; نحو بناء جديد للأمة.. القيم الحضارية للمجتمع الإسلامي (العدد 202) | مجلة المجتمع

العنوان نحو بناء جديد للأمة.. القيم الحضارية للمجتمع الإسلامي (العدد 202)

الكاتب الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق

تاريخ النشر الثلاثاء 28-مايو-1974

مشاهدات 61

نشر في العدد 202

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 28-مايو-1974

نحو بناء جديد للأمة.. القيم الحضارية للمجتمع الإسلامي بقلم الأستاذ عبد الرحمن عبد الخالق * إعمار الأرض.. مع خلوص النية لله... سعي في سبيل الله * دین الله واحد.. ويهتم «بكل» الإنسان... لا بجزء منه * هذه الانحرافات ليست حضارة.. ولا تنفع الإنسان لا في دنياه.. ولا أخراه الدين الإسلامي الذي بعث به محمد صلى الله عليه وسلم وكل دين سماوي قبله كان دين إعمار للأرض. فالرسول مكمل لرسالات الرسل قبله أن العقيدة واحدة، وإن اختلفت الشرائع. وحتى الشرائع فأصولها للعدل والأخلاق واحدة والخلاف في الفرعيات فقط. ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «نحن الأنبياء أولاد علات ديننا واحد». وآدم أبو الأنبياء بل أبو البشر جميعاً خلق ليكون خليفة في الأرض، وليكون نسله خلائف يخلف بعضهم بعضًا، وليمكث كل منهم مدة مقررة وأجلاً مسمى يعود بعدها إلى الوطن الأصلي للإنسان، الجنة أو إلى الهاوية إذا عدم الخير والصلاح. والجنة وطن حقيقي لأنها دار الاستقرار والخلود ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ﴾. (طه: ١١٨-١١٩) وأما الدنيا فإنها وطن مرحلي لا يعمر الإنسان فيها إلا مرحلة يسيرة من عمره هي أقصر مراحل الحياة وأقلها فالبرزخ أطول من الدنيا، ويوم القيامة طوله خمسون ألف سنة ولا يعمر إنسان قط في الدنيا هذه الفترة، وحياة الآخرة؛ جنة أو ناراً، لا تفنى ولا تبيد بل هي حياة سرمدية أبدية. فمنزلة الدنيا في عقيدة المسلم أنها دار مرور لا استقرار ودار عبور لا إقامة ولذلك فهى متاع وبلاغ إلى حين. وعلى الأساس السابق كان الإعمار في الإسلام مبنياً على أن الجنس البشري قد حكمت فيه إرادة الله أن يخلف جيل منهم سابقه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وكان لا بد لهذه الخلافة من إعمار ليسلم كل جيل منهم الأرض معمورة خيراً مما كانت. والإعمار كلمة عامة فهي تتعدى البناء بل هو كل إنشاء لشيء نافع على ظهر الأرض فالغرس والزرع إعمار والنسل سواء كان من إنسان أو حيوان إعمار وبناء المركبات وصناعة الآلات إعمار وحتى صناعة عدد الحرب إعمار، لأن بهذه الآلات والعدة يحافظ المسلمون على حضارتهم. وحضارة الإسلام كما سبق تعريفها هي عقيدة وشريعة وأخلاق وعلم ودعوة وإنسان يحمل هذا كله ويعيش له. ولذلك شرع بل أوجب علينا أن نحارب في سبيل هذا كله، وجعلت الحرب في سبيل هذا كله حرباً في سبيل الله كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾. (النساء: ٧٥). وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. (الأنفال: ٣٩). ولن يكون الدين كله لله إلا إذا أقيمت حضارة الأرض على أساس الإسلام؛ عقيدة وشريعة وأخلاقاً وإعماراً ودعوة. وبهذه المقدمة نعلم علماً مجملاً عن منزلة الإعمار في الحضارة الإسلامية هذا تفصيله والأدلة عليه: الإعمار في الحضارة الإسلامية دين الله واحد