; نحو بناء جديد للأمة.. القيم الحضارية للمجتمع الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان نحو بناء جديد للأمة.. القيم الحضارية للمجتمع الإسلامي

الكاتب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق

تاريخ النشر الثلاثاء 21-مايو-1974

مشاهدات 75

نشر في العدد 201

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 21-مايو-1974

نحو بناء جديد للأمة القيم الحضارية للمجتمع الإسلامي بقلم: الأستاذ عبد الرحمن عبد الخالق الحضارة الإسلامية حضارة خليقة التوحيد موقف أخلاقي.. إيمانًا وتجردًا وشكرًا العبادات تزكية أخلاقية.. طاعةً واستقامة وسموًا ونماذج من التشريع توضح الترابط الخلقي بين القِيـمَ الحضارة الإسلامية حضارة حق وأخلاق وعدل وعلم وإعمار ودعوة. ولكن العدل والعلم والإعمار والدعوة تأتي في قسم الوسائل والحق والأخلاق يأتيان في قسم الغايات. فالعدل وسيلة لسعادة البشر في الدنيا سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، فأي أمة ساد العدل فيهـا سعد أهلها وعاشوا عيشة طيبة هادئة، والعدل من المسلم وسيلة لبلوغه رضوان الله في الآخرة.  فالمؤمن العادل محبوب عند الله تبارك وتعالى مرضى عنه فإذا كان إمامًا أستطل بظل عرش الله يوم القيامة. والإعمار «عمارة الأرض» وسيلة للحياة الصالحة عليها واستمرارها على الوجه الطيب الصالح. وأما العلم فهو وسيلة للوصول إلى كل هذه القيم، فهو وسيلة الوصول إلى الحق والخلق، والعدل والإعمار، بل ليس هناك وصول إلى شيء من ذلك بغير طريق العلم. وأما الدعوة فهي وسيلة نشر القيم كلها وإفشائها ولذلك كانت الأمة الإسلامية أمة دعوة كما قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: 110). ◘ وأما الحق وقد مضى بيان تعريفه في المقال السابق فإن العلم والإيمان به غاية مطلوبة فهو الذي خلقنا من أجله وأقيمت السموات والأرض له كما قال جل وعلا. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ (ص: 27). منزلة الأخلاق في الحضارة الإسلامية وكذلك الأخلاق غاية مطلوبة بل هي غاية الغايات فعليها يتوقف فلاح الإنسان أو خسارته، وليس في القرآن كله حقيقة أقسم الله عليها بأقسام متعددة متتالية غير هذه الحقيقة. قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ﴾ (الشمس: 1) وهذا قسم ﴿وَضُحَاهَا﴾ (الشمس: 1) وهذا قسم ثان، ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ (الشمس: 2) وهذا قسم ويمين ثالث،﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ (الشمس: 3) وهذا يمين رابع، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ (الشمس: 4) وهذا خامس، ﴿وَالسَّمَاءِ﴾ (الشمس: 5) وهذا يمين سادس، ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾ (الشمس: 5) وهذا سابع، ﴿وَالْأَرْضِ﴾ (الشمس: 6) وهذا ثامن، ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾ (الشمس: 6) وهذا تاسع، ﴿وَنَفْسٍ﴾ (الشمس: 7) وهذا عاشر ﴿وَمَا سَوَّاهَا﴾ (الشمس: 7) وهذا تمام أحد عشر يمينا وقسما أقسم بهن الله سبحانه وتعالى ثم أتى بعد ذلك بالمقسم عليه وهو ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 9-10) وتزكية النفس تطييبها وإصلاحها وتخلقها بالأخلاق الجميلة الطيبة. وليس هناك من وسيلة لهذا التطييب والإصلاح والتجمل إلا الإسلام. • فإصلاح النفس غاية الغايات ومنتهى الإرادات ولذلك كانت الشريعة الإسلامية من البَدْء إلى النهاية شريعة أخلاق وتزكية نفس قال تعالى ممتنا على المؤمنين، ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة : 2) فجعل التزكية غاية وهدفا للرسالة مع