; نحو بناء جديد للأمة: أسس الحضارة الإسلامية.. ومنزلة العلم في الحضارة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان نحو بناء جديد للأمة: أسس الحضارة الإسلامية.. ومنزلة العلم في الحضارة الإسلامية

الكاتب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق

تاريخ النشر الثلاثاء 18-يونيو-1974

مشاهدات 65

نشر في العدد 205

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 18-يونيو-1974

نحو بناء جديد للأمة أسس الحضارة الإسلامية منزلة العلم.. في الحضارة الإسلامية بقلم: الأستاذ عبد الرحمن عبد الخالق ❖علم المادة.. أساس التجربة والدليل الحسي. ❖علم الدین.. مصدره الوحي، وبلاغ الرسل. ❖خطأ متبادل بين علماء الدنيا، وبعض علماء الدين. العلم هذه الكلمة الرنانة الكبيرة قد طرقت كل أذن، وترددت على كل لسان، ولكنها ما زالت كلمة مظلومة مجهولة تطلق في غير إطلاقها، وتحبس عن مضمونها، فكم من أمور هي من الجهل والظن والشك، قد أطلق عليها اسم العلم واليقين، وكم من أمور هي من العلم واليقين، أطلق عليها ألفاظ الجهل والتخرص والظنون! العلم كلمة كبيرة، ولكنها كلمة مظلومة مجهولة. فما العلم وما إطلاقه الحقيقي؟ العلم هو التعرف على حقائق الأشياء، فهو ملازم للحق دائمًا ولا ينفك عنه، والحق هو الأمر الثابت المستقر، وهو غير الخيال والظن. وللعلم ميدانان: الأول: ميدان المادة، وهذه الحياة الحسية التي أخضعها الله لتجاربنا وحسنا، والعلم يطلق على التعرف على هذه المادة ومعرفة صورها المختلفة، والاستفادة منها على الوجه الأكمل، ويدخل تحت هذا العلم جميع العلوم الخاضعة للتجربة والبرهان، كالطبيعة والكيمياء وعلوم طبقات الأرض، «الجيولوجيا» والطب والأحياء، والفلك والرياضيات، والفروع التي تتفرع عن هذه العلوم، وإطلاق العلوم الدنيوية على هذه العلوم إطلاق صحيح. والميدان الثاني هو العلوم الغيبية، وهي علوم لا تخضع للتجربة والحس، ولكنها تتلقى بالسمع عن الرسل، الذين قام الدليل العقلي على صدقهم وأمانتهم. فعلوم الرسل علوم تصديق، لا علوم تجريب واختبار، فلا يستطاع إثبات عذاب القبر -مثلًا- بتجربة، ولا معرفة الجنة والنار بمرصد أو برهان حسي، وليس هناك من دليل لإتيان ذلك، إلا التصديق لمن قام دليل العقل والبرهان العقلي على صدقهم وأمانتهم، وهم رسل الله عز وجل. وما جاءت به الرسل من أخبار الغيب علم، لأنه حق وثابت ومستقر، وليس ظنًا ولا رجمًا، ولا تخليطًا ولا سحرًا أو كهانة، وإن كان المكذبون قد أطلقوا مثل هذه الكلمات على علوم الرسل. والعلم المادي الدنيوي لا ينكر، لأنه محسوس، والبرهان العلمي التجريبي يقوم بإتيانه في عالم الواقع، لكل صاحب عقل وإدراك، ولا يماري في المحسوسات إلا مجنون غبي جاهل. وأما علوم الغيب والآخرة، فإنها تحتاج إلى نظر وعقل، وفهم وإدراك وتجرد من الهوى، وإخلاص نية، وسعي في طريق الهداية، ولذلك مارى فيها كثير من الناس، وحاولوا بما عندهم من الباطل. ولذلك فأمر إثبات العلوم الغيبية يختلف عن أمر إثبات العلوم المادية. وليس ما ينسب إلى العلم المادي كله من باب الحقائق والعلم، بل نسب إليه كثير من الفكر والنظريات التي ما زالت في دور البحث