الثلاثاء 10-أبريل-1973
نقطة البداية في التاريخ الإسلامي
بقلم الأستاذ: عبد الحليم عويس
ظهر الإسلام أول ما ظهر في مكة المكرمة، فلقد كلف الرسول الكريم بالبدء بعشيرته الأقربين؛ أي قومه في مكة التي نشأ وترعرع بها، وعلى هذا أيمكن القول بأن نقطة بداية «التاريخ الإسلامي» قد انطلقت من مكة، مهبط الوحي ووطن الرسول عليه الصلاة والسلام.
ثم هاجر الرسول إلى المدينة -وهي من قرى الجزيرة العربية الكبرى- وفي المدينة وجد الإسلام الأرض الخصبة، ووجد النفوس المشرئبة للعقيدة الجديدة، المستعدة للموت في سبيلها، ووجد الفرصة الصالحة -التي لم يجدها في مكة- لكي تبرز إلى الواقع العملي فكرة الدولة الإسلامية كدولة ذات طابع خاص متفرد، تستقي ملامح وجودها من القيم القرآنية، ومن تطبيق الرسول الكريم لهذه القيم.
وقبل هجرة الرسول الكريم هذه لم يكن الإسلام أكثر من أفراد مشتتين مضطهدين، يعيشون منبوذين مقاطعين مقاطعة مادية أحيانًا، ونفسية وفكرية دائمًا في مكة، أو لاجئين سياسيين هاربين من بطش قومهم في الحبشة، أو في أحوال شبيهة بذلك في قرى الجزيرة العربية المتناثرة، وعلى هذا أيمكن القول بأن نقطة البداية في التاريخ الإسلامي قد انطلقت من المدينة المنورة؟
إنَّ نقطة البداية في التاريخ الإسلامي في الحقيقة هي هذه وتلك معًا، ولتاريخنا الإسلامي شقان: فهو كبناء أيديولوجي، كرسالة سماوية، كقيم حضارية، قد بدأ في مكة، لكنه كبناء تطبيقي مادي، وكنظام متكامل، وكحضارة لها رصيدها من الواقع، قد بدأ في المدينة.
وهذان الشقان متكاملان، وضروريان بالنسبة لتاريخنا الإسلامي، فهذا التاريخ مبادئ، إلى جانب كونه أشخاصًا، وهو رسول، ورسالة، وقصة أفراد عظماء، ومجتمع عظيم.
عندما بدأت الرسالة الإسلامية وجودها المادي في مكة لم يكن ارتباطها بأرض مكة ارتباطًا لازمًا، أو ارتباطًا راجعًا إلى خصائص في مكة كأرض، فلم تكن مكة بالنسبة للدعوة أكثر من أرض ولد فيها الرسول عليه السلام، وكان من الممكن أن يولد في غيرها من أرض الله.
ولما أبى مشركو مكة إلا أن يؤذوا مسلميها ويضطهدوهم، لم يجد المسلمون أي حرج في أن يتركوا مكة هذه، ويتشتتون في الأرض؛ لأن الهدف لم يكن «أرضًا» معينة؛ وإنما كان الهدف «قيمًا» معينة، لم يكن الهدف أن تعيش «مكة» أو أن ترتفع رايتها، أو أن يحمى مجدها القومي، أو ترابها الوطني، بل كان الهدف أية أرض تعيش فيها مبادئ السماء، ويجد فيها المسلمون الفرصة، كي تعيش القيم التي يعيشون بها ولها، والتي يعتقدون أنها الطريق الذي يجب أن تسير فيه البشرية.
فلما لمح الرسول الكريم، ولمح المسلمون، أن هناك أرضًا أخرى، ممهدة وأكثر خصوبة لتحقيق قيمهم الأعلى ورسالة السماء التي نيطت بهم- لم يترددوا في أن يتركوا مكة، وأن يضحوا فيها بكل أملاكهم، بل وأحيانًا بأبنائهم وأهلهم، وأن يسرعوا في هداة الليل أو انبثاقه الفجر إلى الأرض التي لاح لهم أن شمس الله سوف تسطع منها، منتشرة -بعد ذلك- في كل بقاع الأرض.
لقد كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مصيبًا كل الصواب حين جعل من التاريخ الهجري بداية التاريخ للمسلمين كتقويم عام يلتزمه المسلمون، ويتذكرون به على المدى التاريخي كله ميلادهم الحقيقي كأمة وكحضارة وكرسالة.
لكن دارس التاريخ الإسلامي لا يستطيع أن يتجاهل الركيزة الأولى التي انطلق منها هذا التاريخ، لا يستطيع أن يتجاهل «الرسول» الذي حمل الرسالة، ولا الأفراد العظماء الذين أحرقت جلودهم صحراء مكة، ولا الذين عاشوا مشردين في الحبشة، لا يستطيع أن يتجاهل القيم القرآنية التي نزلت في مكة تواجه أوضاع المسلمين فيها، وتواجه الأوضاع المشابهة التي يمكن أن تتكرر على مدار تاريخهم.
فتاريخنا الإسلامي في حقيقته يبدأ من هذه اللحظة التي نزل فيها قول الله -سبحانه وتعالى- على رسوله محمد بن عبد الله -عليه الصلاة والسلام- في غار حراء: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (سورة العلق: ١- ٥).
إن هذا التاريخ الإسلامي الذي بدأ من مكة كدعوة وعقيدة، ومن المدينة كدولة وبناء اجتماعي وحضارة- إن هذا التاريخ يمشي مع هذه العقيدة ومع الحضارة المنبثقة عنها ما قدر الله لهما أن يمشيا في التاريخ؛ فهو مرتبط بهما في كل الأرض التي كان عليها، وفي كل الزمان الذي يوجدان فيه، فهو معهما في الأندلس التي خرجت من يد المسلمين بأعمالهم، ولم تعد تاريخًا حيًّا، وهو في الصومال، وفي السودان، وفي أرتيريا، وفي الهند، وباكستان، والبلدان العربية، وفي جزر البحر الأبيض المتوسط كصقلية، وسردينيا، وكريت، هو مع العرب منذ هذه اللحظة، «لحظة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾»، وهو مع البربر منذ اللحظة نفسها، وهو مع الطورانيين من اللحظة نفسها كذلك، وهو مع كل المسلمين مهما تختلف بهم الأوطان والأزمان والأجناس.
إنسان التاريخ الإسلامي:
وإنسان هذا التاريخ هو الإنسان الإسلامي الذي يؤمن بالكتاب الذي بدأ نزوله منذ لحظة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، والذي يحاول خلق الرصيد الواقعي والعملي للقيم التي أرساها هذا الكتاب.
هذا الإنسان -صانع هذا التاريخ ومادته الخام- قد يكون فردًا في مجتمع مظلم مخالف في نمط حياته لقيم القرآن، وقد يكون انتماؤه الأرضي لبلد غير إسلامي؛ ومع ذلك فهذا الإنسان هو اللبنة الأولى لهذا التاريخ ما دام ملتزمًا بقيم القرآن، وما دام يحاول خلق رصيد عملي لها.
العرب ومكانهم في التاريخ الإسلامي:
لقد شاءت إرادة الله أن تكون مكة ثم المدينة أرض الإسلام الأولى، فهل يعطي ذلك وحده مكانة خاصة لمكة أو المدينة؟ وهل تعتبر مكة أفضل من المدينة؛ لأن الأولى سابقة عليها في ظهور الدعوة على أرضها؟
في تصورنا أن الناس الذين يعيشون فوق أي أرض، لا يمكن أن يحملوا شهادات تفوق وامتياز لمحض نشأتهم فوق هذا المكان؛ وبالتالي ليس لأهل مكة أو المدينة امتياز لمحض الانتساب لهاتين المدينتين، ولا يمكن أن يكون مشركو مكة أفضل من مسلمي الحبشة أو النيجر، فالعبرة بالقيم وبمحاولة تحقيق هذه القيم، وصهيب الرومي وبلال الفارس هما من أبرز الأساتذة الأول الذين أسهموا في صنع هذا التاريخ الإسلامي، وهما أفضل من كل الذين كان لهم موقف سلبي أو عدائي أو متخاذل من الدعوة الإسلامية؛ من العرب أو من غيرهم.
والعرب جميعًا يخضعون لقانون التاريخ الإسلامي؛ لا فرق بينهم وبين غيرهم، فبمقدار إيمانهم بالقيم التي ظهرت منذ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ ومحاولتهم تحقيقها تكون أفضليتهم، وليس لهم لمحض انتمائهم الجنسي إلى النبي الكريم الذي نزل عليه الوحي، ولا لأن القرآن نزل على أرضهم، ليس لهم لمحض هذا أو ذاك أفضلية على غيرهم.
ولئن كانت المحاولات التي تعطي العرب أفضلية مجانية لمجرد الأرض أو الجنس، محاولات متناقضة مع مبادئ الإسلام نفسه، فإنها كذلك متناقضة مع سنة الله في الكون؛ لأنه -سبحانه- رفض دعوى اليهود الأفضلية، ورفض دعواهم ودعوى النصارى معهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، ورد على هؤلاء وأولئك بالرد القرآني الحاسم:
﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ﴾ (سورة المائدة: ١٨).
