; عرفت «أبو بدر» مواقف لاتنسى | مجلة المجتمع

العنوان عرفت «أبو بدر» مواقف لاتنسى

الكاتب محمد أحمد العرفج

تاريخ النشر السبت 14-أكتوبر-2006

مشاهدات 113

نشر في العدد 1723

نشر في الصفحة 36

السبت 14-أكتوبر-2006

كان الشيخ عبد الله المطوع -يرحمه الله رحمة واسعة- يتحدث بصراحة تامة عن حياته الخاصة والعامة بلا تحفظ؛ لأن الله أكرمه بسريرة ناصعة، وبفضل من الله عليه كبير يلزمه شكر المنعم -جل وعلا- والحديث عن هذه النعم الكثيرة امتثالًا لقوله -تعالى-: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (سورة الضحى: 11) فبالشكر تدوم النعم، وبضدها تزول.

      وقبل وفاته بحوالي أسبوعين تقريبًا عندما قابله أحد الشباب المسلم في صلاة العصر بالمسجد في أبها طلب منه أن يخصص وقتًا له ولإخوانه الذين يرغبون في زيارته من قرية تبعد عن أبها مسافة (٢٠٠) كلم فرحب به وبإخوانه، ووعدهم في بيته بعد صلاة عصر اليوم التالي مباشرة على الرغم من مشاغله الكثيرة، وقد كان هدف هؤلاء الفتية المؤمنة من الزيارة هو التعرف عليه شخصيًا والاستماع إلى شرح كامل عن حياته ونشأته ودعوته بشريط مسجل ليس إلا، وكان حريصًا على دعوة الشباب إلى هذه الدعوة المباركة والالتزام بها منذ نعومة أظفارهم، ولسان حاله يقول: «من شب على شيء شاب عليه»، ولأن ممن يظلهم الله بظله يوم القيامة شاب نشأ في طاعة الله، كما أخبرنا رسول الله ﷺ فقد كان -رحمه الله- مدرسة يتعلم فيها ومنها الصغار والكبار.

يتحدث عن خصوصياته:

• يقول -رحمه الله-: لقد كان بيني وبين الشيخ جابر الأحمد الصباح أمير الكويت -يرحمه الله- بضع ساعات فقط، حيث خرجت الداية «القابلة» من بيت الشيخ أحمد الجابر -رحمه الله- إلى بيتنا مباشرة، لذا كانت ولادتنا في يوم واحد، وكان لهذا اليوم أثر طيب في نفوس الطرفين.

•ويقول: اشتركت مع أحد التجار السعوديين بشراء صفقة كبيرة من الأقمشة من بيروت، وتم شحنها في سفينة إلى ميناء جدة، وسألني شريكي هل نقوم بتأمين هذه البضاعة ضد الفرق؟ قلت له: من جانبي لا أرى ذلك فوافقني على رأيي، وعندما وصلت السفينة إلى مقابل مدينة جدة، حيث تقف السفن في عرض البحر بعيدًا عن الساحل؛ هبت عاصفة شديدة غمرت السفينة بكميات كبيرة من مياه البحر حتى أوشكت على الغرق، ولكن الله سلم، وتم استلام الأقمشة سليمة من الغرق والبلل، ولله الحمد والفضل لأن صاحب السفينة قد حصل على شحنة أخرى من أكياس الطحين من بيروت إلى جدة فقام بشحنها فوق شحنة القماش العائد لنا، فشرب الطحين ماء البحر، وسلم الله أقمشتنا من التلف والبلل ولله الحمد، وربحنا في هذه الصفقة خيرًا كثيرًا، وهكذا المال الحلال لا يضره شيء بإذن الله.