والتجريب. ونسب إليه أيضًا كثير من النظريات، التي زعم أن لها برهانًا وما لها برهان، وما هو ببرهان، فقد ألصق بعلوم الفلك كثير من الظنون والتخرصات، لم يقم البرهان عليها، ومنها ما قام البرهان بغيرها، ومنها ما زال يحتاج البرهان، فقد كان يظن قديمًا أن الشمس ثابتة، والأرض متحركة، ثم زال هذا الوهم بعد علم أن الشمس تجري، وكذلك الأرض تدور حول نفسها، وتدور أيضًا حول الشمس، وكان يظن أيضًا أن الأرض مركز العالم، وأن هذه السيارات تدور حولها، فإذا بها تابع صغير من توابع الشمس، وكذلك في علوم الأحياء، خرج دارون على الناس بنظريته في النشوء والارتقاء، زاعمًا أن الإنسان من فصيلة الحيوان، مبرهنًا على نظريته الخاطئة، بمجموعة من الظواهر التافهة، التي أثبت العلم المادي خطأها وجهلها، وظن الناس قديمًا أن الذرة وهي الجزء كما عرفوه غير قابل للتجزئة، حتى إنهم قالوا يستحيل على الله تجزئته، وجعله بعض الناس من المتكلمين في الإسلام من المستحيلات، حتى في حق الله، ثم جاء العلم المادي بفلق الذرة وتحطيمها، والشاهد أن هناك طائفة كبيرة من النظريات والظنون، نسبت إلى علوم المادة، وليست بعلم، وإنما هي مجرد ظنون وتخرصات. وإذا كانت العلوم الغيبية علوم تصديق وإيمان، وإنها لا تخضع للتجربة الحسية، فمعنى هذا أنها علوم ثابتة غير متطورة، لأن الحق فيها ثابت مقرر، ولذلك فالكلمة النهائية معها مطلقًا، ومعنى هذا أيضًا أنها في جملتها، لا تقبل الإضافة ولا القياس، ولذلك فكل ما نسب إلى الغيب عن غير طريق الرسل، فهو خرافة وشعوذة وتدجيل، أو ظنون وخبط، ولهذا فليس في الإسلام فلسفة إلهية، لأن الفلسفة الإلهية ظنون غيبية، تبنى على أقيسة عقلية، والغيب لا يخضع للقياس، ولذلك فقد ضل أناس كثيرون لأنهم قاسوا أمور الآخرة على أمور الدنيا، كما قالت قريش عندما سمعت عن شجرة الزقوم: «إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم! اليوم ظهر كذب محمد! زعم أن النار التي يعدنا بها تنبت فيها الأشجار، وقد عرفنا أن النار تأكل الاشجار!!»، فكذبوا رسول الله، لأنهم قاسوا أمور الغيب على أمور الدنيا المشاهدة، التي تقع الحس. وكذلك فالسحر والاتصال بالجن مرفوض في الإسلام، لأن العلوم التي تصل عن هذا الطريق مخلوطة مكذوبة!! والخلاصة أن العلوم الغيبية والتي تستحق لفظ العلم، هو ما جاءت به الرسل فقط من ربها جل وعلا، وما أخبرت به في الماضي أو المستقبل، وما سوى ذلك فليس بعلم. فالفلسفة ليست علمًا، بل وكل العلوم الإلهية التي يكون مصدرها غير الرسل، فليست بعلوم، وإنما هي ظنون وتخرصات، وكذلك السحر والشعوذة وما يسمى بتحضير الأرواح، والاستشفاء عن طريق الجن، وعدا ذلك، وأما العلوم المادية فلا يسمى منها علمًا، إلا ما أثبته البرهان الحسي، وقام البرهان العقلي على تصديقه. ولا شك أن لفظ العلم يطلق خطأً على كثير من النظريات، التي ليس لها مستند في الواقع. ميادين العلوم الدينية بالتعريف السابق للعلم الديني، عرفنا أن علوم الدين علوم تصديق وإيمان، بما أعطاه البرهان من صدق المخبر، وهم الرسل الذين ينقلون عن رب العزة جل وعلا، وليس للعلوم التي جاء بها الرسل، إلا ميادين أربعة لا خامس لها. الميدان