; من ملامح حركة الإمام البنا «1» | مجلة المجتمع

العنوان من ملامح حركة الإمام البنا «1»

الكاتب د. عبد الرحمن الجمعيان

تاريخ النشر الثلاثاء 12-أغسطس-1980

مشاهدات 127

نشر في العدد 493

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 12-أغسطس-1980

- الدعوة الإسلامية دعوة مستقلة قائمة بذاتها لا مجال فيها للنفعيين والمستغلين والطواغيت.

- هذا الدين رباني، يجب أن يكون منهجه في العمل ربانيًّا كذلك.

- دعوة الإخوان استطاعت شرح الإسلام بأسلوب عصري يصرع الأفكار الغربية وقضي على الشبهات حول الإسلام.

-الإمام البنا يدعو إلى الأخذ بالإسلام كنظام شامل لشؤون الحياة جميعها.

على أثر سقوط الخلافة الإسلامية عام ١٩٢٤ على يد أتاتورك ربيب اليهودية والصهيونية العالمية تصدت للإصلاح دعوات وحركات كثيرة، بعضها حققت نجاحات محدودة، وبعضها كان نصيبها الفشل. 

ومن بين هذه الحركات حركة الإمام حسن البنا رحمه الله، فكان لها فضل السبق إلى حمل الدعوة الإسلامية، كما كان لها الحظ الأوفر والنصيب الأكبر في شرح عقيدة الإسلام، فكرةً وحركةً وجهادًا ومنهاجَ حياةٍ. وقد نجحت دعوة الإمام البنا أيما نجاح في عرض الإسلام بمفهومه الشامل للحياة، بأسلوب عصري يصرع الأفكار الغريبة، ويقضي على الشبهات حول الإسلام، فأعادت ثقة المسلمين في دينهم، وأن المستقبل لهذا الدين في جو حملة مركزة لتغريب العالم الإسلامي وفصامه عن عقيدته. 

ولئن كان الواجب هو إكرام هذه الحركة في الوقت الذي تنكر لها فيه الناس بما في ذلك بعض من نالوا شيئًا من شرف الدعوة؛ فإنني أرى الواجب يلزمني بإكرام مؤسس هذه الحركة وإمامها ومرشدها، واستطاع - رحمه الله - بجهده الدؤوب وعمله المتواصل، وفكره النير الوقاد المحرك القوي الذي دفع هذه الدعوة إلى الأمام، وحمل رايتها صابرًا عليها في وقت مظلم تخلى فيه عنها العلماء، وتقاعس عن حملها الشباب، وتاهت الأمة في ظلام الجاهلية الغربية.

وخير من يتكلم باسم الدعوة قائدها ومؤسسها ومرشدها. ودوري هنا لم يزد على أني جمعت كلمات للإمام البنا من مذكراته أو الرسائل وغيرها وجعلته يتكلم بنفسه - رحمه الله - عن دعوته إكرامًا له وحبًا  ووفاءً. والله أسأل أن أكون قد وفقت في ذلك، وإلا فأني أستغفر الله... وإني لموقن أنني لن أستطيع أن أوفي الرجل حقه.

ففضله كبير، ولا يستطيع ذلك أحد إلا الله سبحانه.

 شمولية الدعوة:

وصف الأمام البنا الإسلام – بأنه (نظام شامل يتناول - مظاهر الحياة جميعا» (۱) فهو «عبادة وقيادة ودين ودولة، وروحانية وعمل، وصلاة وجهاد، وطاعة وحكم، ومصحف وسيف، لا ينفك واحد من هذين عن الآخر»(۲).

بهذا المفهوم الشامل انطلق الإمام البنا يدعو الناس إلى الاعتقاد والإيمان بالإسلام كنظام شامل «ينتظم شؤون الحياة جميعًا، ويفتى في كل شأن منها، ويضع له نظامًا محكمًا دقيقًا، ولا يقف مكتوفًا أمام المشكلات الحيوية والنظم التي لا بد منها لإصلاح الناس»(۳). فالتف حوله الدعاة، وصاغ منهم جماعة - هي كبرى الجماعات العاملة في حقل الدعوة الإسلامية قدمت حلولًا لمشكلات العصر الحاضر على ضوء من الكتاب والسنة، وجابهت الاستعمار، وتلقفت الشباب التائه، وحقلتهم بتربية إسلامية في بوتقة الدين؛ لذلك حازت الدعوة خصائص كثيرة لم تستطع كثير من الدعوات حيازتها، فهي «دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية وفكرة اجتماعية»(٤) كما قال الإمام البنا رحمه الله.

وأما من لم ينظر إلى الشمولية فقد جاءت دعواتهم جزئية يعتورها النقص، فهي إما دعوة إلى ترك ملذات الحياة الدنيا، وإما دندنة حول سنة مهملة، أو قمع بدعة، وإهمال لأصل كبير هو تحكيم الإسلام في الحياة، وإما إيغال في السياسة شديد يؤدي إلى قسوة في القلوب. 

وما أحسن لو أن كل هذه ة المزايا اجتمعت في دعوة متكاملة شاملة وعاشت دعوة تكاملت هذا التكامل كدعوة الإمام البنا، فما تركت أصلًا من أصول الإسلام. وما أهملت سنة، وما أوغلت في السياسة، وما نسيت نصيبها من الدنيا، بل جاءت منذ انطلاقتها الأولى متزنة، فهي ليست «جمعية خيرية، ولا حزبًا سياسيًّا ولا هيئة موضعية لأغراض محدودة المقاصد» (٥) إنما هي «روح جديد يسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن، ونور جديد ويشرق، فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله، وصوت داوٍ يعلو مرددًا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم (٦)، إنها الدعوة التي تعلم الدعاة أن يدعوا إلى «الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم والحكومة جزء منه والحرية فرض من فرائضه» (۷). إنها كما قال الإمام «فكرة وعقيدة ونظام ومنهاج لا يحدده موضع ولا يقيده جنس، ولا يقف دونه حاجز جغرافي، ولا ينتهي بأمر حتى يرث الله الأرض ومن عليها» (۸).

