; تركيز.. لا تكاثر!! | مجلة المجتمع

العنوان تركيز.. لا تكاثر!!

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1972

مشاهدات 99

نشر في العدد 128

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 05-ديسمبر-1972

رياض المؤمنين

الحلقة ٢٧

إحياء فقه الدعوة

يكتبها: محمد أحمد الراشد

تركيز.. لا تكاثر!!

إن مشاهدة الفسق تهون أمر المعصية على القلب، وتبطل نفرة القلب عنها «الإمام الغزالي»

من الغايات الرئيسية التي وضعتها هذه البحوث نصب عينيها: تزويد الداعية الناشئ بمعظم ما يمكن أن يوصف بأنه من فقه الدعوة من كلام القدماء والمحدثين، المبثوث في كتب التراث والمؤلفات الحديثة، بحيث لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من نصوص وتعابير هذا الفقه، أو ما يرقق قلوب الدعاة، إلا أحصيناها وأثبتناها وشرحناها وعقبنا عليها وضممناها إلى مثيلاتها، بمقدار ما تسمح به الظروف، دونما تكرار يكون فيه الملل، ولا حذف يحصل به الخلل، في محاولة لوضع مجموع متكامل بيد كل داعية مسلم يغنيه في سنيه الأولى عن تعب استقراء هذه الفوائد في الكتب الكثيرة، ويمده بمادة جاهزة لتفقيه نفسه و تربيـة تلامذته من الناشئة الإسلامية، ويزوده بطاقة من الحماس والروحانية تثبته وأصحابه أمام المغريات والمرعبات.

وهذا الحرص على الجمع الشامل المستقصي اضطررنا إلى أن نقرب الكثير من كتب زهدية أو أدبية أو تاريخية خلطت واضطربت ودلست، طمعاً في نقول نافعة وإشارات رائعة لم نظفر بها إلا فيها، ومن قلة الأمانة أن نستمد منها دون الإشارة إليها مع التزامنا الإشارة إلى غيرها.

لكن بعض إخوتنا الكرام ممن شغف هذه البحوث حبًّا وحرص على الاستزادة، ظن أن في ذكر هذه الكتب ورجوعنا إليه تزكية مطلقة لها، وربما حرص على اقتنائها طلبًا لمثل ما ننقل عنها، وليس الأمر كذلك، ولا قصدناه، ولا نوصي به، فإن في مثل «حلية الأولياء» و «علم القلوب» و «عوارف المعارف» و «اللمع»، وكتب الحارث المحاسبي والشعراني من التخليط والأقوال الضعيفة وتحبيذ ما لا يعرف عن السلف الأول شيئًا كثيرًا، وإنما هي فوائد مبثوثة في صفحاتها نلتقطها باعتناء وحذر، ومثل ذلك يصدق على «الأغاني»، وأنه حوى شعر بعض الصحابة والصالحين، وأورد من الفوائد ما لا تجده في غيره، لكنه أكثر من إيراد شعر المجون، وشوه تاريخ أناس من النبلاء والأمراء والخلفاء.

فلا يكونن اعتمادنا على هذه الكتب مسوغًا لاعتقاد الداعية صلاحها المطلق والمسارعة إلى مطالعتها، بل يكفيه أن يتجول بحرية كاملة في الصحيحين ومؤلفات ابن تيمية وابن القيم، وابن الجوزي، وفي رسائل الإمام البنا وبحوث المودودي وسيد وغيرهم من قادة الدعوة أصحاب النهج السليم، وله لفظ جميل في دواوين إقبال وعزام ووليد يغنيه عن غيرها -إن شاء الله تعالى.

ألهاكم التكاثر بالأمس، فاتزنوا غدًا!

كان في تدقيق الانتقاء ما يعصم من قواصم العفوية وتكمن العاصمة الثانية في تجميع متناسب مع جهود المربين، بحيث يمكن إسماعهم جميعًا الكلام الموجه، بتركيز مؤثر، ومنع التأثيرات الخارجية عنهم، ولا شك في صعوبة هذا الحل الثاني.

ويقصد بالصعوبة: صعوبة «السيطرة» على الرغبات النفسية الأصيلة في كل إنسان في حب «الثراء» في كل شيء، مما أشار إليها القرآن الكريم بإجمال في قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ( التكاثر: 1 )

فالإنسان يحب الثراء الكمي العددي، في المال، والعلوم، والبنين، والأنصار، وفي كل شيء، وهي نزعة أو غريزة لا يمكن السيطرة عليها إلا بالتربية العميقة.

