت ذا علم وماراك جاهل            ***          فأعرض ففي ترك الجواب جواب 

وإن لم تصب في القول فاسكت فإنما     ***         سكوتك عن غير الصواب صواب

وهذا قد يكون مقبولًا إلى حين أو على مستوى فردي في واقعة ما، ولكنه لا يكون مقبولًا كأسلوب حياة أو سياسة جماعة أو سيادة أمة، وخاصة نسمع أن تراثنا الثقافي يقول: لعن الله قومًا ضاع الحق بينهم، وقد لا يرغب الإنسان السوي السكوت عن الحق، أو غياب العدالة في مجتمعاتنا، وتنامي الظلم في أوطاننا، رغم أن ديننا يقر في كياننا ويثبت في وجدائنا أننا لابد أن تكون دعاة حق وحملة رسالة للعدالة، وأن الله هو الحق الذي حرم الظلم على نفسه وقال في حديثه القدسي: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرمًا بينكم فلا تظالموا»، ورغم أن دعوة المظلوم عندنا مجابة، يرفعها الله إلى عنان السماء ويقول: «وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين»، «اتقوا دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب»، «إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»، وحذرنا الله سبحانه من الركون إلى الظلمة وعدم الاعتبار بما صاروا إليه، فقال سبحانه، ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ (إبراهيم: 45)، مجرد السكني في مساكنهم بغير اتعاظ أو اعتبار؛ تجلب الدواهي، فكيف بمن يعيشون الظلم ويتنفسون الظلم كالهواء في الشهيق والزفير؟ وما بالنا بأعوانهم وزبانيتهم؟! وقد سأل الخياط المفتي في الزمن الصالح عن خياطته لثياب الظلمة، وقال: هل أكون من أعوانهم، فقال المفتي من يناولك الإبرة فهو من أعوانهم، أما أنت فمنهم. أي من يخيط لحسابهم ويقتلون ويعذبون بأمرهم؟ وما بالنا بمن يمدحون ظلمهم وينافقونهم فيمدحونهم بما ليس فيهم ويكرهون الحق لهم، ويبيعون لهم الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة، قال ابن المسيب لا تملؤوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم لكي لا تحبط أعمالكم. 

قال عمر بن عبد العزيز لجلسائه: أخبروني من أحمق الناس؟ قالوا: رجل باع آخرته بدنياه قال لهم عمر: ألا أخبركم بأحمق منه؟ رجل باع آخرته بدنيا غيره. 

ورأى الحسن البصري بهلوانا يلعب على الحبل فقال: هذا أحسن من أصحابنا، لأنه يأكل الدنيا بالدنيا، وأصحابنا يأكلون الدنيا بالدين.

هذا في العلماء الذين يمالئون الظلمة، نحن نعلم أن ممالأة الظلمة تكون بسبب ظلمهم، وخوفًا من عقابهم وعنتهم، وخاصة عند سيادة الدكتاتوريات وضياع العدالة والتمكن من رقاب الشعوب، وهذا شيء قديم خاصة إذا كان ظلم دول تملك جيوشًا وشرطة وأموالًا لرشوة الناس وشراء ذممهم وضمائرهم، وقد عبر عن هذا قول أحمد شوقي بأبيات معبرة فقال:

أحب الحسين ولكنما               ***        لساني عليه وقلبي معه

حبست لساني عن مدحه          ***       حذار أمية أن تقطعه

إذا الفتنة أضطرمت في البلاد    ***        ورمت النجاة فكن إمعة

هذا وبعض الناس قد ينخرطون في النفاق إلى الأذقان عندما تفقد الأشياء ألوانها وأوزانها، وكل الطرق غاياتها وأهدافها، يهزون أكتافهم لكل شيء؛ فلا شيء عندهم يستحق أكثر من ذلك بل ويستبيحون كل القيم والأخلاقيات في سبيل نفاقهم المشؤوم، ويضحون في سقوطهم هذا بكل رخيص وغالي، بل ويعتبرون هذه جنة ينبغي أن يعبوا منها وينهلوا، وقد عبروا عن ذلك بقولهم:

مادمت في جنة النفاق            ***         فاعدل بساق ومل بساق

ولا تقارب ولا تباعد             ***        ودر مع الثور في السواق 

وضاحك الشمس في الدياجي   ***        وداعب البدر في المحاق 

ولا تحقق ولا تدقق                ***        وانسب شامًا إلى عراق

وقل كلامًا بغير معنى             ***        واحلف على الإفك بالطلاق

ولا تصادق ولا تخاصم          ***        واستقبل الكل بالعناق

فأي شخص كأي شخص        ***         بلا اختلاف ولا اتفاق 

وأي شيء كأي شيء             ***        مادمت في جنة النفاق 

ولا أدري كيف يعيش أناس في بيئة النفاق سعداء مع أنها أتعس البيئات وأشقاها؟ لأن المنافق يساعد على الظلم بمدحه، ويضيع الحقائق، لأنه يعيش بالكذب والمداهنة والخداع وحب الباطل وتقديمه للناس على أنه قيمة كريمة أو عظيمة كما أن المنافق ظاهره جميل وباطنه عليل، وذو وجهين قبيحين، ليس عنده حقيقة ثابتة، يعيب ويمدح بغير وجه صادق.

يمدح بغير حق، ويتكلم كثيرًا ويتلون كذبًا وخداعًا، وسئل الحسن عن النفاق فقال: هو اختلاف السر والعلن والمدخل والمخرج ما خافه إلا مؤمن ولا آمنه إلا منافق، يحب صاحبه المدح بما ليس فيه، ويكره الذم بما فيه، ويبغض من يبصره بعيوبه، تختلف سريرته وعلانيته، وظاهره وباطنه، ولهذا يصفهم الله في كتابه بالكذب فقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (المنافقون: 1)، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (البقرة: 10).

وقد يطلق بعض الفقهاء لفظ الزنديق على المنافق الذي كان على عهد رسول الله ﷺ، وقد ذكرت هناك صفات للنفاق يجب الحذر منها، قال ﷺ: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». 

وعن النبي ﷺ قال: أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا ومن كانت فيه خصله منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر».

هذه الصفات المرذولة أصبحت ثقافة مجتمع هذه الأيام؛ ولهذا تأخر المجتمع وتناثرت أشلاؤه وأصبح لا ينتفع بإيمان أو دين، ولا ينعم بحرية أو استقرار، ولا يهنأ بتقدم أو مدنية، وأصبح تخلصه من هذه الثقافة واجب المخلصين في الأمة كلها ولو أدى هذا إلى تضحيات جسام، ليحق الله الحق ويبطل الباطل ولو كره الخائبون.

والله نسأل أن يوفق وأن يعين آمين.

الرابط المختصر :