قد جرى على السنة كثير من الناس وأقلامهم مقارنة اليهودية بالنصرانية والإسلام، وزعمهم أن اليهودية دين دنيا، والنصرانية دين روح وآخرة وزهد، والإسلام دین وازن من حاجات الدنيا وآمال الآخرة، وهذه المقارنة باطلة في أساسها لأن هذه الأديان ذات أصول واحدة في المعتقد والشرائع، ولم يأت دين بأن تعمر الأرض على حساب خراب الدنيا، ولا أن يعتنى بالجسد على حساب خراب الروح، ولم تكن النصرانية دعوة للروح وخراباً للجسم، بل ليست هذه الأديان إلا دينًا واحدًا ولكن بعد التحريف والتغيير حصلت الفروق وبرزت المقارنات الباطلة، ولو صح الحكم على أساس التحريف والتغيير لحكم من قرأ التصوف وآمن به أن الإسلام دین خراب للأرض وإهلاك للحرث والنسل. ومن قرأ الفروع الفقهية الشكلية فقط دون أن يرجع إلى الكتاب والسنة لحكم أن الدين طقوس عملية ظاهرية لا روح فيها ولا عاطفة.. وقد قررنا في بدء هذا البحث عن الحضارة الإسلامية أننا يجب أن نفصل دائمًا بين الواقع العملي المحرف، والحقيقة الشرعية المكتوبة الناصعة الصافية. • فالدين كله من لدن آدم إلى محمد- صلى الله عليه وسلم- قد أسس على أن تكون الدنيا مزرعة للآخرة، وأن يكون التمتع بالطيبات وسيلة لشكر الله تبارك وتعالى. فقارون الذي كان من قوم موسى، والذي أعجزت مفاتيح كنوزه العصبة من الرجال قال له قومه ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. (القصص: ٧٧). والقائلون يتبعون شريعة موسى- عليه الصلاة والسلام- وقد أمره أن يسخر المال لينال به رضوان الله في الآخرة، وأن لا ينسى حظ نفسه منه في الدنيا. • وعيسى- عليه السلام- جاء ليعلن لقومه من بنى اسرائيل: ﴿وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ۚ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. (آل عمران: ٥٠). فقد جاء ليبيح بعضاً من الطيبات كان الله قد حرمها على بني إسرائيل، فكيف يقول القائل إن شريعة عيسى كانت شريعة روحية فقط وقد جعل من أهم مقاصدها الإباحة لبعض الطيبات المحرمة في شريعة موسى. • ومحمد صلى الله عليه وسلم قد جاء ليعلن وليقرأ على الناس: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.(الأعراف: ٣٢). والخلاصة أن دين الله كله دين ينزل العمارة في الأرض منزلة واحدة، ولا ينظر إليها بنظرات مختلفة فيغلب الدنيا تارة ويغلب الآخرة أخرى، ويوازن بينهما ثالثة، تعالى الله عن ذلك علواً كثيراً، وقد فصلت هذا الأمر لأن بعض الذين تصدوا للكتابة في الحضارة الإسلامية فاضلوا بينها وبين النصرانية واليهودية على أساس أن الإسلام راعى حاجات الروح والبدن جميعاً وتلك الحضارات والأديان غلبت أحدهما على الآخر. ولو قالوا انحرف اليهود عن دينهم فغلّبوا الدنيا، وانحرف النصارى عن دينهم فابتدعوا الرهبانية لكان كلامهم صحيحاً مستقيماً، ولكنهم نسبوا ذلك إلى الدين نفسه وهذا خطأ فاحش كبير. أدلة الإعمار من الكتاب والسنة إذا قرأت القرآن قابلت هذه الآيات المذكرة الحانية ترشدك إلى عناية الله بالإنسان كالتي تقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. (الإسراء: ٧٠). وكالتي تقول: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. ( النحل: ١٤). وكالتي تقول ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. (إبراهيم: ٣٢-٣٤). • ولا تكاد تقلب أوراق المصحف إلا ويطالعك مثل هذه الآيات كثيراً وكلها يرشدك إلى أنك قد أوجدت في عالم من صنع الله، وقد سخر للإنسان فيه شمسه وقمره وبحاره، وأنهاره وحيوانه، بل وسماؤه وأرضه. وكل كنوزه، تسخيراً لم يبق معه إلا السعي والعمل البشري المتواضع لاقتطاف ثمار هذا التسخير والتذليل. • وهذه الآيات وغيرها كثير في القرآن تنشئ في قلب المسلم عقيدة فاضلة قوامها أننا قد أوجدنا في دنيا من صنع الله مسخرة مذللة. وأن سعينا فيها بالجهد البشري واجب ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. (سورة الملك: ١٥). • وهذه العقيدة في عمارة الأرض تخالف العقيدة المادية في الإعمار فالكافر يعتقد أنه قد أوجد في هذه الأرض، ولا يعنيه كيف أوجد، وأن عليه أن يقهر قوانينها، وأن يذلل عاصيتها وأن يستغل خيراتها، وأن يصارع قواها ليعيش!! ولذلك فهو يتجبر فيها كما يشاء، ويبنى فيها كما يريد ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾. (القصص: ٧٨). فإذا بطش به زلزال أو أزاله إعصار، أو جرفه طوفان فإما أن يلجأ إلى آلهة وهمية من صنع خياله، أو يعود إلى الإله الحق أو يتمادى في الظلم والطغيان، فإذا هدأت العاصفة وانقضى الزلزال، وجف الطوفان عاد الكافر إلى ما كان وزعم لنفسه القدرة على الأرض والتحكم في السماء. وعاد ليعمر الأرض كما شاء إعماراً في ظنه وإفساداً في حكم الله سبحانه وتعالى. • والمهم هنا أن نعلم أن العقيدة الأولى في الإعمار أنه بذل للجهد البشري الواجب الذي هو بمثابة السبب للحصول على النتائج التي قدرها الله سبحانه وتعالى، ففاعل الإعمار الحقيقي هو الله سبحان وتعالى: ﴿أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾. (الواقعة: ٦٤). فالزرع إعمار ولكنه من صنع الله وبسبب عادى من الإنسان هو الحرث فقط. والنسل إعمار وهو بسبب ثانوي من الإنسان وهو الإمناء فقط. وأما البناء فآلته وأدواته من خلق الله والهداية إليه من فضل الله وحده سبحانه وتعالى، ولذلك قال إبراهيم لقومه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. (الصافات: ٩٦). وقال جل وعلا: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾. (الرحمن: ٢٤). فجعل السفن العظيمة في اليم ملكاً له لأنه منشئ شجرتها، وخالق معدنها وواضع «قانون الطفو» لها وهادي الإنسان إلى إنشائها، وعلى هذا قس جميع ما يخلق الإنسان في هذه الأرض، وهذه العقيدة ستورث المسلم شعوراً بالحب نحو الله سبحانه وتعالى الخلاق العليم، وشعوراً بالتواضع في هذه الدنيا وعدم التكبر فيها وشعوراً بالتوافق مع هذه الأرض وقوانينها المادية التي خلقها الله سبحانه وتعالى، وهذه المشاعر جميعاً أطيب مشاعر يعيش بها الإنسان المسلم الحضاري، ويقابلها عند الكافر شعور التسلط على الأرض والقهر لها والقدرة عليها والكراهية لما يعتوره عليها من غضب للرب في صورة زلزال مدمر أو عاصفة هائجة، يراها الكافر تدميراً لحضارته التي بناها بنفسه، ويراها المسلم تدميراً لبعض الفساد الذي عم وتصحيحاً لمسار الناس على الأرض وتذكيراً بقدرة الله سبحانه وتعالى، وتعويضاً لبعض المؤمنين بالذي هو خير عن الذي هو أدنى. وهذا الشعور لازم لسعادة المؤمن على الأرض ولتكون حضارته فيها حضارة طيبة كريمة، وهو تعاسة للكافر وإرغام لأنفه في الدنيا قبل الآخرة كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾.(طه : ١٢٤). الإنسان أكبر قيمة إعمارية وبعد أن يرشد الله سبحانه وتعالى المسلم إلى نعمته عليه في هذه الدنيا. يأمره بالسعي في إعمارها وفق قانون الله وتشريعه وناموسه. • فإذا كان وجود الإنسان هو أعلى منزلة للإعمار لأن الإنسان هو أغلى موجود على الأرض وجب أن يكون إنشاؤه وبناؤه على أكمل الوجوه وبأطيب الوسائل. ولذلك اشترط الله لوجوده النكاح الصحيح الشرعي النظيف. ليعرف الإنسان أباه وأمه وينعم بحبهما وعطفهما، والحب والعطف الأبوي هو أثمن ما نملك في هذه الحياة، وليكون له أسرة معروفة وأرحام معلومون، والحب الأسري وتعاطف الأرحام هو من أطيب وأغلى ما يجب أن نعتز به في الأرض. • ويبني أهل الحضارات المادية إنسانهم بطرق العبث واللهو الفساد والسفاح، فتنشأ الأجيال الضالة المحرومة من عطف الآباء والأمهات، والتي لم تذق الحب الأسري ولا تعاطف الأرحام، فينشأ الإنسان التائه الحاقد المريض معقد النفس فاقد الحنان. وهذا أعظم إفساد في الأرض، فكيف إذا علمنا أن بضعة ملايين في روسيا وأمريكا الآن يربون في بيوتات الحكومة قد أوجدوا على هذا النحو. بل أي ثقة بأنكحة الكفار الباطلة التي تقوم على حرية الزوجة والزوج في العلاقات الجنسية، وأي إنسان هذا الذي ينشأ في مثل هذه الأسر المريضة المنحرفة!! وهذه أكبر لعنات الحضارات المادية، الإنسان المسخ اللقيط المخلوط فاقد الحنان والحب. وأكثر مناهج الحضارة الإسلامية وإنجازاتها الإنسان السوي الذي ينعم بالحب والعطف بين أبوين وفيين وأسرة متحابة. • وإذا كان بناء الرجال والنساء هو أكبر إنجاز حضاري؛ فإن الإسلام يسخر المادة كلها لإنشاء هذا الإنسان وتعليمه وإسعاده، والحضارات المادية تغلب دائما المادة على الإنسان فالإنسان هناك في خدمة المادة والمادة في الإسلام في خدمة الإنسان. • ويأتي بعد الإنسان قيم الإعمار الأخرى الزراعة والصناعة وعدة الحرب، والبناء. فنجد سيلاً من النصوص؛ آيات وأحاديث تأمرنا بإعمار الأرض والعناية بهذه القيم التي هي وسائل لحياة الناس في هذه الأرض. • من ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾. (الأنفال: ٦٠). وقوله تعالى لداود: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ ۖ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. (سبأ: ١١). والسابغات هي الدروع وقوله له: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾. (سبأ: ١٠). وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من بنى مسجدًا لله بنى الله له بيتاً في الجنة»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة» وإخباره- صلى الله عليه وسلم: «إن المسلم يؤجر صانعه ونابله ورائشه».. بل ويأمر الرسول- صلى الله عليه وسلم- أن لا يكون الإيمان بالآخرة مانعًا من عمارة الأرض فيقول: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإذا استطاع أن يغرسها فليغرسها» والفسيلة هي «خلف النخلة». ضوابط الإعمار في الحضارة الإسلامية الإعمار ككل القيم الأساسية في الحضارة الإسلامية له قواعد مقررة وضوابط تحكم مساره حتى لا ينحرف عن غاية هذه الحضارة وأهدافها، وغاية الحضارة الإسلامية هي القيام بالعبودية لله تبارك وتعالى في هذه