وخطورة إهمالها تتأتى من أن إشباع الغريزة يؤدي إلى حصول «النشوة» في الإنسان، والنشوة حالة من حالات النفس تؤثر على العقل تأثيرًا سلبيًّا، فتجعله في ركود.

إن النشوة ضد الخوف، وفي النفس الإنسانية يقترن الاطمئنان مع النشوة، والحذر مع الخوف، والمعروف أن العقل أقصى ما يكون تحفزًا واشتغالًا وشحذًا في حالة الحذر.

ومن هنا تصاحب النشوة اندفاعات غير مدروسة، يشترك فيها الجميع، القادة وتلاميذهــــــم، لأن الإحساس بالثراء يولد الاطمئنان وإيحاءات الضمان.

                                               * * *

إن هذا التقرير يؤكد ما قلناه من صعوبة المعركة التي تخوضها الدعوة، فإن ميدان المعركة هو النفس الإنسانية بكل تعقيداتها ومتناقضاتها.

أنت لا تتعامل مع أحجار صلدة، ولا مع أصحاب طهر ملائكي.

أنت تعيش وتتعامل مع نفس إنسانية، فيها الغرائز: غرائز حب البقاء، وحب التكاثر والثراء، وإشباع الشهوات الجنسية. وفيها النزعات: نزعات الثأر، والحذر، والدفاع عن عقيدتها وحب شيوعها.

والمجتمع الذي أمامك هو مجموع هذه الغرائز والنزعات والميول والرغبات، فإن لم تعرف المداخل والأبواب التي تدخل منها إلى هذا المجموع من الغرائز والنزعات المسمى بـ «المجتمع» فإن الفشل يصيبك حتمًا، وإذا غالطت نفسك وتجاهلت هذه الغرائز والنزعات فلن يضير وجودها شيء، وأنت تضار.

ستبقى هي لأنها وجدت -بإذن الله- لتبقى، أما أنت فستزول وتخونك حساباتك وتقديراتك؛ لأنك خالفت الفطرة.

إن النفس الإنسانية هي ميدان كل هذه الانقلابات الاجتماعية والسياسية الكثيرة المتواصلة التي يحدثنا عنها التاريخ القديم والحديث.

اندفاع وراء إشباع البطون، أو إشباع الشهوة الجنسية، أو طلب الترف.

اندفاع ثأر ممن سلبها أرضها أو نساءها.

اندفاع وراء إشاعة عقيدة اعتقدتها، أو محاربة من يخالف هذه العقيدة، بالمفهوم الواسع للعقيدة، من مثل وقيم، حقة أو باطلة.

إنها اندفاعات مادية ومعنوية، قد تجتمع وقد تنفرد، هؤلاء هم البشر.

إن بعضهم قد وجد في نفسه المقدرة على توجيه الآخرين نحو قسم من هذه التصرفات التي تساعد عليها الغرائز والفطر، فسمينا عمله هذا «تربية».

إن معارك السياسة والحروب صورة لمعارك النفس.

                                         * * *

وإذن، فإن معركتنا معركة تربوية، أي أنها تقوى وتشتد كلما تعمقت التربية وأتقن المربي عمله، وتخبو جذوتها كلما فترت التربية وكانت سطحية.

أي أن الجهود التربوية لعدد محدود من القادة المربين إذا تركزت على التلاميذ فإنها تكون أعمق تأثيرًا فيهم كلما قل عددهم، بتناسب طردي، وتفتر ويقل تأثيرها كلما زاد عددهم.

ومع هبوط كمية التأثير يحصل الاندفاع العفوي غير الهادف، ثم القاصمة   والمصرع.

وإذن، فإن من صالح معركتنا ألا يندفع الصنف القيادي المتولي لعملية التربية في تجميع عدد من التلاميذ أكبر مما تكفي له جهودهم التربوية.

وهذا هو الحل الثاني للوقاية من مصارع العفوية يمليه تحليل الظاهرة التربوية.

ولقد شهد تاريخ الحركة الإسلامية بالأمس القريب تكاثرًا بالعدد على حساب النوعية أرهق وألهى، وأجبر دعاة اليوم على الاتعاظ، وما اتزان التوسع إلا وصية الغد.

نقول: إنها وصية الغد، لما رأينا من نسيانها، وإلا فإنها الوصية القديمة للإمام البنا -رحمه الله، شدد عليها منذ سنة ۱۹۳۸ في انعقاد المؤتمر الخامس، في صورة توضيح الأصناف الرجال أمام أعباء العمل، وعدم إغناء الخيال من الصواب شيئًا، وإنما هي «الصفوة» فحسب -كما سماها الإمام واستعارها السيد من بعد- تحمل أعباء الجهاد.

يقول:

«أريد أن أكون معكم صريحًا للغاية، فلم تعد تنفعنا إلا المصارحة: إن ميدان القول غير ميدان الخيال، وميدان العمل غير ميدان القول، وميدان الجهاد غير ميدان العمل، وميدان الجهاد الحق غير ميدان الجهاد الخاطئ.

يسهل على كثير أن يتخيلوا، ولكن ليس كل خيال يدور بالبال يستطاع تصويره أقوالًا باللسان، وإن كثيرين يستطيعون أن يقولوا، ولكن قليلين من هذا يثبتون عند العمل، وكثير من هذا القليل يستطيعون أن يعملوا، ولكن قليلًا منهم يقدرون على حمل أعباء الجهاد الشاق والعمل العنيف، وهؤلاء المجاهدون، وهم الصفوة القلائل من الأنصار، قد يخطئون الطريق ولا يصيبون الهدف إن لم تتداركهم عناية الله، وفي قصة طالوت بيان لما أقول.

فأعدوا أنفسكم، وأقبلوا عليها بالتربية الصحيحة، والاختبار الدقيق، وامتحنوها بالعمل، العمل القوي البغيض لديها، الشاق عليها، وأفطموها عن شهواتها ومألوفاتها وعاداتها» «۱»

وورث سيد -رحمه الله- هذا الفقه، فجعله قلقًا قبيل وفاته إزاء ما يرى في السودان من التوسع وامتلاء الشوارع بمظاهرات المسلمين، فأوصى من زاره من دعاة الإسلام في السودان، فقال: 

«يجب ألا يشغلكم إقبال الجماهير من تنظيم صفوفكم الداخلية وإعداد رجال يواجهون الشدائد ويثبتون» «۲»

والحقيقة أن أهمية الصف الداخلي المتين لا تنحصر في معطيات صفته التنظيمية وسهولة استغلال طاقاته المنسقة، بل في تحقيقه «المجتمع التربوي» الذي يحتضن الجديد المتربي ويريه زيادة المناظر الإسلامية ويحجب عنه رؤية الجاهلية والجاهليين وسماع أقوالهم فيبعد عن التأثر بتربية أخرى غير إسلامية، ولمثل هذا أوجب الغزالي -رحمه الله- المسارعة إلى كبت الفسق وحجبه لئلا يؤثر منظره في نفوس المسلمين، وقال:

«إن مشاهدة الفسق تهون أمر المعصية على القلب، وتبطل نفرة القلب عنها» «3».

وهذا يعني أيضًا أن بقاء بعض الفسق -بمعناه الشرعي- عالقًا بالأشخاص الذين نجمعهم، لعجز كفاياتنا وطاقاتنا التربوية التوجيهية عن إزالته عنهم وتحويلهم عنه لكثرة عددهم، سوف يؤدي إلى احتمال سريان عدواه إلى العناصر النظيفة، لما في العيش الجماعي من المشاهدة التي تؤدي إلى التقليد.

وعلى ذلك، فإن جولات الداعية الضرورية بين الجماهير العامة مثلما تؤدي إلى تربيته عمليًّا إلى إغناء الدعوة بالعناصر الجديدة التي يكتشفها، فإنها تؤدي أيضًا إلى احتمال تهوين أمر المعصية على قلبه إذا انقطع إليهم انقطاعًا طويلًا، لكثرة المعاصي في حياة العامة، فوجب تردده على مجتمع الدعاة الصافي ليرى من مناظر الإيمان ما يضاد مناظر الفسق، ويكون جائلًا بين هذا المجتمع العام، وبين هذا المجتمع الخاص الذي يرقق قلبه أن أخبره الأول، وهذا ما يؤدي بالتالي إلى الحرص على نقاوة هذا المجتمع الخاص ليؤدي مهمته التربوية هذه لكل داعية متجول بين العامة حين يفيء إليه، والنقاوة لا تحصل إلا باتزان التوسع.

فكما أن التوسع السريع يستهلك الطاقة الحاضرة، فإنه يضعف الناتج القديم.

●     نجاح يتأخر، لا جهد يهدر

وتضيق الأرض بمتحمسة الدعاة حين نلح في بيان اتزان التوسع في وقت طال فيه المسير، ويرون أن هناك ثمة فشل يصيب الدعوة إن تخلت عن سباق العدد.

