العنوان لقاء مع سيد قطب داخل السجن!!
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أغسطس-1978
مشاهدات 97
نشر في العدد 409
نشر في الصفحة 13
الثلاثاء 22-أغسطس-1978
- الإخوان كانوا يستعدون لحرب أهلية في مصر
- ما هي صلة عبد الناصر بالأمريكان ولماذا تخلوا عنه؟
- لماذا رفض الإخوان فكرة اغتيال عبد الناصر؟
- هل مات سيد في السجود.. قبل الوقوف بالخشبة؟
- سيد قطب في ذكراه السنوية
هذا لقاء مع شهيد الدعوة.. والكلمة.. الأستاذ سيد قطب.. أجريناه عنه وحوله عبر أحد أخوة السحب.. مع مجاهد قضى ست عشر عامًا في السجن يرقب ويتأمل ويحادث شهيدنا، إنه الأخ المجاهد عبد الحليم حسنين خفاجة صاحب كتاب - حوار مع الشيوعية في أقبية السجون - لقد أفادنا الأخ خفاجة بمعلومات في غاية الأهمية، تسلط الأضواء على كثير من التساؤلات التي كانت عالقة بالأذهان بلا جواب شاف ولا علم يقين.. هذه المعلومات التي سنقدمها للقارئ الكريم، بمناسبة ذكرى استشهاد الأستاذ سيد قطب تدور حول موقف الإخوان من مسألة اغتيال جمال عبد الناصر، ولماذا رفضت هذه الفكرة مع أنها كانت ميسورة التحقيق؟ ومن صلة عبد الناصر بالأمريكان ولماذا تخلوا عنه قبيل حرب يونيو بأيام قليلة.. ولماذا تأخر سفر رئيس هيئة القناة، ومحمد حسنين هيكل لأمريكا لمقابلة جونسون؟ وهل أعد الإخوان أنفسهم لخوض حرب أهلية في مصر؟ ولماذا ترك الشهيد يكتب ويؤلف؟ وهل مات قبل وصوله حبل المشنقة؟ ومن هو الزعيم العربي الذي توسط لإطلاق سراح الشهيد في المرة الأولى وأجيب طلبه؟ ولماذا رفض الشهداء الثلاثة إعفاءهم من الشنق؟
في البداية فضل الأخ خفاجة، أن يعطينا لمحة سريعة عن صلة الشهيد سيد قطب بالإخوان المسلمين، وكيف ولماذا انضم إليهم؟ قال:
عندما اغتيل الإمام الشهيد حسن البنا، كان الأستاذ سيد قطب وقتها في بعثة دراسية بأمريكا ومن خلال اطلاعه على الصحف ووسائل الإعلام الأمريكية لمس اهتمامًا بالحادث، بل فرحًا وترحيبًا به، حتى إن الكنائس لم تخف احتفاءها وترحيبها بحادث الاغتيال - وهنا أدرك الأستاذ سيد خطورة الإمام البنا.. بل خطورة الفكر الذي كان يحمله ويقدمه للناس، وقد ترك ذلك المشهد الذي رآه في أمريكا أثرًا عميقًا في نفسه، وعزم عندما يعود لمصر أن يتصل بجماعة الإخوان، ليواصل رسالة الإمام الشهيد حسن البنا وقد كان..
ومن الغريب، أن الشهيد كان يردد كثيرًا أنه سيدفع رأسه ثمنًا لأفكاره ومؤلفاته، ويقول إن الغرب يتخوف من ظهور وقيام أي زعامة إسلامية ومن أقواله المشهورة: ستظل أفكارنا عرائس من الشمع.. حتى إذا متنا في سبيلها انتفضت ودبت فيها الحياة.. وصدق فيما قال فبعد استشهاده نشطت حركة طبع وتوزيع مؤلفاته بصورة خارقة تنبض حياة وقوة وحرارة، رفعت ذكراه، وأعلت من مكانته، بينما همدت ذكرى الطاغية ولم يعد يذكر إلا في مجال البطش والتنكيل والتعذيب، وحتى حواريوه ودعاة فكره أصبحوا يخجلون من ذكراه وما يرتبط بها من أهوال وسحق لأدمية الإنسان.
من داخل السجن
كان الأستاذ سيد وهو في السجن يشكو من مرض الصدر ومن الذبحة وقد أعفي لهذا السبب من الأشغال الشاقة، وترك في مصحة السجن، وانتهز هذه الفرصة وصار يقرأ كثيرًا ويؤلف كثيرًا، وقد أتم إعادة تأليف" في ظلال القرآن" و"المستقبل لهذا الدين" و" معالم في الطريق" وبعض المؤلفات الأخرى.
وقد يثار سؤال وهو - لماذا تركته الحكومة يكتب ويؤلف؟
وحول هذا الموضوع يقول الأخ خفاجة:
إن الحكومة المصرية - الناصرية - في تلك الفترة، لم تكن مدركة لخطورة الكتابة وتأليف الكتب التي تشرح وتوضح الفكر الإسلامي لجماعة الإخوان المسلمين مع أن تلك الكتب ليست دورًا مهمًا في إعداد وتربية شباب الدعوة الإسلامية وجل اهتمام الحكومة كان يدور حول التحوط من إمكانية تسليح الإخوان أو إعداد كوادر عسكرية يمكن أن تقوم بدور في قلب نظام الحكم، مع أن الإخوان لم يولوا هذا الأمر كبير اهتمام، وإنما انصب اهتمامهم في التربية والإعداد الثقافي.. إلا أنه وبعد عام ١٩٦٥ أدركت السلطة أن الإخوان استفادوا من التأليف وإعداد الكتيبات الإسلامية فلجأت الى حظر مؤلفات الإخوان وكتبهم.
- هذا ما كان من أمر الفترة الأولى التي قضاها شهيدنا في السجن والتي امتدت حتى عام ١٩٦٤ - إذ في هذا العام توسط الرئيس العراقي عبد السلام عارف - رحمه الله - لدى عبد الناصر، وطلب منه أن يفرج عن الأستاذ سيد قطب ومعلوم أن الرئيس العراقي الأسبق، كانت له عواطف دينية قوية، ويذكر أيضًا أن - الزعيم النيجيري المسلم أحمدو بيلو - رحمه الله - توسط أيضا لدى عبد الناصر بشأن الأستاذ سيد لإطلاق سراحه، إلا أن عبد الناصر لم يستجب لطلبه.
ولم يمكث شهيدنا خارج السجن مده طويلة، إذ سرعان ما عاد إليه مرة أخرى عام ١٩٦٥ وسط زفة من الضجيج الإعلامي والاتهامات الملفقة التي انكشف أمرها، وتأكد زيفها، وهي لم تكن إلا سحائب من الدخان لتنفيذ مؤامرة حاكها الغرب الصليبي الحقود، وانتشي لها الشرق الشيوعي عندما وقف عبد الناصر على قبر لينين بموسكو وأعلن عن اكتشاف مؤامرة دبرها الإخوان.. بزعامة سيد قطب وبعض أعوانه. وصدرت الأحكام قبل أن تبدأ المحاكمات.
أقوال سيد في المحكمة
وعندما سنحت الفرصة للأستاذ الشهيد، أن يدلي بأقواله أمام المحكمة تحدث عن الاستعمار.. وقال إن الاستعمار هو الذي يدفع الحكومات إلى حرب الإخوان وسحقهم وطلب من المحكمة أن تستدعي عبد الناصر ليناقشه ويحاوره ويسأله عن حقوق الأمة، إلا أن طلبه لم يلتفت إليه.
وخارج المحكمة وقبل صدور الأحكام، كان الإخوان الذين ينزلون بالسجن يتصلون بالأستاذ الشهيد، ويتناقشون معه في كثير من الأمور السياسية، التي كان يحللها بصورة رائعة ومتناسقة.. وقد تحدثوا معه في أمر اغتيال عبد الناصر فقال:
إن الأمر إذا كان يتعلق بشخص عبد الناصر، فإن اغتياله أمر ساهل وميسور ولا يتطلب إلا أن نصدر توجيها للأخ الفيومي - وكان الحرس الخاص لعبد الناصر - ونطلب منه أن يغتاله وينتهي كل شيء.. ولو كان شيئًا هو هذا لما احتجنا لكل هذا التنظيم وكل هذا الإعداد للشباب المسلم.. وقال الأستاذ سيد، إن تنظيم الإخوان قد عرض أمر اغتيال عبد الناصر للمناقشة وأخذ الرأي، وقد استبعد هذا الأمر، لأن التخلص من عبد الناصر، قد يجر إلى أن يقفز الشيوعيون إلى السلطة، لأنهم في ذلك الوقت كانوا يسيطرون على كل شيء تقريبًا.
إلا أن الإخوان. والكلام ما زال للأستاذ الشهيد - مستعدون لخوض حرب أهلية في حالة السيطرة الشيوعية على مقاليد الأمور وقد أعدوا أنفسهم بالفعل لهذا الاحتمال بهدف المحافظة على البلد ولم تكن عندهم نية لأبعد من هذا.. فقط ظلوا في حالة ترقب واستعداد.