الأرض وتحقيق المجتمع الفاضل المتحاب المتعاون الذي يكون كل فرد فيه أخًا للآخر. إنه بحق مجتمع السعادة والحب، ولذلك فإن الإعمار سواء كان نسلاً أو زراعة أو صناعة أو آلة حرب أو فنونًا أو بناء، لا بد أن يكون محكوماً مسخراً.. محكومًا في إطار قيم هذه الحضارة: عقيدتها وأخلاقها، مسخرًا في سبيل الغاية النهائية لها. ولذلك فإن الحضارة الإسلامية تحرم في جنباتها وبنائها أي وجود يضاد عقيدتها وأخلاقها. • فنسل السفاح، وبيوت القمار وأماكن الفساد واللهو المحرم والحمامات المختلطة والتطاول في البناء، يقصد التطاول والتفاخر، ولباس الشهرة «كالجري وراء ما يسمى بالموديلات لكل عام ولكل فصل» ولباس الفتنة «وهو الذي يبرز المرأة ليجذب الأنظار اليها» والأسلحة «الميكروبية» التي تفسد الحرث والنسل، والنحت للصور والتماثيل ومضاهاة خلق الله والفنون اللاغية العابثة التي يراد بها مجرد إبراز مقدرة الفنان فقط، وغير ذلك من الأمور المتنافية مع عقائد المسلمين وآدابهم وأخلاقهم، كلها أمور محرمة في حضارتهم، وللأسف فقد أصبحت هذه التوافه معالم للحضارة المادية الخبيثة، فإن أكثر ما يشد الناس اليوم لزيارة قطر ما؛ هو ما يحويه هذا القطر من سفاح ومفاتن وعري ولذات محرمة رخيصة، ولذلك فقد باتت البلدان التي لا تدين بدين الله عز وجل تنافس في عرض مباذل هذه الحضارة المادية الهابطة- رغبة في جلب السائحين والسائحات. • وإنه إذا كان هناك شيء في الحضارة الإسلامية سيجذب الناس إليها فهو هذا النظام الخلقي المتين، وهذه السعادة النفسية العميقة والعدل الكامل الذي يسود المجتمعات التي ستدين بدين الله تبارك وتعالى وتعلي راية الإسلام. ثم هذه العلوم والفنون الهادفة البناءة التي ستكون سائرة في خدمة عقيدة الأمة وروحها. ولا شك أن مجتمعنا على هذا النحو الفاضل هو ما تفقده البشرية في عصرها هذا فمباذل الحضارة المادية وترفها وعهرها قد غطى كل مكان في الأرض تقريبا بل إن بعض دولنا العربية المنتسبة إلى الإسلام أصبحت تنافس أمم الأرض. الكافرة في عرض مفاتنها و لذائذها الرخيصة وتقدم أعراضها وشرفها في ذلة وحقارة لكل وافد خبيث. ومع كل ذلك. فإن الناس ما زالوا يشكون ضياعاً نفسياً، وحيرة، وخواء روحياً وضيقاً لا يكشفه إلا إيمان بالله ورسالاته. ولذلك أصبح واجباً أن يتنادى المسلمون اليوم مخلصين لإحياء حضارتهم وإقامة مجتمعهم الفاضل. • وخلاصة هذا الأمر أن الحضارة الإسلامية حضارة إعمار بكل ما تحويه هذه الكلمة من إنشاء وبناء ووسائل نافعة وهذا الإعمار يسير في خدمة عقيدة الأمة الإسلامية ويتوافق مع أخلاقها وآدابها، وأكبر ما تحرص عليه هذه الحضارة هو إيجاد النسل الصالح وتربيته تربية صالحة، وإنشاء المادة الصالحة النافعة في غير إسراف وتطاول وتفاخر، وتسخير ذلك كله في سبيل العقيدة السامية التي يدين بها المجتمع المسلم، وهي القيام بالعبودية لله تبارك وتعالى خالق هذا الكون وموجد هذه الحياة. وعلى العكس من ذلك تجري الحضارات الأوربية وراء لذة الإنسان ومنفعته في هذه الدنيا ولا تستطيع أن تميز بين النافع والضار، وتختلط المنافع لديها فينشأ الإنسان الضائع وتنشأ الأزمات والحروب، ويدمر الإنسان نفسه وروحه ليكون كما قال تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾. (طه: ١٢٤).
الرابط المختصر :