الأول: الغيب وهو إعلام بأصل الإنسان، والسر في خلقه، ولماذا وجد في هذه الأرض، ومن هو خالقه، وما جزاء الإنسان إذا استجاب لأمر ربه، وما جزاؤه عند العصيان، وما نهاية هذه الدنيا، والتعريف ببعض العوالم الغيبية، التي خلقها الله ولا يراها الإنسان، كالملائكة والجن. وتصديق الرسل في كل هذه العلوم واجب، وإنكار شيء واحد مما أخبروا به في ذلك كفر وضلال. الميدان الثاني: التشريع، والمقصود بالتشريع هو سن القوانين التي تكفل العدل والرحمة والإحسان، بين بني البشر في هذه الأرض، لتكون حياتهم عليها منضبطة سعيدة. ثالثًا: الأخلاق، وهي مجموعة الآداب والسلوك التي تجعل الإنسان يرتقي في سلم الكمال البشري، الذي هيأه الله له. وعلى مقدار بلوغه في هذا السلم، تكون درجته ومنزلته. رابعًا: العبادة «التقرب»، وهي مجموعة الفرائض والنوافل، التي يترجم بها المسلم إيمانه وتصديقه بالله -عز وجل- إلى واقع عملي، والتي تساعد المسلم على تنفيذ الشرائع ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ﴾، وتساعده على كمال الخلق وبلوغ التقوى. هذه ميادين علوم الرسل، وليس لهم ميدان آخر يتكلمون فيه، بل ولا يخرج كلامهم عن واحد من الميادين السابقة. ومفهوم هذا أن علوم الصنائع الدنيوية، كالطب والهندسة، والرياضيات والزراعة والتجارة، وكل ما يتصل بمشاكل المادة وتنميتها، واستغلالها والاستفادة منها، لا دخل للرسل قط بحل مستعصياتها، وفك مشاكلها، بل هذا متروك للإنسان، حسب مقدرته واستطاعته، التي هيأها الله له في كل عصر ومصر. فمشكلات الطب، ونظريات الهندسة والرياضيات، وقوانين الزراعة ونظريات الفلك، ومشاكل الأحياء وعلومها، لا دخل للرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- بها، بل علومهم في هذه الأشياء، هي علوم عصورهم التي عاشوا فيها، وهذا لا يعيبهم بالطبع ولا ينقص من شأنهم، وخير دليل على هذا الحديث المشهور، الذي رواه مسلم عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقوم على رؤوس النخل، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقالوا: يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فيتلقح، فقال صلى الله عليه وسلم: ما أظن يغني ذلك شيئًا!! قال فأخبروا بذلك فتركوه، فأخبر بذلك، فقال صلى الله عليه وسلم «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنًا! فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله عز وجل». وفي رواية ثانية عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون النخل فقال: لو لم تفعلوا لصلح، فخرج شيصًا فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟! قالوا: قلت كذا وكذا! قال: أنتم أعلم بأمور دنياكم. انتهى. ولذلك قال ابن خلدون رحمه الله: إنه صلى الله عليه وسلم، يقول في أمور المعايش من طب وزراعة، بما يقول به الناس حوله، ناتجًا عن تجارب وعادة، وهذا بالطبع فيما لا وحي فيه! وقال الإمام النووي: قال العلماء رأيه -صلى الله عليه وسلم- في أمور المعايش كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا. وكما قلت سالفًا، لا يعيب هذا رسول الله -تبارك وتعالى- فإن الله قد حملهم أمانة البلاغ لتلك العلوم، التي مضى تفصيلها آنفًا، ولم يرسلهم مهندسين ولا أطباء، ولا أهل فلك ورياضيات، وعلماء طبيعة وحركة، بل هذا متروك للبشر حسب الطاقات والإمكانات التي هيأها الله -عز وجل- لهم. ولا ينافي هذا، أن الله قد أوحى لهم ببعض حقائق هذه العلوم، مستدلًا بذلك على قدرته وعظمته -سبحانه وتعالى- كبعض الحقائق في الطب والتشريح، والفلك والنبات، وليس المقصود من هذه الحقائق تعليمها لفوائدها الدنيوية، وإنما المقصود الاستدلال بها على القضايا، التي من أجلها أرسل الله -تبارك وتعالى- رسله، وهي قضايا ومهام ورسالات أكبر من الدنيا وما فيها من صنائع وعلوم!! ولا ينافي هذا أيضًا أن الله -تبارك وتعالى- قد أنزل في تشريعه قوانين لضبط المعاملات، في شأن هذه العلوم الدنيوية الأرضية، فهناك قوانين لمعاملات الزراعة والتجارة، والصناعة والطب، وغير ذلك، وكلها قوانين تتعلق بحقوق الأفراد لا بخصوص الصناعة. فقوانين الزراعة، والتجارة والعمل والعمال، والتطبيب والضمان، تتعلق بالحقوق والواجبات على أهل هذه الصنائع، وليست قوانين وعلومًا لتعليم هذه الصنائع، وهذا فارق مهم يخلط فيه كثير من الناس، ولهذا الخلط سيئات عظيمة، يأتي تفصليًا إن شاء الله تعالى. والمهم من هذا البيان السابق، أن نعلم الحدود الفاصلة، بين ما يسمى بعلوم الرسل أو علوم الآخرة إذا صح هذا التعريف، وهو تعريف ناقص، أو علوم الدين، وبين علوم الدنيا أو علوم المادة، وكل من لم يعرف هذه الحدود الفاصلة بين العلمين، يخلط خلطًا عجيبًا، ويقع ويوقع غيره في إشكالات طويلة، وخاصة إذا كان من أهل العلم الديني، وسنرى آثار هذا الخلط ومشاكله إن شاء الله، ولكن قبل بيان ذلك، لا بد من بيان منزلة هذين العلمين، حسب الموازين الحقيقية للأشياء. فأما علم الدين الذي جاءت به الرسل، فهو العلم الحقيقي، وعليه تتوقف سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، فيه يعرف الإنسان ربه وخالقه، ولماذا خلقه وما ثمرة عمله في هذه الحياة، وما نهاية سعيه ونهاية سعى العالمين، ويعرف مبدأ الخلق ونهاية الأمور، ويعرف الطريق السليم لتحقيق العدل في الأرض بين البشر جميعًا، ويعرف السلوك والآداب المتتالية ليكون إنسانًا كاملًا. ولذلك كانت علوم الرسل هي العلوم الحقيقية والعلوم الأخرى الدنيوية، علوم ظاهرية خداعية. وأما علوم الدنيا، فهي تحقق منافع في شتى نواحي الحياة كما هو مشاهد، فالطب والهندسة والميكانيكا، والرياضيات والفلك، وغيرها من علوم المادة، قد صنعت لنا عالمًا عجيبًا، نركب فيه الهواء ونغوص فيه تحت الماء، ونسخر فيه المواد تسخيرًا، ما عرفه الأقدمون وكل هذه منافع عظيمة، ما كان للإنسان أن يعرفها ويستفيد منها، لولا هذه العلوم المتراكمة النامية، في شتى فروع الحياة والمادة. ولكن هذه العلوم وحدها دون علوم الدين، قد صنعت أيضًا إنسانًا تافهًا ضائعًا، قلقًا تعيسًا، ناقمًا على نفسه وعلى الناس، حائرًا في الغاية التي خلق من أجلها، والهدف الذي يعيش له، وما وراء هذا الكون، ولماذا الموت، ولم يتحارب الناس، إلى غير ذلك من الأجوبة التي تملأ حياته، ولا يجد لها حلًا فيظل ضائعًا ضجرًا، أو يرضى بحيوانيته، فيكتفي بإشباع فرجه