; من ملامح المنهج الدعوي عند السلف | مجلة المجتمع

العنوان من ملامح المنهج الدعوي عند السلف

الكاتب شوقي محمود الأسطل

تاريخ النشر الثلاثاء 05-مارس-1996

مشاهدات 97

نشر في العدد 1190

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 05-مارس-1996

المراد بمذهب السلف ما كان عليه الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان واتباعهم وأئمة الدين ممن شهد لهم بالإمامة

منهج السلف قائم على التصدي للقضايا الكلية التي تمس الأمة وإعطائها الاهتمام الأكبر

إدراك الشيء فرع عن تصوره فإنه لا بد لنا بداية من بيان المراد بالسلف فنقول: السلف في اللغة هم المتقدمون والجمع أسلاف وسلاف، والفعل سلف بمعنى مضى، وسلف الرجل أي أباؤه المتقدمون. «مختار الصحاح ص ۳۰۹».

أما في الاصطلاح فهم الصدر الأول الراسخون في العلم المهتدون بهدي النبي الحافظون لسنته اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه، وانتخبهم لإقامة دينه ورضيهم أئمة الأمة، وجاهدوا في سبيل الله حق جهاده، وأفرغوا في نصح الأمة ونفعهم، وبذلوا في مرضاة الله أنفسهم، قد أثنى الله عليهم في كتابه فيجب اتباعهم فيما نقلوه وابتغاء آثارهم فيما عملوه. «انظر المفسرون بين التأويل والإثبات للعمراوي جـ ۱ص۱۸».

ويزيد هذا المعنى وضوحًا وجلاءًا الشيخ ابن حجر القطري في كتابه العقائد السلفية فيقول: وعلى ذلك فالمراد بمذهب السلف ما كان عليه الصحابة الكرام والتابعون لهم بإحسان وأتباعهم، وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة وعرف عظم شأنه في الدين كالأئمة الأربعة وسفيان الثوري، والليث بن سعد وابن المبارك، والنخعي، والبخاري ومسلم وسائر أصحاب السنن.

فالسلفية إذن هي سلفية المنهج أي الالتزام بالقواعد والأصول المعتبرة التي كان عليها أولئك الكماة الأباة الذين شرفت بهم الدنيا في زمانهم، وكانوا مصدر إلهام لمن جاء بعدهم من هذه الأمة ومن ظن أن السلفية مجرد بحث وترديد لقضايا ومسائل واجهها أولئك الأماجد العظام في زمانهم وشغل الناس بها وأشعل المعارك من أجلها فقد جهل

وأساء إلى هذا المنهج وأهله بما لا مزيد عليه. إن حبنا للسلف وغيرتنا عليهم تدفعنا إلى بيان شيء مما كانوا عليه في منهجهم الدعوي الإصلاحي وذلك عبر النقاط التالية...

١. إدراكهم لفقه الأولويات وعملهم بمقتضاه: وفقه الأولويات يعني تقديم ما حقه التقديم فتعطى كل قضية أو مسألة من الاهتمام بحسب موقعها في دين الله. فالفرض مقدم على المندوب، وترك الحرام قبل هجر المكروه، والدعوة إلى الأصول وبيانها قبل الخوض في الفروع، وهذا هو نهج الإسلام في تربية النفوس وهو النهج الذي ربي من خلاله الصحابة الكرام في زمن الوحي «التدرج في الأحكام» وتقديم القضايا الكلية الكبرى على القضايا الجزئية مع أنها جميعًا من الدين، وإن هذا الفهم العظيم ليبدو بجلاء في وصية الرسول ﷺ لمعاذ إذ قال له: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فاعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم...» «متفق عليه».

 فالدعوة هنا إلى الشهادة قبل الصلاة مع أهمية الصلاة وعظم مكانتها والصلاة قبل الزكاة.

هذا الفقه العظيم هو الذي جعل من قضية المرتدين هي القضية الأولى في خلافة الصديق- رضي الله عنه- فكانت الشغل الشاغل والهم المحرك لأمة الإسلام لخطورتها وعظم أثرها فلم يعل صوت على صوتها حتى انتهت بفضل الله، ثم عزم الصديق ومن معه.

 وفي عصر الإمام أحمد برزت بدعة القول بخلق القرآن، فأصبح رد هذه البدعة والرد على القائمين عليها شعارًا لأهل الحق وهما مؤرقًا حتى أذن الله بانبلاج الفجر وبزوغ شمس الحق.

وهكذا كان نهج السلف قائمًا على التصدي للقضايا الكلية التي تمس الأمة وإعطائها الاهتمام الأكبر مع وجود قضايا أخرى لكنها ليست بمستوى الأولى من المكانة والخطورة.

فالنهج السلفي يتطلب إذن من أتباعه في كل عصر إيلاء كل قضية بمقدار حجمها ولما كانت بدعة عصرنا الكبرى هي العلمانية فقد تنبه لها المصلحون المجددون في هذا القرن باعتبارها أخطر البدع التي تواجه أمة التوحيد فقاموا يحاولون حشد الطاقات ورص الصفوف لمواجهة هذا الخطر الداهم والتصدي لدعاته، فكان الواجب على أحاد الأمة مؤازرتهم في هذا الاتجاه لتنجلي هذه الغمة ويزول هذا الخطر الماحق لا سيما وأن هذه الدعوة الخبيثة قد أخذت طريقها إلى التنفيذ في أكثر أقطار المسلمين، وما أعظمها من جناية أن يحاول أحد إلهاء الأمة بما هو دون هذه القضية من القضايا وبما لا يصل إلى درجتها في الأهمية والخطورة.

٢. حرص السلف على العمل من خلال جماعة: فها هو هشام بن حكيم كان يخرج للدعوة في جماعة معه، وكان الإقفالي إذا خرج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اصطحب جمعًا من الذين لا يأكلون إلا من كسب أيديهم، وكان لعبد الرحمن بن محمد البغدادي أتباع وأصحاب يقدمون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ويروي ابن وضاح في كتاب البدع أن أسد بن موسى المسمى أسد السنة كتب إلى أسد ابن الفرات: «أعلم أن ما حملني على الكتابة إليك ما ذكر أهل بلادك من صالح ما أعطاك الله من إنصافك وحسن حالك مما أظهرت من السنة وعيبك لأهل البدعة وكثرة ذكرك لهم وطعنك عليهم»، ثم يوصيه بتكوين جماعة تعينه على أداء الواجب وتشد أزره فيقول: «فاغتنم ذلك وادع إلى السنة حتى يكون لك ذلك ألفة وجماعة يقومون مقامك إن حدث بك حدث فيكونون أئمة بعدك فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة، كما جاء في الأثر فتعمل على بصيرة ونية وحسبة» «انظر البدع لابن وضاح ص٥».

 وهذا الأمر المشار إليه من فائدة الجماعة وعظم مكانتها هو ما أكده رسول الله ﷺ بقوله: «اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض» «رواه مسلم». 

وأدركها موس- عليه السلام- فقال: ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ (طه ۲۹ ٣٤). 

فمع أنه كان مؤيدًا بالوحي والمعجزات الباهرات إلا أنه أيقن أن مواجهة طاغية الزمان تقتضي وجود معين ومؤازر فطلب ما طلب بشأن أخيه هارون عليه السلام.

٣. الحرص على تأليف القلوب وعدم التركيز على القضايا الخلافية...

وذلك حفاظًا على وحدة الأمة واجتماع كلمتها فها هو المصلح الأكبر عليه الصلاة والسلام يدع ما هم به من بناء البيت على قواعده الأولى تأليفًا لقلوب أناس حديثي عهد بالشرك كما أخبرت عائشة رضي الله عنها. 

وانظر إلى فقه التلميذ النجيب والصاحب الحبيب ابن مسعود عندما أنكر على أخيه عثمان بن عفان خليفة المسلمين إتمام الصلاة في السفر ثم صلى خلفه وقال: «الخلاف شر»، وتأمل معي قصة أحد الذين كانوا يثيرون المسائل الخلافية في زمن عمر ابن الخطاب- رضي الله عنه- وموقف أمير المؤمنين فقد روى نافع أن صبيغًا العراقي جعل يسأل عن أشياء من القرآن في أخبار المسلمين حتى قدم مصر فبعث به عمرو ابن العاص إلى عمر فخفقه بالدرة حتى أوجعه وأثر في ظهره ثم كتب إلى أبي موسى أن لا يجالسه أحد من المسلمين.

كان هذا هو فعل عمر ابن الخطاب بمن يحاول التشويش على الناس بإثارة مسائل لا يترتب عليها عمل ولا يرجى من وراء بحثها خير للأمة وذلك في زمن كانت راية الإسلام عالية، وشرع الله مطبق، وجيوش الإسلام تدك معاقل الظلام فما بالك بمن يفعل ذلك في زمن كزمننا وفي ظروف كالتي تعيشها أمتنا اليوم؟!

ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية إذ يقول: مع أن عمري إلى ساعتي هذه لم أدع أحدًا قط في أصول الدين إلى مذهب حنبلي وغير حنبلي ولا انتصرت لذلك ولا أذكره في كلامي ولا أذكر إلا ما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها.

وإلى هذا المعنى يشير الإمام السلفي المجدد حسن البنا فيقول: والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببًا للتفرق في الدين ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء ولكل مجتهد أجره ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب.

«مجموعة الرسائل- رسالة التعليم»..

الرابط المختصر :