العنوان عرفت فيه التواضع والحرص على العلم
الكاتب محمد الحسن الددو الشنقيطي
تاريخ النشر السبت 14-أكتوبر-2006
مشاهدات 73
نشر في العدد 1723
نشر في الصفحة 38
السبت 14-أكتوبر-2006
إن عزاء هذه الأمة في الندب الكبير الرجل الصالح الناصح صاحب العموم والشمول والكرم الفياض والرأي الحصيف أبي بدر عبد الله بن علي بن عبد الوهاب المطوع -رحمه الله رحمة واسعة- أنها فقدت من قبل رسول الله ﷺ، ولا مصيبة أعظم من مصيبتها به.
ثم فقدت بعده ﷺ خلفاءه الراشدين، ومن بعدهم من الأئمة المهديين، فصبرت وتماسكت وتجلدت في وجه الأعداء، كما قال الشاعر:
وتجلدي للشـامتين أريهم أني لربيب الدهر لا أتضعضع
وأن في الله خَلَفًا عن كل هالك، وأن هذه الأمة ما عقمت أن تلد الرجال الأفذاذ الذين هم أكبر من القوميات والوطنيات الضيقة، يعبر معروفهم وفكرهم القارات ولا يبالي بالحدود المصطنعة، وينظرون إلى قاصي الأمة ودانيها بعين العطف والرحمة أمثال أبي بدر -رحمه الله- وأن في أولاده وأحفاده وعائلته العريقة يسر الصديق، ويسوء الحاسد والشامت، وأن في إخوانه الذي كان يرعاهم ويشارك في تربيتهم ونصحهم من العلماء الربانيين والدعاة الصادقين، والكرماء الباذلين- ما يسد الثغرة، ويرد العبرة.
لقد عرفت الشيخ أبا بدر -رحمه الله- عن كثب منذ سبعة عشر عامًا، فما رأيته مشتغلًا بما لا يرضي الله قط، ولقد عرفت فيه صفات قلما اجتمعت في واحد، فعرفت فيه التسنن والحرص على العلم وعلى الدليل مع سعة الأفق واستيعاب إشكاليات الواقع، وعرفت فيه النسك والعبادة والتواضع، مع الجد في تحصيل الكسب الحلال، وأخذه من حله، ووضعه في محله، وعرفت فيه المنافسة في الخيرات مع النصح لكل المسلمين ومحبتهم، ولقد رأيته مرة أراد أن ينفق من ماله في أمر من أمور الخير فتذكر ما فيه من الأجر العظيم فقال: إن من النصح لوالدي ألا تمضي هذه المناسبة إلا وقد أنفق فيها شيء من ماله، فأخذ مالًا من ثلث مال والده الذي وقفه في سبيل الله، وجعل نظارته إلى ابنه أبي بدر، فأنفقه أيضًا في ذلك الأمر.
وعرفت فيه كثرة المشاغل والهموم والأعمال، دون أن يشغله ذلك عن متابعة أخبار إخوانه والاطمئنان عليهم، فكان يتصل عليَّ بالهاتف وأنا في موريتانيا لمجرد الاطمئنان على الصحة مع بعد المسافة والبون الشاسع في القدر والعمر والمكانة، ولم تكن مشاغله وهمومه وأمراضه تشغله عن الجلوس يوميًا في المسجد بعد صلاة الفجر لقراءة القرءان وتدبره وسماع تفسيره، وتصحيح تجويده حتى يصلي الضحى.
ولم تكن تشغله كذلك عن العمرة في رمضان والجلوس في الحرمين الشريفين واستقبال الوافدين إليهما من الدعاة وقضاء حوائجهم، ولا عن الحج واستقبال ضيوف الرحمن من العاملين للإسلام على مختلف توجهاتهم وجنسياتهم ومستوياتهم، وإكرامهم جميعًا.
فرحم الله عمنا أبا بدر، وعوضه خيرًا من هذه الحياة الدنيا، وكتبه في عليين ورفع درجته في الصالحين، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأدخل عليه فيه النور والسرور والروح والريحان وثقل موازين حسناته، وأظله في ظله، وآتاه كتابه بيمينه تلقاء وجهه، وسقاه من حوض النبي ﷺ شربة هنيئة لا يظمأ بعدها، وبيض وجهه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وجعل وجهه من الوجوه الناضرة الناظرة إلى وجه الله الكريم، وجوزه على الصراط كالبرق الخاطف، وجعله من أهل الفردوس الأعلى ومن الشافعين المشفعين يوم القيامة، ومن المقسطين الذين هم على منابر من نور عن يمين الرحمن، وخلفه في أهله وأمته بخير منه، ولا أراهم مكروهًا بعده أمدًا طويلًا، وصلى الله وسلم على نبيا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الأب الحاني والشيخ الوقور والمربي الفاضل.
صالح بن محمد بن حليس التميمي-عضو مجلس الشورى للتجمع اليمني للإصلاح.
عرفته من بعيد أولًا كغيري من أهل الصحوة الإسلامية المعاصرة من خلال مجلة المجتمع، وعندما وضعت أولى خطواتي على بداية طريق الدعوة إلى الله كان شوقي يزداد إلى معرفته، كنت أدعو له وأدعو الله أن يمن عليَّ برؤيته ويجمعني به، وقد حقق الله لي ذلك فله الحمد والمنة.
فالشيخ عبد الله المطوع -يرحمه الله- رائد من رواد الصحوة الإسلامية، عاصرها منذ وضع اللبنات الأولى حتى قام البنيان، وظهرت بعض الثمار الطيبة التي كان يعتز ويتباهى بها -رحمة الله عليه- التقيته في أقدس البقاع وأطهر الأماكن في مكة المكرمة في بيت الله، ثم في بيته هو بمكة المكرمة، وتعرفت عليه وتأثر تأثرًا بالغًا عندما عرف حقيقة وضعي آنذاك، وكنت خارج اليمن لأسباب سياسية قبل الوحدة اليمنية، فسلاني بكلمات قليلة كشرح مبسط لحديث النبي ﷺ عن أهل اليمن «أرق قلوبًا وألين أفئدة» وحدثت المعرفة وتوطدت على أساس الحب في الله والأخوة في الله فقط لا غير، وليس أعظم من التقيته بصحبة الوالد الشيخ الفاضل عبد المجيد بن عزيز الزنداني في العشر الأواخر من رمضان في مكة المكرمة، وذلك بعد أن قرأ عن كتابي «علماء اليمن ومسيرة الإصلاح الشامل» الذي صدر عام ١٤١٢هـ الموافق ۱۹۹۱م في صحيفة «المسلمون» الرائجة الانتشار آنذاك، ثم حملت إليه نسخة خاصة أنيقة مجلدة، نشر عنها في مجلة المجتمع الحبيبة إلى قلوبنا وعقولنا، كان واقفًا في لحظة لا أنساها عندما التفت إلى الشيخ عبد المجيد الزنداني وقال له: «إذا كان هناك من أحبك وأخلص في حبه لك في الله، وأوفى لك حقك الذي لم تستطع القيام به فهو هذا أبو عبد الرحمن اليافعي»
إنه الإنصاف والعدل الذي كان يتمتع به، وهمة وأسلوب المربي الداعم والمشجع، ولكنه كان موقفًا محرجًا لي، فالحديث أمام الشيخ وفي رمضان وفي أقدس وأطهر البقاع، حيث لا مجال للمجاملة، بل للصدق والوفاء من أعماق القلب، ثم التفت وقال لي: «إن اليمن بحاجة إلى تواجدكم ونشاطكم، بل هو أحوج ما يكون الآن إليكم جميعًا».
لقد غاب هذا النجم الساطع، وانطوى علم من أعلامنا التاريخية المشهود لها بالفكر والعلم وقول الحق والحكمة والإيمان، توفي وهو يؤدي واجبه في مواقع المعركة العلمية التربوية والاجتماعية التي خاضها بحب وولاء لله ثم للمسلمين، في أواخر القرن الميلادي الماضي على شاشة قناة الجزيرة في حوار متدفق امتد قرابة الساعة ببرنامج «ضيف وقضية» قال كلمة مازالت تدوي في أذن التاريخ: «إن الإنسان ما دام يستهدف مرضاة الله -سبحانه وتعالى- فعليه أن يعمل؛ فحياتنا قصيرة، وهي تنتهي في مدة لا نعرف مداها فلتقدم بالتالي لآخرتنا».
والمسلمون لو فكروا جميعًا بالالتزام الديني وحساب ذلك اليوم لصلحت هذه الأمة، ولو رجعنا إلى الله رجعة صادقة لحملنا لواء الحرية ولواء العدل ولواء العقيدة، ولنشرنا الخير في كل مكان، لكننا أصبحنا غثاء كغثاء السيل، ومن هنا صار واجب الحركات والجمعيات الإسلامية أن تنبه الأمة لمواطن الخطر، وأن تدعوها إلى التوجه الصحيح إلى الله سبحانه وتعالى.
وأخيرًا أغمد سيف من سيوف الإسلام والوحدة، كان سيفًا حقيقيًا مسلولًا على أعداء الإسلام والوحدة، طالما أقض مضاجعهم وكان -رحمة الله عليه- عمودًا من الأعمدة الأساسية التي ثبتت بها الصحوة الإسلامية المباركة.
لقد عرفت فيه حماس الشباب وحكمة الشيوخ ورزانة تجارب الحياة، عرفت فيه العزة والكرامة والإباء والأصالة وحب الحرية والوحدة، عرفت فيه التواضع والبساطة وحسن الخلق وإكرام الضيف، والابتسامة في وجه أخيه، وحب المسلم من أي جنسية أو ولون كان، عرفت فيه حب الخير، والغيرة على الدين، والحرص على العدل، وبغض الظلم، والوقوف مع المستضعفين وحل مشكلاتهم، عرفت فيه حب الجهاد في سبيل الله، وحب الشهادة في سبيل الله، عرفت فيه صفات إنسانية نبيلة وعظيمة، إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
إلى الإخوة في جمعية الإصلاح وأسرة الفقيد.
عبد القادر بن محمد العماري.
السادة إخواني الكرام جمعية الإصلاح، الأخوة مجلة المجتمع، مجلة الإسلام والمسلمين، أبناء الفقيد، والأسرة الطاهرة جميعًا- فقد بلغنا وفاة والدكم الرجل الكريم الصالح الشيخ عبدالله بن علي عبد الوهاب المطوع الذي خصه الله بالخصال الحميدة والأخلاق الكريمة، والعطاء والإنفاق في سبيل الله والالتزام بأحكام الإسلام، والطاعة لله، فنسأل الله أن يجزيه الجزاء الأوفى، ويسكنه جنات النعيم مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، وأحسن الله عزاءكم وجبر مصيبتك، وغفر للفقيد وتغمده برحمته ورضوانه، وأصلح ذريته جميعًا، ولا يخفى على أحد أن الموت طريق مسلوك، ومنهل مورود: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (سورة آل عمران: 185) والمطلوب من المسلمين في شرع الإسلام عند نزول المصائب هو الصبر والاحتساب والقول كما قال الصابرون: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (سورة البقرة: 156)، وقد وعدهم الله على ذلك خيرًا عظيما: ﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (سورة البقرة: 157) وقال النبي ﷺ :«ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلفني خيرًا منها؛ إلا أجره الله في مصيبته، وخلف له خيرًا منها» فنسأل الله أن يجبر مصيبتكم جميعًا، وأن يحسن لكم الخلف، وأن يعوضكم الصلاح والعاقبة الحميدة، ونوصيكم بالصبر والاحتساب والتعاون على البر والتقوى والاستغفار للوالد -رحمه الله- والدعاء له بالفوز الله بالجنة والنجاة من النار جبر الله مصيبة الجميع، وضاعف لكم جميعًا الأجر، فغفر الله للمتوفى العزيز، وأسكنه فسيح جناته، إنه سميع قريب، وألهمنا جميعًا الصبر والسلوان، والحمد لله رب العالمين.