ولا ننكر أن أخطاء الماضي قد حرمت الدعوة في أماكن متعددة من العالم الإسلامي من فرص توسع وانبثاث مأمون في محيط مستعد لتقبل الكلمة، وأن أحزاب الضلال في محيط مستعد لتقبل الكلمة، وأن أحزاب الضلال قد استغلت برود دعاة الإسلام فتقدمت بمراحل عليهم، ولكن الخطأ لا يستدرك بمثله، وتقييم فشل الدعوة ونجاحها في حقبة معينة لا يعتمد علـي إحصاء من استطاعت نقلهم من محيط الجاهلية إلى صفوفها، ذلك أن الدعوة طالما كانت سببًا في هداية الآلاف من الشباب وعصمتهم من الفجور والزيغ وإن لم يدخلوا صفوفها، لأسباب مختلفة، وهذا في ميزان الإسلام عظيم، وطالما كانت الدعوة كالواحد في وسط الصحراء الموحشة المقفرة حين تأوي إليها جموع المسافرين فينعمون بظلها ومائها ويأنسون بأهلها، وكثير عدد أولئك الشباب الذين احتضنتهم الدعوة في مراهقتهم، واجتازت بهم فترة الشباب بسلام، ورفلوا في ظلها، وأنسوا بأهلها، وإن أقعدهم الترغيب والترهيب عن مواصلة السير معها.

وكم نقلت الدعوة شاكًّا إلى اليقين، ومؤمنًا جاهلًا إلى العلم، وهذا في الميزان الشرعي عظيم.

وكم أوضحت الدعوة من شبهة، وردت من تهمة، وأشادت بمناقب مظلوم، وكل ذلك في الميزان عظيم.

وإذن، فإننا يجب ألا ننظر بالمنظار القاتم الذي يولد اليأس في نفوس العاملين، فإن الدعوة لم تفشل، وينتظر من عمل فيها أجر مدخر كبير -إن شاء الله- مثلما ينتظرهم جني ثمار كثيرة زرعوا بذورها بالأمس.

إن أناسًا كثيرين، بتأثير عمل الدعاة الماضي والحاضر، تحتدم في نفوسهم معاني الإيمان والجاهلية، وهم الآن في صراع نفسي داخلي عنيف غير منظـور أيؤمنون ويقرون بما يقول دعاة الإسلام أم يبقون على ما هم عليه؟ وهؤلاء مصيرهم إلى الإيمان حتمًا حين يتضح الحق أمامهم اتضاحًا كافيًا، في حادثة تهزهم هزًّا، وتخضهم خضًّا، فيتمحضون، وينخرق حجاب الران عن القلب، فيصل إليه النور.

تمامًا كالإسلام المفاجئ المأثور عن بعض الصحابة -رضي الله عنهم، كعمر حين دنا من الصفا، فسمع أخته تتلو القرآن، فصفا، أو حمزة حين رجع من الصيد، فسمع كلام المؤامرة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فآمن وكسر القيد.

هل يقال إن كل أسباب إيمانهم جاءتهم في لحظة واحدة؟

كلا، فإن معاني الإيمان كانت تحتدم في نفوسهم، وكان هناك صراع نفسي ظل يتنامى حتى فاض سيل الخير في تلك اللحظة.

ولئن حرصنا اليوم على عمق التربية، والاقتصار على الصفوة، واتزان التوسع، فلتغطية حاجة جحافل أهل الاحتدام هؤلاء يكون هذا الحرص، وإنهم لفي سير إلينا، وعما قريب يكون الوصول، والحادثة الهازة الخاضة خبيئة عند الله، يرحم الله بها الصابرين، ومن لا يؤمن بمثلها فهو بحاجة إلى نظر في السيرة والتاريخ جديد.

«1» المجموعة / المؤتمر الخامس /٢٥٨

«۲» كتاب «الشهيد سيد قطب» / 9۱

«۳» إحياء علوم الدين 2/172.

* أسلم طرق التربية في هذا العصر الذي أصبح عالمنا فيه قرية كبيرة، مفتحة النوافذ والأبواب أن يغرس في قلب المرء حب الله ورسوله والاعتزاز بالإسلام، ثم يزود بمقاييس دقيقة مستنيرة للرفض والقبول، فإن العزلة أمر يكاد يكون مستحيلًا، والملاحقة باللوائح غير ممكنة.

                                                                                    «المجتمع»

 

الرابط المختصر :