المذياع: أُنْس، أم وحشة؟
لم يكن يؤنس وحدتي في قلب هذه الصحراء -حيث أعمل- سوى كتيبات وجدتها في مخلفات صاحبي الذي حللت مكانه في هذا العمل، وكم كنت بحاجة إلى مذياع أتصل بواسطته بالعالم، وأتعرف على أخبار أُمتي التي تشير كل الدلائل إلى أنها على وشك الدخول في معركة مع العدو الذي اغتصب أرضها، وحط من كرامتها، ولكن الجنيهات القليلة التي أملكها لا أستطيع إنفاقها على هذا الشأن، فأنا أدخرها ليوم قد أحتاجها فيه، فأنا مثقل بالأعباء الأسرية والالتزامات العائلية العريضة.
إلا أن توالي الأحداث، واحتدام الأزمة، والغيوم التي تلبدت في سماء بلادي، ثم انفجار الحرب- دَفَعَ بي إلى التضحية بهذه المدخرات البسيطة، ودفعتها ثمنًا لمذياع ينقل لي أخبار المعارك وصدى عمليات التحرير.
ولكم كنت سعيدًا تغمرني لحظات الفرح ونشوة النصر بأنباء الساعات الأولى وهي تنقلني من نصر إلى نصر، ومن بلدة محررة إلى أخرى في الانتظار، وكم رسمت في الخيال من مشاريع وخطط وزيارات.
ولم تطل هذه النشوة، وابتدأت الابتسامات تتلاشى من الوجوه، وبدأ المذياع يذيع نغمة الحزن، وبدأ القلب يجف ويتوجس، وبات البوم ينعى الديار لتلحق ضحية بضحية، ومفقود بمفقود.
بئست هذه الساعة، أسفي عليك أيها المذياع، أبهذه السرعة تتقلب؟ ألست الذي أذاع بالأمس عبارات المجد وهتافات الانتصار؟ ما لي لا أسمع منك إلا الشؤم والبؤس والانهيار؟ فلتصمت إلى الأبد، وعهد عليَّ ألا أستمع إليك مرة أخرى.
وفي زاوية الغرفة وضعت هذا المذياع المشئوم، وانصرفت أجتر انتصارات الآباء والأجداد بين صفحات الكتيبات المكدسة على منضدة الغرفة، لعلي أجد فيها سلوى، وقد وجدت وما وجدت؛ وجدت آباء عظامًا يرفعون هاماتهم فوق الذرى، ووجدت أمما تستجدي عطفهم وبرهم وأدبهم وعلومهم، ولكني ما وجدت أبناء يترسمون خطى الآباء ويحققون ما حقق الآباء العظام.
ومرت عليَّ الأيام، وانقضت ثلاثة أشهر خلتها قرونًا، ومددت يدي إلى ذلك المذياع لعلي أسمع منه نبأ يطفئ ما في الصدر من نيران الغيظ، ولكني ما أن أدرت مفتاحه حتى أغلقته وأعدته إلى المكان الأول؛ ذلك لأني ما سمعت منه إلا ما تتأذى له النفس، وتمجه الأذن من أغان ماجنة وبرامج أقل ما يقال فيها أنها لا تصدر عن ذوي إحساس يعيشون أوضاع الهزيمة والخسران.
وعاهدت نفسي ثانية على أن أهجر هذا المذياع، وتذكرت ما أنفقت في شرائه، فعضضت أنامل الندم، ولكن الذي كان كان، ولا نأسى على ما فات.
ها قد انقضت سبع سنوات على هذه الأحداث، ولا زلت أجاهد في هذا القفر، أتناسى ما نحن فيه من مصائب، وأغرق نفسي في العمل الشاق، وأبتعد عن سماع الأخبار حتى لا أصاب بما لا تحمد عقباه من نوبات الغضب والحنق، وتلف الأعصاب، ولكن للمقاومة حدود، والصبر بدأ ينفد، ولا يمكن أن أبقى هكذا بعيدًا عن مجريات الأحداث، فلا بد لي من سماع أخبار الأمة، ولعل هذه السنوات قد غيرت منها، وهدتها نكبات السنين إلى طريق الهدى والنور، وعدت إلى مذياعي أنفض عنه الغبار وأهيئه للاستماع، ثم وضعته على منضدتي القديمة وأدرته، فإذا بصوت المذيع يتلو الأخبار، وأي أخبار؟ الدول العربية تسعى جاهدة لحل النزاع القائم على الحدود بين الكويت والعراق، وزارة الداخلية السعودية تصدر بيانًا حول اعتداء الطائرات اليمنية الجنوبية على حدودها، المساعي تبذل للتوفيق بين المقاومة والسودان، الجزر العربية في البحر الأحمر، وأغلقت المذياع.
آه أيها المذياع، أهذه مصائب أم هذه أخبار؟ إنك لم تتغير رغم هذه السنين؛ اغْرُبْ عني، أنت وما تذيع.
أحمد لطفي عبد اللطيف
الرابط المختصر :