العلم والكتاب والحكمة ومعلوم أن علم الكتاب والحكمة ليس غاية في نفسه لأن العلم وحده بلا عمل فساد في الدنيا وخسارة في الآخرة. وأما التزكية فغاية في ذاتها ووسيلة لدخول الجنة ولذلك قالت الملائكة للمؤمنين عند دخولهم الجنة ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (الزمر: 73) والطيبة هي نتيجة التزكية والتطهير. ولذلك لم يكن مصادفة أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:- «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» فحصر رسالته في إكمال مكارم الأخلاق وذلك أن الرسالة الإسلامية رسالة خلقية. وما الصلاة والصيام والحج وسائر العبادات إلا وسيلة لإصلاح النفس وتطهيرها، ولذلك كانت هذه العبادات نافعة مقبولة حيث تبلغ غايتها في نفس العابد، باطلة مردودة حيث تصبح طقوسًا مؤداه لم تبلغ من نفس فاعلها شيئا. • ذكر عند الرسول صلى الله عليه وسلم امرأة تقوم الليل وتصوم النهار وتؤذي جيرانها فقال هي من أهل النار!! • وقال صلى الله عليه وسلم في حديث البخاري: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه! فجعل الصيام المتقبل عند الله هو الصيام الذي ينهى صاحبه عن الخلق السيئ والصلاة المتقبلة هي التي تنهى صاحبها عن الخلق السيئ. • وجعل صلى الله عليه وسلم تعيير رجل بأمه بأنها سوداء جزء من الجاهلية فقال لمن فعل ذلك: «إنك امرؤ فيك جاهلية « • وجعل سب المسلم لأخيه المسلم فسقا، فقال: «سباب المسلم فسوق» وجعل قتاله كفرا فقال: «وقتاله كفر« • وجعل تبارك وتعالى الزكاة مقبولة حيث اقترنت بالخلق الطيب فهي زكاة وطهرة حيث ابتغى بها وجه الله وهذا منتهى الخلق الطيب . وحيث تخلف عن صاحبها المن والأذى فمن من بزكاته وافتخر بها على من تصدق عليه أو ذكرها له على وجه المدح لنفسه فلا زكاة له !! ومن أعقب صدقته أذى لمن تصدق عليه فلا زكاة له قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾ (البقرة: 264) وجعل من يفعل ذلك كمن أراد الرياء والسمعة وهذا منتهى الخلق السيئ. • وجعل سبحانه وتعالى الحج مقبولًا حيث انتهى الرفث والفسوق والجدال وكل هذه أخلاق سيئة قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة: 197) هكذا بهذا الإعلام الخبري الذي يعطى الأمر صفة الثبوت واللزوم، ومفهوم هذا أن من أراد أن لا يمتثل ذلك فلا يفرض الحج أي لا يهل به!! وهذا منتهى التحذير. • وبهذه الأدلة وغيرها كثير جدا يثبت لديك أيها القارئ أن العبادات في الإسلام ما هي إلا وسائل قصد بها إصلاح النفس وهذا لا ينفي أن تكون مفروضة في نفسها وأن تاركها كافر عاص، وأن ليس هناك وسيلة لإصلاح النفس غير ما شرعه الله سبحانه وتعالى. التوحيد موقف خلقي وإذا كانت العبادات في الإسلام صلاة وصيامَا وزكاة وحجًا وسائل مشروعة مشروعية واجبة لازمة لإصلاح النفس فإن أصل الدين كذلك. ◘ وأصل الدين هو التوحيد: عبادة الله وحده لا شريك له، وإذا حققت في موقف المسلم من هذا الأصل وجدت أنه موقف خلقي. ◘  فالاعتراف بالله الحق الأحد الصمد فضيلة لأنه اعتراف بالحق وإقرار به وأول مبادئ الأخلاق أن تتعلم كيف تعترف بالحق وكيف تكون معه، وتدور معه حيث دار، وأول الأخلاق السيئة أن يتعود إنسان ما أن يتهرب من الحق وأن يزوغ منه، وإن يمارى فيه وأن يجحده وليس الكافر إلا كذلك فحقيقة الكفر هي الجحود والمماراة والاستكبار، وحقيقة الإيمان هي الإقرار والإذعان فموقف المؤمن من التوحيد موقف خلقي وهو موقف كريم بالطبع لأن معرفة الحق والإيمان به فضيلة، وإنكار الحق والمماراة فيه رذيلة. ◘ وأول مبادئ التوحيد علم والعلم فضيلة قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ (محمد: 19) والإعراض عن هذا العلم رذيلة وأي رذيلة أكبر من أن يعرض الإنسان عن خالقه وربه ومولاه الذي ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (لقمان: 20)، والذي خلقه وسواه وعدله، ومن عليه وأكرمه. إن هذا الإعراض سواء كان جهلا وهروبًا من نداء الفطرة التي تصرخ في أعماق كل إنسان: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (إبراهيم: 10)! أو كان هذا الإعراض هروبًا من دعوة الرسل وندائهم: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الأحقاف: 31 (أقول الإعراض عن نداء الفطرة أو نداء الرسل رذيلة خلقية وانحراف نفسي قبل أن يكون كفرا! والاستجابة لهذا النداء والإذعان له والإصغاء إليه فضيلة خلقية قبل أن يسمى إيمانا وإحسانًا وبرًا. ◘ وإذا كانت أولى مراتب التوحيد وهي العلم والاستجابة لنداء الفطرة ونداء الرسل منزلة خلقية فإن كل منازل التوحيد كذلك. فشكر الله موقف خلقي إذ مقابلة الإحسان بالإحسان فضيلة خلقية. فهل ينكر إحسان الله إلينا إلا كافر معاند جاحد. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ (لقمان: 20). ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ لِتَجْرِيَ في البَحْرِ بِأمْرِهِ وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ * وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ إبراهيم :32-34).  فإذا رأى المؤمن كل هذه النعم وعرف مسديها ومنشئها سبحانه وتعالى ووجد أنه قد أصبح حقا عليه شكر الرب تبارك وتعالى فهل كان هذا منه إلا موقف خلقي!! وهل فعل المؤمن بشكره ربه سبحانه وتعالى على نعمته إلا أن قام بأبسط قواعد الأخلاق وهي شكر المحسن! فأعجب لأناس يرون إحسان الخلق إليهم فيشكرونهم ولا يرون إحسان الله إليهم. وأعجب أيضا لأناس لا يشكرون الناس على ما يبذلون إليهم من معروف واعلم أن أولئك ليسوا بشاكرين الله وإن زعموا أنهم من المسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس»! ◘ فانظر كيف جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشكر موقفًا خلقيًا فمن تعود هذا الموقف مع الله فلا بد وأن يشكر الناس إذا بذلوا إليه معروفًا، أو أجرى الله شيئًا من الخير على أيديهم وأن من لم يشكر الناس إذا قدموا إليه معروفًا فإنه لا يعترف ولا يقوم بشكر الله تبارك وتعالى وذلك لأنه يفقد هذا الخلق.  والشاهد هنا هو بيان أن مراتب التوحيد كلها مواقف خلقية فالإيمان بالله وشكره، والتوكل عليه، والإنابة إليه ودعاؤه وخشيته ورجاؤه، كلها مواقف خلقية وهي صلب الدين وأساسه وغايته. الإحسان منزلة خلقية مراتب الدين ثلاث هي: الإسلام، والإيمان، والإحسان. فالإسلام أعمال ظاهرية يورث الاستمرار عليها وممارستها الواعية المخلصة المنزلة الثانية وهي الإيمان. والإيمان عقيدة باطنية يورث التحقق بها والحياة في ظلالها المرئية الثالثة وهي الإحسان. والإحسان غاية يسعى المسلم إليها ولا يصلها إلا بعد جهد ومثابرة. ومفهوم الإحسان أن يأتي المسلم بعمله على أتم وجه وأحسنه سواء كان هذا العمل عبادة أو معاملة أو سلوكًا. وهو يبتغي بذلك وجه الله سبحانه وتعالى، ولذلك جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الطريق إليه هو مراقبة الله حيث قال عندما سئل عن الإحسان، قال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» والعبادة هنا تتعدى أعمال التقرب إلى الله كالصلاة والصيام والزكاة والحج. إنها هنا الصبغة العامة للحياة بأسرها. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته» والمقصود بالكتابة في الحديث هو الفرض والإلزام والإيجاب فقد أوجب الله سبحانه وتعالى علينا الإحسان في كل شيء ثم ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم بمثلين مما لا يراعي الناس فيهما الإحسان عادة: وهو القتل أي تنفيذ حكم القتل في القصاص والردة مثلا، والذبح فقد تعمينا جريمة القاتل عن الإحسان معه فنقتله قتلة منكرة، أو نجمع له بين القتل والتعذيب والتمثيل والصلب ، فنهينا عن كل ذلك وأمرنا بالإحسان. وقد نفى عن ذبح الحيوان من اتباع الإحسان معه فنهينا عن ذلك وأمرنا بإحداد الشفرة، وحسن اضجاعه، وسحبه إلى مكان ذبحه.. ولا يشك عاقل بعد هذا البيان أن منزلة الإحسان منزلة خلقية. وأنه كلما ارتقى الخلق بلغ صاحبه الإحسان.  فانظر كيف أصبحت غاية الإسلام غاية خلقية ليس في مفهوم العبادة الضيق فقط بل بمفهومها الواسع الذي يشمل كل عمل يراد به وجه الله سبحانه وتعالى، بل يجب على كل مسلم أن يعلم أن الله سبحانه وتعالى يحب منه الإحسان في كل عمل تناله يده كما قال صلى الله عليه وسلم:- «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه» وبهذا تعلم يقينا أن رسالة الإسلام رسالـة خلقية وان غايته للفرد غاية خلقية وان هدفه للجماعة هدف خلقي ولذلك فأمة الإسلام أمة أخلاق.  منزلة الأخلاق في تشريع المعاملات سبق أن علمت أن تشريع المعاملات في الإسلام قائم على العدل وأن الله ما أنزل شريعته إلا لذلك كما قال جل وعلا: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد : 29) والقسط هو العدل. وإذا كان العدل هو المرحلة الدنيا من وضع الحق في نصابه. فان تشريع الإسلام لم يقف عند هذا أبدًا في كل جزئية من جزئياته بل أضاف إلى ذلك دائمًا منزلة الإحسان وقد مر بك أن منزلة الإحسان منزلة خلقية، ولنضرب على ذلك بعض الأمثلة. ◘ أ - إذا عقد رجلا عقد زواج مع امرأة ثم بدا له أن يطلقها قبل أن يدخل بها فان الله يوجب عليه نصف المهر إذا كان قد سماه ونصف مهر مثلها أن لم يكن قد نص على المهر في العقد. وهذا الحق الذي للمرأة المطلقة هو منزلة العدل لأن نصف المهر هذا تعويض عما تعرضت له المرأة من كسر لنفسيتها وجرح لكرامتها. ولكن الله يرشد بعد ذلك إلى منزلة الإحسان فيحث الزوج المطلق أن يتنازل لزوجته عن النصف الباقي من المهر زيادة في التعويض، وغاية في الإكرام والإصلاح. يقول تعالى ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: 237). هذا ولم يجعل الله تبارك وتعالى منزلة الإحسان من جانب الرجل وحده بل حث المرأة أيضا على الإحسان ومنزلته عندها في هذه الحالة أن تتنازل للرجل الذي طلقها قبل أن يدخل بها عن نصف المهر الذي يجب لها.  قائلة مثلا: رجل لم يدخل بي ولم يعاشرني فلا آخذ شيئا من ماله!! ولذلك قال تعالى ﴿إِلَّا أَن يَعْفُونَ﴾ (سورة البقرة: 237) أي النساء، فأعطى للرجل فرصة الإحسان وهي أن يتنازل عن النصف الأخر من المهر، وأعطى للمرأة فرصة الإحسان وهي أن تتنازل عن النصف الواجب لها، ثم أرشد الرجل إلى أن عفوه عن النصف الأخر للمرأة تطييب لخاطرها أولى وأحرى وأقرب للتقوى فقد جعل الله عقدة النكاح بيده وهذا تشريف وكل تشريف يتبعه دائمًا تكليف فانظر كيف جمعت هذه الآية القصيرة كل هذه المعاني السامية، وانظر كيف شرعت هذه الأحكام السامية لهذا الظرف العصيب والمشكلة الحرجة «الطلاق قبل الدخول» وجاءت حلولًا ندية طيبة كريمة وبهذا تستدل قطعا أن كنت من ذوي البصائر أن هذا القرآن ليس من صنع بشر وإنما هو ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (سورة فصلت: 42). وانظر كيف ختمت هذه الآية بتذكير من وقع في هذه المشكلة أن لا ينسى الفضل قديمًا فكم من خطيب هشت خطيبته لمجيئه وقدمت له أعظم ما لديها من هدايا، وكم من خطيب قدم لخطيبته أحسن ما عنده من هدايا وذكريات ﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ (البقرة : 237) ثم انظر كيف يختم الآية بتذكيرنا أن الله بصير بما نعمل وذلك لنصل إلى منزلة الإحسان. وهي المنزلة الخلقية التي يسعى إليها كل مسلم صادق. ◘ ب- المثال الثاني وسأجعله أيضا في هذه المعاملة «الطلاق» وذلك أن الجهلة الأغبياء من تلامذة الكفار وممن ينسبون إلى الإسلام زورًا يجعلون تشريع الطلاق جريمة تشريعية وأثرًا من آثار التخلف الحضاري، والظلم الذي يفرضه الرجل على المرأة، وينادون بتقيد هذه المعاملة أو إلغائها إلى آخر ما يهترفون به. وليس المقام الآن مقام الرد على ذلك، ويكفي في هذا المقام أن أقول إن الدول التي حرمت الطلاق اتباعًا للنصرانية قد عادت وإباحته وفي مقدمة هذه الدول إيطاليا عاصمة البابوية فقد هزم فيها حظر الطلاق عندما استحال ذلك إلى جحيم تشريعي لا يطاق. أقول المثال الثاني في بيان الجانب الأخلاقي في التشريع. هو إيجاب «المتعة» للمطلقة. والمتعة هذه هدية مناسبة بوضع الرجل المالـي تعطى لزوجته المطلقة فوق حقوقها اللازمة المعروفة. وحقوق المطلقة هي: المهر كاملًا إن لم تكن قد أخذته أو بقي منه شيء في طرف الزوج والنفقة وقت العدة، وحتى تضع أن كانت حاملًا، وأجر الرضاع والحضانة أن وافقت على حضانة الطفل. وهذه الحقوق كلها هي منزلة العدل في تشريع الطلاق، ولكن الله سبحانه وتعالى يرشد إلى منزلة الإحسان فيوجب على الزوج متاعًا لزوجته فوق حقوقها المنصوص عليها وهذا المتاع هو هدية مناسبة لمطلقته تطييبًا لنفسها، وبلالًا لعاطفتها، وإبقاء لشيء من المودة والحب ولذلك قال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: 241) وليس لأحد أن يقول لست من المتقين فلا يجب على هذا المتاع. فانظر كيف يفرض الله الإحسان فرضا  وخاصة في هذا المجال الذي يجب فيه تطييب النفوس وإصلاح الخلل. وإذا استعرضت شريعة الإسلام تشريعًا وجدت بجوار منزلة العدل دائمًا منزلة الإحسان. فمع وجوب إعطاء كل ذي حق حقه يأتي ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ (البقرة: 280)! وهذا إحسان بالمدين، الذي يجب في حقه مصادرة ماله، استيفاء لدينه وهذا حق ثم تأتي منزلة أخرى من الإحسان وهي التصدق عليه بالدين أو ببعضه إذا كان عاجزا ﴿وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 280)! والشاهد من ضرب كل هذه الأمثال هي بيان أن شريعة الإسلام شريعة خلقية سواء في الأصول كالتوحيد والعقيدة، أو في العبادات كالصلاة والصيام والزكاة والحج  أو في الفروع والمعاملات كالبيوع والدين والزواج والطلاق. فهل وعى المسلمون أي قيم تقوم عليها حضارتهم. انضباط الأخلاق في الحضارة الإسلامية الأخلاق في الحضارة الإسلامية قيمة منضبطة وليست خاضعة للذوق وأعراف البيئات والجماعات ولذلك فهي مكتوبة مقننة وغير خاضعة للتطوير والتغيير. وهذا فارق أساسي بين حضارة الإسلام وجميع الحضارات المادية. فالفضيلة في قانون الإسلام وتشريعه فضيلة منذ نزل الوحي على رسول الله حتى يمحى الإيمان من الأرض والرذيلة كذلك، وأما في جميع الحضارات المادية فإن الفضيلة والرذيلة تخضعان دائمًا لذوق الناس وعرفهم، وذلك أن الهوى واللذة والمنفعة في الحضارات المادية هي مناط التشريع والتقنين سواء كان ذلك في العقائد أو العبادات أو المعاملات أو الأخلاق والشطر الأول من هذه القضية مسلم عند الجميع أعني أن أكون الأخلاق في الإسلام لا تتطور فهذا أمر مفروغ منه، ولا يمارى فيه إلا مكابر، وأما أن الأخلاق في الحضارات المادية متطورة فهذا ما قد يخالف فيه البعض ولذلك سأضرب أمثلة على ذلك. • 1 - إتيان الذكر للذكر في العلاقة الجنسية هي إحدى الجرائم الخلقية