العنوان د. محمد عمارة للمجتمع: هذه رؤيتي للمشروع الحضاري الإسلامي
الكاتب شعبان عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1992
مشاهدات 60
نشر في العدد 1025
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 17-نوفمبر-1992
مع ازدياد الصحوة الإسلامية انتشارًا.. واكتسابها لمواقع جديدة، يزداد الإلحاح في التساؤل عن مشروعها الذي تحمله: ملامحه.. أهدافه.. كيفية تعامله مع المجتمع.. ومع أصحاب المعتقدات والاتجاهات الفكرية والسياسية المخالفة، بل يصل التساؤل إلى حد الفضول لدرجة التفتيش في عقل وضمير رموز هذه الصحوة.. ومن هنا تأتي أهمية هذا الحديث مع المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة.
والرجل صاحب حضور في الملتقيات والمنتديات والمناظرات الإسلامية، كما أنه صاحب حضور في مجال البحث والدراسة؛ خاصة فيما يتعلق بالإسلام كحضارة وكمنهج ورسالة.
يقول هو عن نفسه: منذ أن تفرغت للدراسات الإسلامية وأنا أعتبر نفسي واحدًا من الذين ينتسبون إلى حركة الإحياء والتجديد التي تبلورت كتيار يجدد واقعًا بتجديد دينها.. فمنذ أن تبلورت مدرسة الجامعة الإسلامية على يد جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وابن باديس، والكواكبي ورشيد رضا وأنا أعتبرها من معالم الصحوة الإسلامية، وبالتالي فإن موقعي في قلب حركة الإحياء والتجديد الإسلامي، كجندي من جنود هذه اليقظة، أُسهم فيها على الجبهة الفكرية بما أستطيع.
· قبل أن أدخل معه في الحديث عن رؤيته للمشروع الحضاري الإسلامي.. سألت سيادته عن تفسيره لما يلاقيه تيار الصحوة الإسلامية المتنامي من محاولات للتشكيك والتشويه من تيارات فكرية أخرى، تستميت في محاولة إبرازه وكأنه لا يملك مشروعًا محددًا.. ومن جهة أخرى تحليله لما نعيشه من أزمة فكرية تكاد تقودنا إلى مأزق حقيقي.
قال: إن الغزوة الغربية الحديثة جاءت وعلى رأس أهدافها القضاء على محاولات اليقظة الإسلامية، فاحتلت الأرض، ونهبت الثروة، وأقامت القواعد العسكرية، وسيطرت على الأمة سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا، بالإضافة إلى احتلالها للعقل العربي والمسلم، وما ترتب عليه من تشويه وجه الأمة الحضاري والفكري.. وقد أدى ذلك إلى انقسام مفكري الأمة إلى تيارات فكرية ثلاثة.. وكل له وجهته وأنصاره.
الأول: يعكف على الموروث من عصر التراجع الإسلامي.
والثاني: انبهر بالغرب.. بحضارته، وصيغت أفكاره في المصانع الفكرية الغربية، فأصبح يمثل مكاتب الاستيراد الفكرية والتسول على موائد الغرب الفكرية.
والثالث: وهو تيار الإحياء والتجديد الديني منذ مدرسة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا، وحسن البنا.. وهذا التيار هو ما نطلق عليه حاليًا اسم تيار الصحوة الإسلامية، وهو الذي يتجه نحو استلهام المناهج الجوهرية والنقية للفكر الإسلامي، ثم ينظر في الموروث بعقل مستنير معاصر.. ثم يفتح نوافذ عقله على مصادر القوة من الحضارات الأخرى.
انقسام عقل الأمة.. والمأزق الحالي
وانقسام عقل الأمة بهذا الشكل يعد مظهرًا من مظاهر المأزق الذي نعيشه.. ثم افتقار تيار الصحوة الإسلامية إلى الاتفاق على منهج حضاري يكون بديلًا عن المنهج الغربي، ومنافسًا له يزيحه من بلادنا.. يعد أيضًا أحد مظاهر هذا المأزق الذي نعيشه.. فنحن أحوج ما نكون حاليًا إلى صياغة الإسلام كدليل عمل يصبح في يد الحركة الإسلامية ينير لها الطريق؛ وذلك حتى لا تصاب الأجيال من الشباب الإسلامي ومن الحركيين الإسلاميين بالجمود والإحباط، كما حدث لأجيال سابقة.. وهذا بحق هو ما يملك على كل كياني الآن.
المجتمع: قلت لفضيلته؟ وما هي رؤيتك لهذا المنهج.. أو هذا المشروع الحضاري؟
د. عمارة: يأتي في المقدمة.. أن هذا المنهج له موقف متميز من القضية المحورية التي تتجسد في عقيدة الإسلام وهي عقيدة التوحيد.. فالإسلام مفهوم متميز في توحيد الألوهية يحرر طاقات الإنسان من العبودية لغير الله.. وذلك يمثل ثورة تحريرية، ويعد ملمحًا رئيسيًّا من ملامح الصياغة الحضارية للإسلام «مكانة الإنسان في الكون».
وبالنسبة لمكانة الإنسان في الكون، فإن بعض الفلسفات تتعامل معه كإله، والبعض الآخر تتعامل معه كأنه لا شيء، لأنه في نظرها حقير وفانٍ.. ولكن نظرة الإسلام للإنسان تختلف اختلافًا جذريًّا؛ إذ يعتبر الإسلام الإنسان في مركز الخليفة عن الله في الأرض.. وهذا موقف فلسفي وفكري له مدلول في أشياء كثيرة.. في حرية الإنسان، في الشورى الإسلامية وعلاقتها بالأمة كمصدر للسلطات.. ومقاصد الشريعة..
وإذا كانت المذاهب الغربية منها ما يقف عند المثالية، ومنها ما يقف عند المادية؛ فإن للإسلام في علاقة الفكر بالواقع مذهبًا متميزًا عن المذاهب الغربية، وهو خيار بديل للخيارات الغربية.
وإذا كانت المذاهب الغربية منها ما ينحاز للفرد بشكل مطلق، ومنها ما ينحاز للجماعة بشكل مطلق؛ فإن للمنهج الإسلامي نسقًا فكريًّا يجمع ما بين الفرد والطبقة والأمة، باعتبار أن الإسلام دين الجماعة.. وإذا كان النسق الفكري الغربي منه ما ينحاز لملكية الفرد بشكل مطلق «الرأسمالية»، ومنه ما يلغي هذه الملكية أيضًا بشكل مطلق، ويقضي على الحافز بالنسبة للإنسان، كما كان يحدث في الشيوعية، فإن للمنهج الإسلامي مذهبًا متميزًا يجعل الملكية الحقيقية من الثروة والأموال لله سبحانه وتعالى، ويجعل الإنسان مستخلفًا في هذه الأموال، وله فيها ملكية مجازية.. وإذا كان النهج الغربي في الفكر يقيم تناقضًا ما بين الثوابت والمتغيرات؛ فإن في الإسلام نسقًا يجمع ما بين هذه الثوابت والمتغيرات.
المجتمع: كيف ذلك؟
د. عمارة: الدين ثابت.. لكن التجديد قانون إسلامي.. ويبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد للأمة أمر دينها.. فالكليات والمقاصد والقوانين والمحكم، كل هذه من الثوابت.. ولكن في الفروع والمستجدات والمصالح المرسلة تمتد الأصول الإسلامية بفروع جديدة؛ لتظلل أشياء جديدة، وتلبي حاجات ومشكلات جديدة.. إذن فالدين ثابت وهو وضع إله، ولكنه رغم تمامه وتمام الوحي بانقضاء عصر النبوة يعلمنا أن التجديد قانون دائم يطور الأشياء ويواكب المتغيرات.
أيضًا عندنا نصوص وعندنا اجتهاد وهناك علاقة بينهما.. ودائمًا الاجتهاد يواكب المستجدات، ويستنبط للجديد أحكامًا؛ حتى ولو لم تكن هناك نصوص قائمة في هذه الأمور المستجدة.
- المساواة بين الرجل والمرأة في المنهج الإسلامي تقوم على أساس التكامل وليس الندية التي تحدث التناقض كما هو حادث في الغرب
المرأة.. والأقليات
المجتمع: ولكن هناك ثلاثة جوانب مهمة تثير دائمًا جدل المشككين والمعارضين للخيار الإسلامي.. وهي: المرأة.. والأقليات الدينية.. وأصحاب الأفكار الأخرى من العلمانيين.. فكيف يكون وضعهم من المشروع الحضاري الإسلامي.. وكيف يعاملهم الخيار الإسلامي؟
د. عمارة: إجابة المشروع الإسلامي غير غائبة عن هذه القضايا.. ففي قضية المرأة تنظر الحضارة الغربية إليها نظرة من يجعل حريتها مرهونة بأن تكون ندًّا للرجل، ولذلك نجد مفهوم المساواة في الحضارة الغربية هو مفهوم المساواة في كل شيء؛ لدرجة تجعل منها لونًا من ألوان الاسترجال.. ثم إن هذا الموقف جعل الحضارة الغربية- وخاصة في ظل النظام الرأسمالي- تمتهن المرأة ونتعامل معها كسلعة، إما في سوق العمل، وإما غانية في سوق الإعلانات بوسائل الإعلام المختلفة.
أما النظرة الإسلامية فإنها تساوي مساواة كاملة بين المرأة والرجل في الإنسانية، والتكاليف، والجزاء، والحساب.. والقرآن الكريم دائما يتحدث عن المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، والقانتين والقانتات...إلخ.
لكن الإسلام في نفس الوقت يعترف بتمايز الطبيعة بين الأنوثة والذكورة، فلا يقيم المساواة على أساس الندية والتماثل في كل شيء، وإنما يقيم المساواة على أساس التكامل وكأن المرأة شق والرجل شق، وبينهما تكامل الشقين لاختلاف في الطبيعة، ومن ثم فإنه يمكن في الوظائف أن يكون هناك تمايز بالشكل الذي يتفق مع تميز طبيعة الذكورة عن الأنوثة.. إذن المساواة بين الرجل والمرأة في المنهج الإسلامي حقيقة إنسانية ودينية، ولكنها ليست مساواة الندية التي تقيم التناقض بين الرجل والمرأة، وإنما هي مساواة التكامل بينهما.
وينتقل الدكتور عمارة إلى الموقف من الأقليات الدينية، فيؤكد أن الحكم الإسلامي يفرق بين ما هو دين خالص ومن نطاقه الموالاة والنصرة بين المسلم والمسلم، وبين ما هو مواطنة- أي رعية سياسية وشأن من شؤون الحياة الدنيا والحكومة والدولة والوطن والإنتاج والعمران والتنمية وكل ما يتعلق بحفظ الوطن وتنميته.. من هذه الجوانب فإن هناك مساواة كاملة بين رعية الدولة.
وإذا نظرنا إلى دستور دولة المدينة الذي كان يسمى الصحيفة، نجد التمييز في نص هذا الدستور واضحًا، ما بين أمة الدين وأمة السياسة التي هي رعية الدولة، وكان التناحر والموالاة في السياسة، وكانت المواطنة كاملة بين الذين يستظلون بظل هذا الدستور بصرف النظر عن دياناتهم، على حين أن الموالاة في الدين تقف عند حدود الجماعة المؤمنة، فلا يمكن للمؤمن أن ينصر غير مؤمن على مؤمن فيما يتعلق بالأمور الدينية.. كما لا يمكن أن تفرض عقائد المسلمين على غيرهم، كما أن شرائع وعقائد غير المسلمين لا يمكن أن تعطل شرائع الإسلام.
· حقوق المواطنة كاملة لغير المسلمين.. وهناك فرق بين أمة الدين وأمة السياسة
العلمانيون.. ألوان
يضيف الدكتور محمد عمارة: إن نفس الشيء ينطبق على الذين لا يوافقون على الخيار الإسلامي من الناحية السياسية، وهم من نسميهم بالعلمانيين.. وهؤلاء ينقسمون إلى فريقين:
الفريق الأول: يمثله الذين لا يؤمنون بالديانات.. أي الذين ألحدوا ومرقوا من إطار الدين.. وهؤلاء إما يسرون بإلحادهم فيدخلون في إطار المنافقين ولا سلطان للمسلمين عليهم؛ طالما أنهم يظهرون إيمانهم ويخفون إلحادهم؛ لأن الإسلام يقيم شرائعه وفق ظواهر الناس، أما بواطنهم فالذين يقيم عليها العقوبات هو الله سبحانه وتعالى يوم القيامة.
وهذان أشبه بالمرضى الذين تمتلئ أجسادهم بالجراثيم؛ لكنهم لا ينشرون هذه الجراثيم على الناس، وإنما يسترون هذا المرض، وبالتالي لا يكون للدولة سلطان عليهم.
أما من يجهر بإلحاده ويدعو إليه فهذا في نظر الدولة الإسلامية والمنهج الإسلامي أشبه بمن يقوم بالحرابة؛ لأن في عمله محادة لله ورسوله.. وهو لون من ألوان قلب نظام الحكم الإسلامي.. فالتدين هو مستوى من الإبداع لعقل المسلم الذي يتأمل في مخلوقات الله، فيصل إلى الإيمان بالصانع وهو الله سبحانه وتعالى.. وذلك لون من ألوان الروابط التي تحفظ على المجتمع والأمة وحدتها وقوتها، والذي يحاول هدم هذا التدين، فإنما يقوم بنوع من أنواع الحرابة وقلب نظام الحكم.
ونحن إذا تأملنا في كتب الفقه الإسلامي سنجد أن باب الردة يأتي تحت عنوان كتاب الحرابة، فعلماء الإسلام يعتبرون أن الردة نوع من أنواع الحرابة والوقوف ضد السلطة الإسلامية والمجتمع الإسلامي وضد روابط وقواعد المجتمع الإسلامي.
علمانيون لكن مؤمنون!
أما النوع الثاني من العلمانيين فهم المؤمنون الذين يختلفون معنا في إقامة الدولة الإسلامية وتحكيم القانون الإسلامي -وهؤلاء- في تقديري هم أحد أمرين:
إما أنهم تعلموا على النمط الغربي وبمناهج الغرب، ففهموا خطأ أن الإسلام هو المسيحية وأن الخلافة الإسلامية هي البابوية الكنسية التي حكمت أوروبا بالحق الإلهي، وأن الخلافة هي استبداد الكنيسة الغربية وأن مسيرتها الحضارية هي نفس مسيرة الغرب، فظنوا أن الحل لمشكلتنا هو الحل الذي قدم للمشكلة الغربية وهو العلمانية وفصل الدين عن الدولة.. وهؤلاء بهم جهل بتميز الإسلام في فكره السياسي وتطبيقاته وفي مسيرته الحضارية.. هم مؤمنون، ولكنهم يختلفون معنا في الدولة وفي مشكلات القانون، وعلينا أن نحاورهم بصدر رحب، وأن ندعوهم إلى فهم المشروع الإسلامي على أنه مشروع لاستقلال الأمة وعودتها إلى ذاتها وأصولها وتميزها الحضاري، وإلى فهم أن مشروعنا الإسلامي ليس هو مشروع الكنيسة الغربية ولا لاهوتها؛ ومن ثم فإن التخوفات التي لديهم لا أساس لها.
أما النمط الثاني من هذا الفريق من العلمانيين- هكذا يواصل الدكتور محمد كلامه- فهو يدرك أن الإسلام جيد وطيب ولديه مشروع حضاري يستطيع أن يحقق نهضة الأمة، ولكنه يتخوف تخوفًا مشروعًا من بعض الأطروحات التي تقدمها بعض فصائل التيار الإسلامي.. هم يشهدون تشددًا وغلوًا من بعض فصائل الحركة الإسلامية.. وهم ضحايا لتسليط أجهزة الإعلام أضواءها على فصائل الغلو هذه، فيتوهمون أن كل الحركة الإسلامية هو هذا الغلو وهذا الطرح المتطرف، ولذلك فإن هناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الدعاة والمفكرين الإسلاميين وقادة الصحوة الإسلامية للحوار مع الآخرين وتوضيح الصورة، وبالدرجة الأولى علينا أن نكون- كإسلاميين- واضحين حتى نطلب من الآخرين أن يكونوا معنا كذلك.
لأنه إذا كان دليل العمل الإسلامي غير واضح أمام التيار الإسلامي، وإذا كانت العديد من القضايا غير محسومة، وإذا كانت معالم الطريق ليست واضحة بالدرجة الثانية أمامنا نحن.. فعلينا أن نعذر الآخرين.
المجتمع: وما السبيل لحسم القضايا التي لم يبت فيها بالنسبة للتيار الإسلامي؟ وكيف يمكن تحديد معالم طريق الحركة الإسلامية؟
د. عمارة: السبيل قد يكون صعبًا، ولكنه ليس مستحيلًا، وعلى سبيل المثال: أرى أن الساحة الإسلامية تشهد منذ سنوات جهودًا طيبة وجيدة من ثمرات الاجتهاد والتجديد الإسلامي.. والدليل على ذلك أن المكتبة الإسلامية يدخلها الكثير من الكتب كل عام تمثل جهودًا طيبة.. ولكن المشكلة هي أن تتجمع الجهود المبعثرة، وتتبلور في تيار فكري يكون قادرًا على الفعل والتأثير.. أن تنتبه الحركات الإسلامية والحركيون الإسلاميون إلى أهمية هذا الفكر المجدد الذي يجيب على علامات استفهام، ويجتهد أصحابه لصياغة الإسلام كبديل حضاري وكمشروع حضاري، وأن يستفيدوا بهذا الجهد والتجديد الفكري في تثقيف الشباب الإسلامي.
والتيار الإسلامي مطالب بإيجاد صيغة للعلاقة المرنة بين الذين يشتغلون بالفكر كصناعة ثقيلة، وبين الذين يشتغلون بالحركة، ويشغلون بها كل أوقاتهم للاستفادة بالإنتاج الفكري في تغذية فكر الشباب المسلم.
وإذا تم حل هذه المعادلة تستطيع الحركة والتنظيمات الإسلامية الاستفادة بجهد عشرات المفكرين الذين تفرغوا لصياغة الإسلام.