من ملامح حركة الأمام البنا 

-المفاصلة في الإسلام تكون على أساس الأصول العقيدية لا على أساس الاختلافات الفقهية، لأن الإسلام يقر الاجتهاد الفقهي ويسمح بالخلاف في الفروع بناء على النظر الاجتهادي السليم..

  • الإعداد الجهادي:

ومن أهم ميزات هذه الدعوة الإعداد الجهادي، وهو كما يقول البنا فيه: «هو الفريضة الماضية إلى يوم القيامة والمقصود بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من مات ولم يغز ولم ينو الغزو؛ مات ميتة جاهلية» (۹) والجهاد مراتب فأول مراتبه «إنكار القلب» (۱۰).

وأعلاها: «القتال في سبيل الله». وبين هذا وذاك الجهاد ووسائله كجهاد «اللسان والقلم واليد وكلمة الحق عند السلطان الجائر...»؟!

هذه هي انطلاقات الإمام في الجهاد تربية طويلة على الجهاد وجهاد النفس بالتضحية وجهاد القلب بإنكار المنكر وجهاد اللسان بقوله الحق وجهاد القلم بنشر الفكر، ثم تجتمع كلها لتنصب في الجهاد الأكبر وهو قتال الكفار والمشركين والمغتصبين لحكم الله في الأرض. 

مما لا شك فيه أن الجهاد وهو ذروة سنام الإسلام، قد أخذ مساحة واسعة في القرآن والسنة كقوله تعالى:

﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ (الحج:78)، ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (البقرة:190)، ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (التوبة:36) وأوصى بالأعداد للجهاد﴿وَأَعِدُّوا لَهُم﴾(الأنفال:60) وهكذا تعددت الآيات، وجاءت الأحاديث كذلك تقول: «من لم يغز أو يجهز غازيًا أو يخلف غازيًا في أهله بخير أصابه الله بقارعة» (۱۳) ... وذروة سنامه الجهاد» ...

وكان الإمام البنا - رحمه الله - قد عرف مكمن الداء عند الأمة الإسلامية، وعلم أن داءها الأكبر إنما هو في تركها الجهاد وتقاعسها عن النفير، فقام ينادي ويربى على الجهاد انطلاقًا من العقيدة، ويواصل المسير في هذا الطريق الطويل، وقام ينادي الغيورين على هذه الدعوة ويقول لهم: ولا تحيا الدعوة إلا بالجهاد، وبقدر سمو الدعوة وسعة أفقها تكون عظمة الجهاد في سبيلها، وضخامة الثمن الذي يطلب لتأييدها، وجزالة الثواب للعاملين» (١٤).

نعم... فلا حياه للدعوة إلا بالجهاد، ووالله ما دمر الإسلام وما أقصى عن منصة الحكم وصدارة العالمين إلا بعد أن تخلى أبناؤه عن مبدأ الجهاد، وما ترك قوم الجهاد في سبيل الله إلا غزوا في عقر دارهم وذلوا، وأصبح حالنا كما صورها الشاعر.

مالي أرى الكفر يزهو في جحافله           وجيشكم عاثر الراديات منتكس

ورزءة الدين في الأعماق غائرة    وخنجر الظلم في الأكباد منغرس (١٥)

فهذا حالنا لا يعدو هذه الأبيات كفر منتشر في كل بقاع العالم الإسلامي، والمسلمون يتعثرون الطريق ولم ترتفع راية، والكفار يعيشون في الأرض فسادًا، ولا أحد ينادي بالجهاد اليوم؛ بل أن البعض قد عطل الجهاد في دساتيره... ولكن من أراد النصر بهذا الدين، ومن ذاب قلبه كمدًا من واقع المسلمين فليعلم بأن «هذا الدين لا يقوم إلا بجهد وجهاد، ولا يصلح إلا بعمل وكفاح» (١٦) ... وأن هذا الدين لتكمن حاجته اليوم في رجال «يبذلون جهدهم لرد الناس إليه ولإخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده»(۱۷).

فخير للدعوة اليوم أن تربي دعاتها على بذل الروح رخيصة في سبيل الله، والعمل الصالح، خير لها من تربيتهم على الجدال وطول المناظرات!!!

  1. الأصل الأول
  2. مذكرات الدعوة / ١٣٥
  3. الرسائل ۱۰۰ – ۱۰۱
  4. الرسائل / ٢٥٠

(٧٠٦٠٥) الرسائل / ٢٣١

(۸) الرسائل / ۳۲۰

(۹ - ۱۲) التعاليم

(۱۳) الحديث إسناده صحيح

(١٤) الرسائل / ١٤ التعاليم

(١٥) مجلة الشهاب اللبنانية السنة الرابعة العدد الثاني /5

(١٦ ,١٧) الظلال نقلا من المنطلق / ١٠٤.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 128

99

الثلاثاء 05-ديسمبر-1972

تركيز.. لا تكاثر!!

نشر في العدد 409

97

الثلاثاء 22-أغسطس-1978

لقاء مع سيد قطب داخل السجن!!