•ويقول: لقد كنت أستثمر أموالي في بلدي الكويت بالدرجة الأولى، وليست لي أية اهتمامات بغيرها إلا في بعض البلاد المجاورة كعقار ونحوه، ولكن عندما بدأ صدام يهاجم الكويت سرًا وعلنًا في تصريحاته وتهديداته قمت بهدوء بتحويل معظم السيولة المتوافرة إلى خارج الكويت، ولولا الخشية من ظن الآخرين بأني أعرف مسبقًا بنوايا صدام السيئة لبعت العقار أيضًا، ولكني اكتفيت بتحويل النقد فقط بيسر وسهولة ولله الحمد، وبهذا وفقني الله لاستعمال هذا المال في مساعدة إخواني في الداخل والخارج بقدر ما أستطيع، وعلى دعم قضية الكويت بشتى الوسائل الممكنة من مالي الخاص، ولم يحوجني ربي لأي أحد إلا له جل وعلا، وهذا من فضل الله وكرمه مصداقًا لقوله ﷺ: «تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة». 

      وعندما تم تحرير الكويت من صدام وزبانيته قمت بإعادة هذه الأموال على شكل بضائع متنوعة تحتاجها الكويت بعد التحرير، وربحت بها ربحًا كبيرًا طيبًا غطى -ولله الحمد- كل الخسائر، بل فاضت عليها وزادت ثروتي -ولله الحمد- زيادة كبيرة، بالإضافة لما قامت به الحكومة بعد التحرير من دفع قيمة كل البضائع التي نهبها الجيش العراقي من مستودعات الكويت بأثر رجعي ولله الحمد، وهكذا ينمو المال الحلال ويباركه الله وينميه ويحفظ صاحبه بحفظه.

•يقول رحمه الله: هناك موقف لا أنساه، هو موقف ذلك العامل الوفي في أحد مساجد حي النزهة في مكة المكرمة القريب من بيتي عندما زارني للاطمئنان على صحتي واحتضنني والدموع تسيل من عينيه ليواسيني بهذه النكبة الأليمة، وبيده صرة من الريالات يقول: يا أبا بدر هذا كل ما أملكه الآن قد وفرته من مساعداتكم السابقة، أرجوك أن تأخذها  مني لأنها مدخر فائض عن حاجتي، وكرر الرجاء وأنا أكرر الشكر، ثم قلت له بأنني ولله الحمد بخير وعلى خير، ويكفينا منك خالص الدعاء، وأخذ يدعو وأنا أقول آمين «اللهم استجب» ولسان حالي يردد قول تأخذها الشاعر:

من يفعل الخير لا يعدم جوازيه              لا يذهب العرف عند الله والناس

مواقف تاريخية:

     عندما اشتد الأذى على المسلمين في البلاد العربية الاشتراكية والبعثية، وقامت حكومات تلك البلدان باستهداف دعاة الخير والصلاح؛ كان هو شخصيًا وجمعيته جمعية الإصلاح الاجتماعي من المستهدفين، فطلب منه الحذر فقال: الحامي هو الله، والحذر لا يمنع القدر، والدعوة إلى الله والثبات عليها أيام الشدائد والمحن- هي خير كثير ولسان حاله يردد قول الله -تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (سورة فصلت: 33) وهكذا يحمي الله جنوده المؤمنين بحماه، فها هو أبو بدر يلقى ربه وهو يعمل لخير الإسلام والمسلمين إلى آخر لحظة وهو بصحة وعافية في مكتبه التجاري.

•يقول رحمه الله: كفلت أحد الأحبة كفالة غرم وأداء بسبب ظروف صعبة يمر بها بمبلغ مليون دينار كويتي؛ لأنني مقتنع بأنه مدين وبحاجة ماسة لهذه الكفالة فكفلته، رغم موقفي المتشدد الذي يؤاخذني عليه بعض الإخوة من عدم مساهمتي المادية لأشخاص عليهم ديون للبنوك الربوية؛ لأنني أعتبر هذه المساهمة هي تعويض لهذا البنك، وليس للشخص نفسه، حيث من واجب البنك أن يصبر عليه حتى يتعافى، وهذا جزء من مسؤولية البنوك وليس مسؤولية غيره، ومع هذا فقد عجز المكفول عن الوفاء عند انتهاء المدة، وقمت بدفعها بوقتها المحدد بالكامل؛ تنفيذًا لمضمون الكفالة، ثم سهل الله وتم تعويض القسم الأكبر منها عن طريق مساهمة الحكومة بمديونية التجار المتضررين فيما بعد.

• يقول عنه بعض جيرانه: في مدينة أبها في الصيف يفتح أبو بدر أبواب منزله لأطفالنا الصغار من ثلاث سنوات وما فوق، لتعليمهم القرآن الكريم حفظًا وتجويدًا، وكان يحث أهله على القيام بذلك، كما كان يقوم بتشجيعهم وإهدائهم الهدايا المتنوعة يوميًا لكي يلتزموا بالحضور إلى بيته يوميًا دون تأخر، وفي ختام العطلة الصيفية يقيم لهم حفلًا يوزع فيه الجوائز على الجميع؛ حيث كلهم فائزون بسبب مثابرتهم على دروس القرآن وحفظه، ويتعجب سكان الحي من أبي بدر وأهله، كيف ألهمهم الله الصبر على أطفال الآخرين؟ إذ تقول إحدى أمهاتهم: إنني منزعجة من ابنتي ومشاكلها الكثيرة والتي يصيبني الصداع بـسببها، فكيف بأبي بدر وأسرته يحملون نفسهم على تحمل هذا العدد الكبير من أطفال الحي برحابة صدر وعطف وحنان، حتى أن أطفالنا يحبونهم أكثر منا؟ وهذا من توفيق من الله وتأييده وصدق الرسول الأعظم ﷺ بقوله: «كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها».

•ويقول لي يرحمه الله: لقد رأيت في المنام رؤيا وكأني أسبح في حوض ماء/ وكلما هممت بالخروج منه رأيت على ذراعي بعضًا من الأذى لاصقًا به فقطست بالماء مرة أخرى كي يزول، لكنه بقي عالقًا به، وكررت ذلك مرارًا دون جدوى، فلما استيقظت بدأت أفكر في أعمالي التجارية وغيرها خشية أن تكون فيها شبهة أو ما حولها فلم أجد -ولله الحمد- سوى أن أموالي التي وضعتها في أحد البنوك الإسلامية بحساب الاستثمار ينتج منها فائدة غير محدودة، فخشيت أن تكون هي الشبهة؛ فقمت حالًا بحسبها من حساب الاستثمار إلى الحساب الجاري بدون أية زيادة، والحمد لله الذي أعانني وهداني لذلك.

•ويقول رحمه الله: قام بعض اللصوص بالسطو على بيتي في مكة المكرمة قبل عدة سنوات، وكان فيه خزنة كبيرة أحتفظ فيها ببعض السجلات الخاصة، وفي أسفلها مخبأ وضعت فيه أربعمائة ألف ريال نقدًا، وتم كسرها وإخراج كافة المستندات والعبث فيها وتركها، وتم إبلاغ الشرطة بذلك، وأمام الشرطة مددت يدي في المخبأ أسفل الخزنة، وإذا بالمبلغ كاملًا في كيسه لم ينقص منه شيء ولله الحمد، وهذا -بلا شك- من فضل الله أولًا وقبل كل شيء، ثم ببركة زكاة المال الحلال إن شاء الله.

• لقد كان يرحمه الله: يحب النظام والوضوح في كل شيء، ففي حياته الخاصة والعامة تبرز فيه هذه الخصلة الكريمة بوضوح، فهو يسير على نظام عجيب في يومه وليلته مع إخوانه أو مع غيرهم وبما أن صلاح الأب يدرك الفتى فقد حافظ -يرحمه الله- على سمعة أبيه علي العبد الوهاب يرحمه الله، وعلى أعمال الخير التي يقوم بها وأسرته من بعده، حتى أصبح أبًا للجميع منذ صغر سنه يرحمه الله، فوفقه الله لتنمية ثلث والده حتى تضاعف مرات عديدة ينفق منها على الضعفاء والمساكين، وفي سبيل الله ثم قام بتسليمها إلى وزارة الأوقاف في الكويت للإنفاق منها على مشاريع الخير عن طريقهم لأنه قد خصص من ماله وعقاره الخاص به ثلث خیرات جدید باسمه، يصرف منه هو في حياته، وأبناؤه من بعده لاستمرار هذا البذل والعطاء على كافة أعمال الخير والبر والدعوة إلى الله دون انقطاع؛ لأنه يدرك بوضوح قوله -تعالى-: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (سورة لقمان: 34) وقول رسولنا الأعظم ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».