وبطنه، وإمتاع حسه بما شاء من سماع ولهو، فالعلوم المادية وحدها صنعت لنا الإنسان الحيوان المترف، أو الإنسان الضائع المعذب التائه، ولا واسطة، فإذا كانت العلوم تتفاضل بغاياتها وأهدافها، وما تحققه من سعادة ومنفعة وخير، فلا شك أن علوم الدين هي في المقدمة، بل هي العلوم الحقيقية، التي تحقق الخير والسعادة في الدنيا والآخرة، وإن علوم الدنيا تأتي في الدرجة الثانية منزلة، وذلك بالنظر إلى منافعها وغاياتها وأهدافها. ومما يؤسف له حقًا، أن بعض علماء الدين يستخدمون آيات القرآن، التي جاء فيها لفظة العلم استخدامًا سيئًا، فيريدون مثلًا الاستدلال على حث الإسلام على علوم المادة والدنيا، فيأتون بقوله تعالى: ﴿يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ﴾ والمقصود هنا علم الدين لا علم الدنيا، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ﴾ والمقصود به هنا العلماء من أهل الإيمان، الذين يعرفون آيات الله في الكون، والناس الذين يلتزمون بما أمر الله به ورسوله. ونحو قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ والمقصود هنا أيضًا أهل العلوم الآخرة. وقد جاء لفظ العلم في القرآن مقصورًا به علم الدنيا، وذلك في آيات كثيرة، كقوله تعالى حكاية عن قارون الذي وعظ في ماله، أن يسير فيه على النحو الذي يحبه الله ويرضاه: ﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ﴾ والمقصود بالعلم هنا هو علم دنيوي خاص مثل الكيمياء، جمع به أموالًا كثيرة، وكقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۢ﴾، وكقوله تعالى حكاية لأقوال المكذبين لرسلهم، المغترين بما عندهم من علوم المادة والدنيا والأرض: ﴿فَلَمَّا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ﴾، وهذه العلوم الدنيوية هي التي غرتهم، وصدتهم عن الإيمان بالله تبارك وتعالى، والشاهد أن بعض من ينسب إلى العلم في زماننا من الشيوخ، ويستخدم آيات القرآن والسنة في شأن العلم، في غير مواضيعها فيضل ويضل، والواجب أن يوضع كل أمر في مكانه، وأن يأخذ كل شأن حكمه الصحيح. غرور العلوم المادية وآثارها السلبية ينشئ العلم المادي في قلوب أصحابه غرورًا عجيبًا، يمنعهم غالبًا عن قبول الحق، وتلك طبيعة إنسانية كما قال تعالى: ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَيَطۡغَىٰٓ أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ﴾ (سورة العلق: 6 - 7). والعلم المادي الدنيوي ينشئ هذا الظن بالاستغناء عن الله، بل والتطاول على عظمته لاستخفاف بقدرته -سبحانه وتعالى- وينشئ أيضًا الاستخفاف بالرسل، وهذا الغرور والصلف والكبر، يمنع أهل هذه العلوم من قبول علوم الرسل وأخبارهم، بل يمنعهم أصلًا من التفكير فيها وأخذها بعين الاعتبار، وبحث أدلتها وبراهينها، وبذلك يحجبون عن الإيمان ولا يفقهون الإسلام، ويكون رد هؤلاء لعلوم الرسل فتنة للناس العامة، الذين يعظمونهم ويقلدونهم. كما يقول سفهاء المسلمين في الوقت الحاضر: وصل الناس إلى القمر وما زلت تصلي!! اتركوا هذه الخرافات «يعنون الدين»! هذه أوروبا وصلت القمر بغير الدين، فهؤلاء قد غابت عنهم أولًا غايات الدين وأهدافه، ثم ظنوا ثانيًا أن السبق في علوم الدنيا، معناه السبق والفهم والعلم بكل شيء، فما دام أن الذين اخترعوا الطائرة والصاروخ، لم يصدقوا الدين فيقول هؤلاء السفهاء عن أنفسهم، فنحن أولى بالتكذيب منهم، لأنهم أحسن عقولًا منا وأفهم منا، وقد طلقوا الدين، فالواجب أن نقلدهم في هذا. ولا يقف الغرور بأهل العلم الدنيوي عند هذا الحد، بل يتعداه إلى أن يفتوا لأنفسهم في كل شيء، فيتكلمون عن الغيب والرسالات، والتشريع والروح بالظن والتخمين، ظنًا منهم أن علومهم المادية تؤهلهم لكل شيء، وتفتح لهم أبواب كل مغلوق، وهذا باطل ومخالف لقواعد العلم أصلًا، فإنکار معظم أرباب العلوم المادية لله، حتى لوجوده، مبني على قواعد خاطئة في البحث والفهم، فمعلوم أن النفي يحتاج إلى دليل، كما أن الإثبات يحتاج إلى دليل، فمن قال مثلًا: «ليس في الكويت يهود» لا يقبل كلامه، إلا إذا كان قد أحصى أهل الكويت عددًا، وعرف عقائدهم واحدًا واحدًا، وإلا كان كلامه غير صحيح، بل يحتاج إلى الدليل والبرهان، وكذلك الإثبات يحتاج إلى دليل، فمن قال كل من في الكويت مسلمون، يحتاج أن يكون قد علم إسلام كل فرد منهم بعد البحث والاستقراء. فالذين نفوا وجود الله لم يعلموا من الكون إلا جزءًا محدودًا منه، فكيف تطلق قضية عامة فيقال مثلًا: «الله غير موجود!» وقد علمنا أن أرضنا بالنسبة إلى الكون المشاهد المحسوس كقطرة في بحر، أو حبة رمل في صحراء. ومن الأمثلة على هذا الجهل والغرور العلمي، ما قاله أول رائد فضاء دار حول الأرض وهو «جاجارين» الروسي قال: درت حول الأرض ولم أجد الله!! فكونه لم ير الله حق، ولكن نفي وجود الله لعدم رؤية ذاته -سبحانه وتعالى- في هذه البقعة التي عرفناها من الكون جهل فاضح. والمهم أن العلم المادي أعطى أهله غرورًا عظيمًا، فانطلقوا يشرعون لأنفسهم في الأخلاق والعدل، وقد مر بك في المقالات السابقة أنهم لم يصلوا في هذا إلا للظلم والتفسخ والضياع. وكذلك انطلق هؤلاء يفتون في أمور الغيب فكذبوا الرسل، وأنكروا الصانع، وظنوا أن نشأة الإنسان حيوانية، وأن العالم إلى ضلال وضياع، وزعموا علوم النفس ومعرفة الروح، وحاولوا خلق الحياة إلى آخر الضلال والأوهام التي خلقها الغرور العلمي المادي. ولو عرف أصحاب هذا العلم حدهم لوقفوا عنده، فأراحوا أنفسهم وفتحوا للناس باب السعادة والعدل بمعرفتهم بخالقهم وربهم -سبحانه وتعالى- ولكن أصابهم الغرور والكبر فتدخلوا في كل شيء، وأفتوا في كل أمر فضلوا وأضلوا. ولذلك فكل ما ينسب إلى العلوم المادية من علوم الغيب والأخلاق والعدل «التشريع»، وعلوم النفس والروح، ما هي إلا ظنون وتخرصات وحق قليل مأخوذ من علوم الرسل، وذلك أن الإنسان لا يستقل بنفسه بتاتًا بمعرفة هذه العلوم التي جاءت بها الرسل، وقد مضى تفصيل هذه القضية وضرب الأمثلة عليها. مواقف خاطئة لبعض علماء الإسلام من العلم المادي السلبيات التي وقع بها بعض علماء المادة والدنيا، والتي حملتهم على التدخل بجهل في شئون العلوم الدينية، قد وقع مثلها من بعض علماء الدين، فقد ظن بعض علماء الدين أن بعلومهم التي ورثهم الله إياها، يستطيعون أن يفتوا في كل أمر، وأن يعلموا كل شيء، فحملوا آيات القرآن وأحاديث السنة على علوم الدنيا في وقتهم، ثم