الشنيعة في الإسلام وهي جريمة خلقية ولها عقوبة شرعية في الدنيا ووعيد في الآخرة والنظرة إلى هذا الفعل القبيح لا تتطور في حس المسلم أبدًا ولا في عقله. بل الاستشباع والتقبيح حاصل أبدًا طالما كان هناك إيمان، ولكن انظر كيف اقر القانون الانجليزي متمثلًا في مجلس العموم رفع هـذه الجريمة من سجل الجرائم الخلقية ملحقًا إياها بالحريات الشخصية وهذا يعني الإباحة وقد كان ذلك نتيجــة لتغير النظر في مسألة الأخلاق. • 2 - الزنا جريمة خلقية في الإسلام وتشتد العقوبة إذا كان فاعلها محصنا، والنظرة إلى هذه الجريمة لا تتغير بتغير الزمان والمكان، وأما في الحضارات المادية فإن هذه الجريمة قد خضعت للتطوير والتغيير والتبديل حتى كادت أن تصبح إحدى الفضائل والمآثر، وقد جعلها القانون في الحضارات المادية أمرًا مباحًا إلا في ثلاث حالات: الحالة الأولى الاغتصاب والثانية : عدم بلوغ سن الرشد، والثالثة: حق الزوج والزوجة. ومفهوم هذا أن البالغ والبالغة إذا فعلا هذه الجريمة بالتراضي فلا شيء عليهما والزوج والزوجة إذا مارس كل منهما الزنا مع أخر برضائهما فلا حرج على أحد منهما وهذا القانون وللأسف هو المعمول به في عامة البلاد العربية التي نقلت هذا عن القانون الفرنسي. وأخر ما خرجت علينا به محكمة الاستئناف في الكويت هو تبرئة زوجة قد اعترفت بمواقعة الزنا مرات عديدة وسبب البراءة أن زوجة الزاني قد طلبت عدم السير في محاكمة زوجها الزاني لأنها تتنازل عن حقها في ذلك، وهذا التنازل يعني تبرئة الزوج الزان، والمفروض أن شريكته في الزنا تعتبر مدينة طالما أن زوجها هي لم يسمح بذلك ولكن محكمة الاستئناف برأتها لان شريكها أصبح بريئًا بموافقة زوجته له في أن يمارس الزنا كما يشاء. « السياسة ١٤ مايو ١٩٧٤» وبهذا تصبح نظرة الناس في الحضارات المادية إلى الزنا على أنه فعل مشروع طالما انتقت منه المحاذير السابقة. وغير خاف ما وصلت إليه الممارسات المنحرفة لهذه الجريمة من قبح وانحطاط مثال ذلك «الزنا الجماعي وهي أن يجتمـع مجموعة من الرجال مع زوجاتهم فيمارس كل رجل الفاحشة مع كل امرأة والعكس! وسيأتي في أسباب انهيار الحضارات تفصيل لنتائج هذا التردي الخلقي والشاهد هنا أن الأخلاق في النظام الإسلامي والحضارة الإسلامية ثابتة غير خاضعة للتطوير ولا للأعراف المنحرفة الخاطئة. • وآخر مثال لبيان أثر تطور الأخلاق في فساد الحضارات هو ظاهرة التعري الكامل التي بدأت محدودة في أوربا في بعض الأنديـة والأماكن الخاصة ثم انتقلت بعد ذلك إلى الشوارع والأماكن العامة وهذه النتيجة متوقعة عند من يعلمون أسباب الفساد الخلقي وذلك أن الأخلاق إذا لم يكن لها ضوابط وموازين فإنها تصل إلى الدرك النهائي في حركة تسمى حركة التقدم والتطوير فالعورة للرجل والمرأة في الإسلام محددة مقررة وغير قابلة لاختلاف النظر حولها ولكن في النظر المادي العورة وكل الأشياء وكل القيم خاضعة للمنفعة واللذة والهوى ولذلك وصل الناس في تلك المجتمعات الفاسدة إلى الخروج عرايا رجالًا ونساء إلى الشوارع والمنتديات، وممارسة الشذوذ الجنسي في الشوارع والأماكن العامة وممارسة الزنا في الحدائق وعلى جوانب الطرق والقانون المادي يحمي هذا بالطبع لأنه يدخل كل ذلك في باب الحريات الشخصية! خلاصة وخاتمة ◘ وخلاصة هذا الأمر هو أن نعلم أن الحضارة الإسلامية حضارة خلقية سواء في أصولها من التوحيد والعقيدة، أو التشريع في العبادات والمعاملات، وأن هذه الأخلاق ثابتة مقررة وغير خاضعة لانحراف الناس وأهوائهم وعلى العكس من ذلك تمامًا في الحضارات المادية فالأخلاق فيها بل وكل القيم خاضعة للابتداع والانحراف والأهواء. عبد الرحمن عبد الخالق
الرابط المختصر :