    وإنني لعلى ثقة تامة: بأن إخوانه وذريته جميعًا سوف يحافظون على النهج الإسلامي الذي سار عليه والدهم يرحمه الله، وسيصله ثواب الخير الذي سيفعلونه دون أن ينقص من أجورهم شيء، كما وفق الله أباهم للحفاظ على تنمية ثلث خير والده وبره.

      إن هذا غيض من فيض: لم أكن لأتحدث عنه لولا أن الرجل ارتحل عنا إلى دار البقاء إلى جوار ربه -عز وجل- ليجزيه خير ما يجري به عباده الصالحين ويجمعنا وإياه -إن شاء الله- في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إنه أكرم مسؤول، وأقرب مجيب، والحمد لله رب العالمين. 

   صور من حياة الشيخ عبد الله المطوع (٤) 

عود للماضي.

بقلم: عبد الواحد أمان أبو مصعب (*)

     كما أسلفت سابقًا لقد أصدرت الحكومة عام ١٩٥٩م أمرًا بحل جميع الجمعيات والنوادي الثقافية والرياضية في الكويت، وكان ضمن هذه الجمعيات جمعية الإرشاد الإسلامي التي لم تكن معنية بذاتها بهذا الحل، مع أن هذا الحل قد أحدث إلى حد ما، فراغًا في مجالات الأنشطة التي كانت تمارسها الجمعية، لكن ذلك لم يكن يرقى المستوى شل حركة العمل الإسلامي في البلاد، بل ظل العمل الإسلامي منطلقًا الأسباب أولها الطبيعة الحركية لهذا الدين، والثانية عقيدة القائمين على نصرته، اجتمع الشيخ عبد الله المطوع -يرحمه الله- مع إخوانه لبحث شؤون الدعوة خلال فترة الإغلاق التي طال أمدها لأكثر من سنتين، وتقرر خلال تلك اللقاءات استمرارية دعم النشاط الإسلامي في الداخل والخارج، حيث لا حدود تنتهي إليها دعوة الله التي هي للناس كافة، فلم يتوقف بند المساعدات الخارجية والداخلية للمؤسسات والأفراد المتفرغين للعمل الخيري والدعوي، وكنت تعجب حين ترى البذرة الصغيرة تلقى في ميدان العمل الدعوي والإنساني، فما تلبث أن تورق وتينع وتثمر وتؤتي أكلها ببركة الصدق والإخلاص، انتشرت دعوة الإسلام في أمريكا وأوروبا وفي أرجاء العالم الإسلامي عن طريق تلك المؤسسات والمراكز الإسلامية، وعن طريق الدعاة والمتفرغين لذلك العمل، لا أقول إن تلك المؤسسات والمراكز والدعاة قام بها الأخ المرحوم -بإذن الله تعالى- أبو بدر وحده، إنما أستطيع أن أجزم أن له يدًا في (٩٠%) من المؤسسات الإسلامية في العالم، قلت أو زادت تلك النسبة بقليل، أسأل الله العلي القدير أن يكون ذلك في ميزانه، وأسأله -تعالى- أن يحتذي بعمله إخوانه من أهل المال والثراء؛ فذلك والله لهم خير. 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1271

114

الثلاثاء 14-أكتوبر-1997

المجتمع المحلي (1271)

نشر في العدد 1723

93

السبت 14-أكتوبر-2006

المجتمع المحلي ( 1723)