كفروا من يخالفهم فهمهم وحكمهم، لأنهم ظنوا أنهم حكموا بحكم الله، ثم تطورت علوم الناس الدنيوية، وأصبح ثابتًا ما كان مشكوكًا فيه من نظريات وأفكار، ومنفيًا أيضًا بعض ما كان من الأمور الثابتة المقررة في ظن الناس. وهنا قامت معركة التكفير والرمي بالزندقة والإلحاد، لمن اعتقد في شيء من العلوم والنظريات المستحدثة، ومن كذب شيئًا من العلوم والنظريات القديمة، التي جاء الدليل والبرهان خلافها، وما زال الناس يسمعون في اليوم من يفتي بكفر من قال إن المطر أصله من البحار، وأنه تشكل في سماء سحبًا، بعد أن صعد إليها بخارًا، وأن الريح تصرفه في الكون، ذلك من علماء نسبوا إلى المشيخة الإسلام، وظنوا من قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا﴾ (الفرقان: 48) أن المقصود هو سماء الدنيا المعرفة في الأحاديث بصفات معينة. ونسمع أيضًا من يقول بكفر من قال بدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، لأنهم فهموا من قوله تعالى: ﴿وَٱلۡجِبَالَ أَرۡسَىٰهَا﴾ (النازعات: 32) أن هذا يناقض الحركة، والحال أنهم يشاهدون كوب الماء في الطائرة مستقرًا على المنضدة، ولا يتحول من جانب إلى جانب، والطائرة يتغير اتجاهها مرات كثيرة وهي تمر عبر السحاب، وأسرع من السحاب، وما زال الناس يسمعون أيضًا من يقول بكفر من قال بكروية الأرض، لأنهم فهموا -خطأ بالطبع- من قول الله تبارك وتعالى: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا﴾ (البقرة: 22) أن هذا يقتضي أنها ليست كروية لأن الفراش والتمهيد والمد ينافي التكوير. إلى غير هذا من أمور كثيرة تضحكك أحيانًا وتبكيك حينًا آخر، تضحكك لهذه النظرات السطحية لآيات الكتاب الكريم، وتبكيك لهذا الصد الأبله الساذج عن دين الله عز وجل، فكم من شاب من شباب المسلمين سمع بهذه الفتاوى الباطلة، وقام عنده الدليل العلمي، حسب ما اطلع عليه ورآه بنفسه، فظن أن هذه الفتاوى هي علم الدين وحكمه، فاحتار بين إيمان بالدين الذي رآه جهلًا، وتصديق لعلوم الدنيا الذي رأى دليله قائمًا لديه، فلم يستطع أن يلغي عقله وإحساسه، فكفر بالإسلام جملةً وتفصيلًا. ومن المواقف الشخصية التي آسفتني حقًا، ذلك الموقف الذي وقفه أستاذي وشيخي الكريم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله ورضي عنه- فمع أنني لم أشاهد في حياتي مثله، علمًا بكتاب الله ومعرفة بالعربية وآدابها، وهو أحد رجال ثلاثة شكلوا حياتي وعقلي، إلا أنه أحيانًا صدر منه ما كان مخالفًا للقواعد العلمية، التي أمرنا شرعًا ودينًا باتباعها والانقياد لها، فقد جاء في التفسير عنه قول الله تعالى عن السماء: ﴿وَجَعَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ سَقۡفٗا مَّحۡفُوظٗاۖ ﴾ (سورة الأنبياء: 32). ففسر هذا الحفظ بأنه حفظ من كل شيطان، والشيطان في لغة العرب هو المتمرد من الإنس والجن والحيوان، فعلى هذا، فالسماء محفوظة من كل متمرد من هذه الأصناف الثلاثة، وهذا كله حق وهو معنى الآية، ولكنه استطرد قائلًا بأن القمر في السماء كما جاء أن بعض السلف أنه في السماء الرابعة!! ومعنى هذا أن الكفار الذين يزعمون الوصول إلى القمر لن يصلوا!! كان ذلك في عام ١٩٦٢، والمحاولات جارية لإرسال إنسان إلى القمر، ثم قال بعد ذلك: «والأيام بيننا» متحديًا واثقا!! والموقف الخاطئ في هذا، أنه اعتقد أن السلف إذا قالوا قولًا في العلوم الدنيوية، فلا بد أن يكون حقًا!! مع العلم أنه ليس هناك حديث صحيح ولا آية تذكر أن القمر في السماء الرابعة. وإن كان قد جاء قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَوۡاْ كَيۡفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗا وَجَعَلَ ٱلۡقَمَرَ فِيهِنَّ نُورٗا وَجَعَلَ ٱلشَّمۡسَ سِرَاجٗا﴾ (نوح: 15 - 16) ولا يعني هذا بالضرورة أن يكون القمر بين أطياف السماوات السبع، ومجيء الأيام بخطأ هذا الرأي المفهوم من ظاهر النصوص القرآنية، يضع الناس في الحيرة والارتباك، ثم الشك والجحود، ولذلك فهجوم بعض علماء الإسلام على العلم المادي، دون التسلح بآلته والتدرج في مدارجه، وفهم براهينه وتجاربه، خطأ وجناية عظيمة في الإسلام، وقد مارس النصارى في أوروبا هذا التحجر الخاطئ، فكانت النهاية أن ركل الناس النصرانية وقفلوا عليها الأبواب إلى الأبد. ومشكلة المسلمين تتفاقم بوقوف بعض علمائهم، مثل هذا الموقف الذي وقفه علماء النصارى، فقد قتل من قال بكروية الأرض، ومن اعتقد الماء عند خط الاستواء لا يبلغ درجة الغليان، كما كان شائعًا ذلك الوقت، وجعل رهبان النصارى هذا دينًا، ومن خالفهم قتلوه!! وغير خاف أيضًا، أن بعض علماء الإسلام بهروا بالعلم الدنيوي المادي، لما رأوا من آثاره في الحياة، فراحوا يرحبون بكل ما فيه، حتى العجر والبجر والخزعبلات، فحملوا الإسلام على كل ما وصلهم من علوم الغرب ونظرياته، ولووا أعناق آيات الله وأحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لتوافق ظنونهم وتخرصاتهم. ولقد وقع في هذا كثير من العلماء الأفاضل كالشيخ محمد عبده، والشيخ رشيد رضا، وكثير ممن دونهم علمًا وفقهًا وعملًا، فرحمهم الله وعفا عنهم. ولا شك أن هذه المواقف المتطرفة نفي لعلوم المادة، وتكفير للمصدقين بها، أو إثبات لها وتأويل للقرآن، ليوافقها مواقف خاطئة، ويشبهها مواقف علماء المادة، وقناعتهم بما عندهم من العلم، ورفضهم علم الرسل، وكلا الموقفين خاطئ، إلا أن موقف علماء الدنيا من رد الحق كفر وضلال، وموقف علماء الدين من رد الحق الدنيوي، صد عن سبيل الله بطريق غير مباشر، ولا شك أنهم يحاسبون أمام الله -عز وجل- عن كل حق ردوه، قبل أن يعرفوا دليله ومستنده وبرهانه. والخلاصة فالعلم كلمة كبيرة، ولكنها كلمة مظلومة توضع في غير مواضعها، وتمنع عن مضمونها، فهل يستطيع الناس أن يفقهوا هذه الكلمة الكبيرة، فيعلموا أن العلم هو الثابت المستقر وهو الحق، فيبحثوا عن الدليل دائمًا، وعن البرهان أبدًا، سواء في علوم الآخرة أو علوم الدنيا، وهل أدل على حرص الإسلام من وجوب اتباع البرهان والدليل، من قوله تعالى لمن ادعى دعوى من أمور الغيب: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾؟ (البقرة: 111). ومن قوله تعالى فيمن نفى علم الرسل: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ (يونس: 39). وأليس هذا النص ينطبق بعمومه على كل من كذب شيئًا من الحق، ولو كان من علوم الدنيا؟!
الرابط المختصر :