; منهج السلف الصالح في الرَّد على المخالفين | مجلة المجتمع

العنوان منهج السلف الصالح في الرَّد على المخالفين

الكاتب إبراهيم بن سعد الكلثم

تاريخ النشر

مشاهدات 94

نشر في

نشر في الصفحة 54

لا شك بأن الردود تحرك الهمة في أمة الإسلام وتحرك فيها صفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي الصفة التي فضلت بها على سائر الأمم وامتازت بها.

فالردود حياة الأمة، وروحها، ولكن كما قالوا: ليكن أمرك للمعروف بالمعروف ونهيك عن المنكر من غير منكر.

ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح، فالبلاء الذي ابتلينا به بسبب طائفتين: الأولى تتخوف من الردود بحجة التحام الصف، ووحدة المسلمين، وما علم أولئك المساكين أنهم بطريقتهم هذه يميتون الأمة، ويحيون البدع والمنكرات، فنحمد الله العظيم الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون المبتلى على الأذى.

 أما الطائفة الثانية: من إذا أرادوا أن يردوا على المخطئ جهزوا له الدبابات والمدافع، والقنابل والرشاشات لكي يردوا عليه، وحجة هؤلاء.. يجب أن نفضح المخطئ لكي لا يغتر به الناس وما علم أولئك المساكين أنهم بطريقتهم هذه لا يحققون بها شيئًا، فلو كان الرد لأجل أن يرجع المخطئ عن خطئه ويبرأ إلى الله منه لكان الرد عليه بالتي هي أحسن.. ودستورنا في ذلك ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ﴾ (سورة الإسراء: آية رقم53)   

والرفق لا يكون في شيء إلا زانه.. ولا نزع من شيء إلا شانه، قال أحد السلف: إن البر شيء هين: وجه طليق، وكلام لين. 

وأصبحنا بين طائفتين.. طائفة تمييع، وطائفة تشطيب.. فما العلاج؟ 

إن المؤمن لا ينتصر لنفسه بل لذات الله -عز وجل- فهو كالشجرة إذا رميتها بالحجارة أسقطت ثمرًا طيبًا.

كن كالنخيل عن الأحقاد مرتفعًا

يُرمى بحجر فيرمي أطيب الثمر 

فيالها من قمة.. ﴿ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (سورة إبراهيم، آية: ٢٥)،  فلا خير، ولا أحسن، ولا أجمل من كلمة طيبة.

فالرد بالحسنى مع الإنصاف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (سورة المائدة: آية رقم8)  

ولنعلم أن كل بني آدم خطَّاء وخير الخطَائين التوابون، وإذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد.. ولكل مجتهد نصيب.

من ذا الذي ما ساء قط.

ومن له الحسنى فقط

ويجب على الراد أن لا يفرح لعدم قبول المردود عليه للحق.

بل عليه أن يبكي عليه، ويحزن عليه، ويشفق ويأسف عليه، ويدعو له بالهداية: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ (سورة الكهف: آية رقم6)  

ويجب عليه أن لا يرد حقًّا جاء به صاحبه فالحق يؤخذ من أي إنسان كائنًا من كان، فها هو أبو هريرة -رضي الله عنه- يأخذ فضل آية الكرسي من الشيطان، وليس شرطًا في الردود مقارنة السلبيات والإيجابيات، فإن كان لدى المردود عليه سلبيات تجتنب، ويحذر منها بأسلوب.. ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا.. إلا إذا استفحل الأمر، ودعت الحاجة إلى ذكر اسمه فلا بأس.. وأما الإيجابيات فيؤخذ بها ويدعى إليها إن كانت حقًّا وصوابًا.. ولا شك أن المقارنة بين السلبيات والإيجابيات أفضل وأعدل وأنصف ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ (سورة المائدة: آية رقم8) وفي الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن رجلًا كان كثيرًا ما يشرب الخمر ثم يؤتى به إلى النبي ﷺ فيقيم عليه الحد فجيء به مرة أخرى فجلده فقال رجل: لعنة الله عليه ما يؤتي به، فقال ﷺ: «لا تلعنوه إنه يحب الله ورسوله» أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

وبالحكمة واللين يكون الرد، ليكون أدعى للقبول.. ففي الحديث أن رجلًا دخل المسجد مسرعًا وركع وركض ليدرك الصف فلما انتهت الصلاة قال له عليه الصلاة والسلام: «زادك الله حرصًا ولا تعد» وقصة النبي صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم لا لم تحسن إلى ولا أجملت، فاستخدم معه النبي الحكمة واللين ولو ترك الصحابة -رضي الله عنهم لقتلوه-. 

نريد تلك الأخلاق.. لا نريد أن نكون مقصودين في قول القائل:

إن يسمعوا سبة طاروا بها فرحًا

مني وما يسمعوا من صالح دفنوا

أو في قول القائل:

تريد مبرءً  لا عيب فيه

وهل نار تفوح بلا دخان

 ويجب أن نصحح عيوبنا  أولًا.. لنفسي أبكي

لست أبكي لغيرها

لنفسي من نفسي عن الناس شاغل 

وطوبى لمن شغلته عيوبه عن عيوب غيره

هذه دعوة للتمسك بمنهج السلف الصالح فلا حق ولا هدى ولا صواب إلا ما كانوا عليه فنحن قوم نقتدي لا نبتدئ، نتبع لا نبتدع ولن نضل ما أن تمسكنا بالأثر يجب أن تعمل به وندعو إليه ونصبر على الأذى فيه عن علم وبصيرة.. وأن نرجع إلى العلماء الربانيين في كل شيء، فهم بقية السلف. 

وهدفنا في ذلك رفع راية التوحيد في كل قطر، وفوق كل أرض وتحت كل سماء.

الرابط المختصر :