صلة عبد الناصر بالأمريكان
وعن صلة عبد الناصر بالأمريكان، يرى الشهيد سيد، أنها قوية ومتينة ما يفتعله عبد الناصر من خلافات معهم ما هو إلا ذر الرماد في العيون لإخفاء حقيقة علاقته بهم.. وقد كانوا يمدونه بالمعونات الاقتصادية في مقدمتها القمح حتى قبيل حرب يونيو بأيام قليلة، وكانوا يودون التخلص منه لاعتقادهم – أي الأمريكان - بأن نظامه مهدد بالزوال خاصة بعد ظهور بعض المتغيرات السياسية، مثل ثورة أكتوبر في السودان التي أطاحت بنظام عبود وأتت بنظام ديمقراطي، وبعض المتغيرات في بلدان عربية أخرى، وعندما شعر عبد الناصر باتجاه الأمريكان، افتعل قضية طرد قوات الطوارئ.. والتهديد بالحرب في حالة مهاجمة سوريا، مع أن سوريا كانت على خلافات سياسية حادة معه وكانت التظاهرة السياسية المعروفة والتي لم تكن إلا للفت نظر الأمريكان إلى أهميته.. وقد اعترف بنفسه بأن الحشود العسكرية لم تكن بقصد - العدوان - وإنما هي إجراء سياسي فقط؟ ومما يذكر في هذا العدد، أنه عندما تأزم موقفه مع الأمريكان بعث برئيس هيئة قناة السويس عبد الحميد يونس، ورئيس تحرير الأهرام محمد حسنين هيكل لمقابلة جونيون والتوسط لديه لاستئناف المعونات الاقتصادية ولم يكتف بهذين الموفدين، بل عززهما بمحمود فوزي وزير الخارجية، وزكريا محيي الدين رئيس الوزراء، إلا أن اندلاع حرب يونيو - طرشق - المهمة.. ويضاف إلى ذلك أن الصحفي المصري المعروف مصطفى أمين، اعترف هـو الآخر بأن عبد الناصر طلب منه أن يقوم باتصالات مع الأمريكان لحثهم على مواصلة معوناتهم الاقتصادية خاصة القمح... وقد كشف الأمريكان بحرمان عبد الناصر من المعونات استغناءهم عنه وقد أثر هذا الموقف فيه كثيرًا.
يرفضون الإعفاء من الشنق؟
ويقول الأخ خفاجة، إنه بعد صدور حكم الإعدام على الشهداء الثلاثة سيد قطب، وهواش، وعبد الفتاح إسماعيل، طلب منهم الثلاثة أن يتقدموا باسترحام وإذا فعلوا ذلك سيعفون من الشنق، وتستبدل الأحكام بالسجن المؤبد.. إلا أنهم رفضوا ذلك في عزة نفس واستعلاء إيمان، وقالوا: كيف نلتمس العفو من شهادة أكرمنا الله بها..
هل مات سيد قبل.. الشنق؟
يذكر الأخ عبد الحليم خفاجة، أن هناك روايات عديدة تواترت، مفادها أن الأخ الشهيد سيد قطب، طلب قبل تنفيذ حكم الإعدام عليه، أن يعطى مهلة، ليصلي.. وقد أجيب إلى طلبه.. إلا أنه لوحظ استغراقه في السجود فقد أطال فيه أكثر من المألوف، وعندما افتقد اتضح أنه توفي... ومع ذلك أخذ ووضع على خشبة المشنقة كإجراء شكلي فقط وتعليقًا على صحة هذه الرواية، يقول الأخ خفاجة، إنه أثناء وجوده بالسجن سمع هذه الرواية من عدة مصادر مختلفة يستبعد تواطؤها على الكذب لعدم منفعتها أو مصلحتها في إثارتها.
ويقول إن الشهيد سيد، كان محبوبًا من المسجونين والسجانين على السواء فكان يجمعهم ويتحدث معهم وفي مناسبات الأعياد كان يؤمهم ويخطب فيهم.. ولهذا ألفوه وأحبوه فلم يسيئوا معاملته، بل كان موضع احترامهم وتقديرهم.
- ألا رحم الله الشهيد الداعية.. وأجزل له العطاء.. وأدخله الجنة فقد اختط بدمه طريق الحق.. وأبان النهج.. وأوضح المعالم.. وأيقظ الكلمات من بين السطور وجعلها تنبض بعد أن دبت فيها الحياة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل