العنوان لغويات سياسية: البدعة.. والإبداع
الكاتب عبد الله عيسى السلامة
تاريخ النشر السبت 27-ديسمبر-2003
مشاهدات 80
نشر في العدد 1582
نشر في الصفحة 52
السبت 27-ديسمبر-2003
«لقد دخلت السياسة اليوم في كل شيء حتة اللغة ... واللغة داخلة منذ القدم في كل شيء ... حتى السياسة»
إذا كانت الديمقراطية، الغربية، بدعة في نظر كثير من المسلمين، فإنها ليست ضلالة في نظر بعضهم الآخر، لأنها ليست بدعة في الدين، والمنهي عنه هو ما كان بدعة في الدين لا كل بدعة بإطلاق، وإلا ظل الناس غارقين في الضلالات إلى أبد الأبدين، لأن سيرورة الحياة تقتضي بدعًا مستمرة في كل شيء في العلم، والأدب، والحكم، والسياسة، والمسكن، والملبس، والطعام، والشراب، فالبدعة الضلالة المنهي عنها إذًا هي البدعة في الدين، وعلى هذا لا تكون «الديمقراطية» ضلالة، إذا كان مقصودًا بها أسلوب اختيار الحاكم عبر صناديق الاقتراع، وطريقة صنع القرار، من حيث مناقشته في المجالس المخولة بصنعه، ومن حيث التصويت عليه، وصدوره بأكثرية الأعضاء المخولين بإصداره.
أما أن يكون شرع الشعب فوق شرع الله في النظام القانوني في الدولة، فهذا هو الضلال المبين، وهو ضلال قديم لا يحظى حتى بصفة كونه بدعة، أو ابتداعًا.
وغني عن البيان بالطبع، أن الديمقراطية لدى أصحابها الغربيين ليست بدعة حديثة مبتكرة، بل هي من ابتداع الفكر اليوناني القديم، ونظرة واحدة في كتاب السياسة للفيلسوف اليوناني الأشهر أرسطو، تكفي لمعرفة ما تلوكه ألسنة الساسة الغربيين وأقلامهم في العصر الحديث من مصطلحات السياسة الحديثة ومعانيها. فحكم الشعب نفسه بنفسه، في إطار التشريع الرباني الإسلامي، وفق المعنى المذكور آنفًا، هو طريقة لاختيار صناع القرار والتصويت على القرار. حكم الشعب هذا ليس بدعة في الدين، بل هو ابن شرعي لمصطلح إسلامي رائع فذ، هو مصطلح «الشورى».
أما الإبداع، فهو هناك، في الشاطئ الآخر. الشاطئ المقابل، بل المعاكس المضاد للشورى والديمقراطية كلتيهما. ونعني به شاطئ الاستبداد.
ولو صحت مقولة بعض العرب الأقدمين، بأن كثرة الأسماء دليل على شرف المسمى لكان الاستبداد من أكثر الصفات والأفعال والأخلاق شرفًا، وأعلاها قدرًا، وأسماها منزلة. فهو - من حيث كونه صفة وفعلاً وخلقًا - يحوي في باطنه معاني تكاد تصيب عقل الحكيم بالجنون، أما الأحمق فلا يلوث عقله شيء، لأنه ملتاث بطبعه. ومن المعاني التي يتضمنها مصطلح الاستبداد المضاد للشورى والديمقراطية: التسلط، التجبر، الكبت، القهر، الظلم، القمع. ومن مبادئه الراسخة، التي لا يستقر ولا يستمر إلا بها:
﴿ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِن جَاءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [ غافر: 29] ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي ﴾
﴿ وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [ الزخرف: 51]ومن تطبيقاته الصريحة:
﴿ أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾[ النمل: 56]وللإنصاف التاريخي نقول: إن مضمونات الاستبداد ومبادئه التي يستند إليها، ليست إبداعًا معاصرًا، أو حديثًا، بل هي قديمة قدم المجتمعات البشرية. أما الجديد المبتدع فيها، فهو محاولات تزيينها وزخرفتها وزركشتها، وتلوينها، وتحسين ديكوراتها بطرائق تجعل منها إبداعات مبتكرة، لاسيما ما يتعلق منها بتغيير الأسماء والمصطلحات.
فأقسى حالات القهر والتجبر، تسمى "ديمقراطية شعبية". ونهب الأموال العامة والخاصة، وتوزيعها على الزمرة المتسلطة، واستئثار ذوي المناصب العليا بأكبر قدر منها، كل ذلك يسمى "اشتراكية". وخنق حريات الناس، وزجهم في السجون والقبور والمنافي، يسمى "محافظة على أمن الدولة". ولنلاحظ هنا الطرافة في تزوير المصطلح، إذ أن "أمن الزمرة المتسلطة السارقة" يسمى "أمن دولة". وتغطية وجه التسلط البشع، بأكداس من القش مكونة من بعض الانتهازيين والوصوليين والنفعيين، هذه التغطية السمجة الساذجة تسمى "جبهة وطنية تقدمية".
وإذا احتج محتج على ما يمارسه المستبد الفرد أو الزمرة، التفت هذا المستبد إلى ركام القش الذي يغطي به وجه استبداده وتسلطه وقال لهم: « ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [ غافر: 26]وعندئذ يحصل المستبد المبدع على قانون من مجلس القش، ومن مجلس آخر هو مجلس هشيم سماه "مجلس شعب"، يحصل من هذا أو ذاك، أو من كليهما، على قانون يحكم بالإعدام على هذا المحتج وعلى كل من يؤمن بفكره أو يتعاطف مع هذا الفكر، أو يفكر بالتعاطف مع هذا الفكر.
إنه «الإبداع»، الإبداع في ابتكار الوسائل والآليات المعاصرة، التي تضفي على الاستبداد المتعفن من آلاف السنين، نكهة جديدة، تجعله هنيئًا مريئًا سائغًا للشاربين المغفلين والانتهازيين المستفيدين من الاستبداد. أما الإبداع الأشد طرافة، والذي لم يسبق إليه مبدعو العصر، فهو توريث السلطة الجمهورية، حيث يرث الابن أباه في الحكم الجمهوري. أما تعديل القوانين والدساتير واللوائح والنظم القانونية برمتها، فهذا كله من أيسر أنواع العبث وأقلها تكلفة. فحين يكون القانون قميصًا مفصلاً على مقاس المستبد، فإن تبديله، أو تمزيقه وترقيعه أو توسيعه، يكون بديهيًا ومن طبائع الأشياء.
وأما فلسفة التطوير مع الاستمرار والاستقرار، فهي نوع خاص من الإبداع، لتوريث خاص من التوريث. إنه التزام "الخلف، بمنهج السلف" بكل صغيرة وكبيرة من منهج السلف. حتى المواطنون الذين اعتقلهم رجال السلف على سبيل الاحتياط الأمني، أو على شكل رهائن عن أقرباء لهم، وأمضوا في سجون السلف عشرين أو ثلاثين عامًا، حتى هؤلاء احتفظ بهم الخلف لأنهم من "إرث السلف، ومن تراثه". وإلا فكيف يتحقق الاستمرار والاستقرار؟ بل حتى الأطفال الرضع الذين منعهم السلف من تسجيل أسمائهم في سجلات المواطنة لدى أمانة السجل المدني، حتى هؤلاء الأطفال استمر الخلف في منعهم من التسجيل في دفاتر وطنهم، حرصًا على الإرث النبيل الذي تركه السلف، إذ كان تسجيل هؤلاء الأطفال في أمانة السجل المدني، يخيف "الحرس القديم" الذي كان في عهد السلف وهو اليوم "أي: التسجيل" يخيف الحرس القديم والحرس الجديد معًا. إنه الإبداع الحقيقي الفريد، الإبداع حتى في توريث الخوف أو الحقد أو العبقرية السياسية النادرة!
وهكذا تتجلى الفروق الهائلة بين البدع والإبداع. وسبحان القائل: ﴿ إِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل