العنوان من الحياة - أبي.. أرجوك لا تقسو على أمي
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 13-يناير-2007
مشاهدات 62
نشر في العدد 1734
نشر في الصفحة 59
السبت 13-يناير-2007
عقب إنتهاء الأستاذ من محاضرته التربوية لطلاب الكلية، اقترب منه أحد طلابه على إستحياء واستسمحه أن يمنحه قليلا من وقته ليعرض عليه مشكلة شخصية.
قبل أن يعرض الطالب مشكلته على أستاذه استهل حديثه قائلا يعلم الله أني ظللت أكتم مشكلتي داخلي، ولم أبح بها لإنسان أبداً، لكنني لثقتي بك، وشعوري بأنك أب رحيم قبل أن تكون معلمي.. لم أتردد في أن أطلب منك أستاذي. أن أبث ما كتمته داخلي طوال هذه السنين العجاف الشداد.
أستاذي الكريم، أنا شاب جامعي أبلغ من العمر إحدى وعشرين سنة، الابن الوحيد لأمي انفصل أبي عن أمي منذ عشر سنوات طلقها وتركنا، وليته طلقها قبل ذلك بسنين!! بل ليته طلقها قبل أن تلدني! بل ليته ما تزوجها من الأصل!
لا أريد أن أحملك أستاذي، ما لا ذنب لك فيه، مشكلتي التي أود أن أجد لها حلا هي أنني أتصرف تصرفات غريبة عندما أرى المرأة، وهذه التصرفات لا أجد لها تفسيرا. ولم أستطع التخلص منها، وهي تكلفني من الجهد والمشقة والمال ما لا أطيق!
نظر الأستاذ في وجه تلميذه، فإذا بعينيه تنطق بأحزان وهموم وآلام متراكمة، ثم قال: هون عليك يا بني ما هذه التصرفات؟
تورد وجه الطالب حياء وخجلا، وكأنه تردد في أن يبوح بما استودعه صدره من سر، ثم قال: سامحني أستاذي الأمر مخجل لكن لا محالة من إفشائه.. أستاذي الفاضل ربما خرجت من هنا متوجها إلى بيتي، وفي الطريق أرى امرأة، أظل أتتبعها، وأسير وراءها، فإذا ركبت وسيلة مواصلات عامة واستطعت أن أركب معها فعلت بغض النظر عن سير هذه السيدة فريما كانت مسافرة من القاهرة إلى الإسكندرية مثلا، أو متوجهة إلى محافظة أخرى، أو إلى أحد أحياء القاهرة الكبرى... مهلا أستاذي، لا تسئ بي الظن، فوالله لا أبغي ما يبغيه الشباب المنحرف ولا فرق عندي بين سيدة جميلة وأخرى دميمة الجميع عندي سواء، بل ربما ركبت معها مسافة تتجاوز مئات الكيلومترات دون أن أكلمها كلمة واحدة، ولا أمسها بجسدي. بيد أنني أشعر براحة نفسية لا أستطيع وصفها بمجرد أن أراها. وقد وصلت بسلام وأمان إلى بيتها، وبمجرد أن يحدث ذلك أعود لأستأنف رحلة عودتي إلى بيتي قصيرة كانت أم طويلة، وأنا قرير النفس منشرح الصدر مطمئن الفؤاد!!
ما إن انتهى الشاب من حكايته إلا واستغرق الأستاذ في تفكير عميق، وحار في أمر تلميذه، ومما زاده حيرة أن الشاب أقسم له أن ليس له في ذلك من مآرب الشباب المنحرف المتحرش بالنساء. وقد تأكد الأستاذ بحدسه من ذلك.
أستشار الأستاذ رفاقه من أساتذة التربية وعلم النفس، والصحة النفسية، دون أن يبوح باسم الطالب، وظل الجميع يدرس هذه الحالة العجيبة الغريبة.. فماذا وجدوا؟
لقد توصلوا من خلال هذه الدراسة إلى أن والد هذا الطفل كان قاسيا على زوجته، فكان يهينها ويضربها ضربا موجعا، كان هذا الوغد العتل يغلق عليها باب البيت وتنظر حولها وتستغيث فلا مغيت ولطالما استغاثت بطفلها لقلة حيلتها وشدة الضرب وآلامه، لكن الطفل أنذاك كان غضا طرياً لا يقدر على هذا الصنديد..
لقد فسر الأساتذة الباحثون ما يحدث بأن هذا الشاب حدثت له توحد مع الجنس الآخر، فأصبح متعاطفا مع أي امرأة يراها لأنه يرى فيها ضعف أمه المسكينة التي كانت تضرب أمام عينيه وبالقرب منه ولم يستطع آنذاك أن يحميها، فلما كبر وقوي، ووجد لديه القدرة على شيء عله يتمكن منه سابقا، أراد أن يعوض ما فاته، وأن يحقق الراحة النفسية بحماية المرأة أي امرأة. بعد أن كبر وأشتد.
أرأيت. أخي الزوج. كم لقسوتك على زوجتك من آثار خطيرة؟! هل أدركت مدى هذه الخطورة؟! إنها تتجاوز الزوجة إلى أولادك فلذات أكبادك، بل تلازمهم ربما طوال حياتهم، بما تسببه لهم من اضطرابات وأمراض وعقد نفسية.. ليتك تدرك هذه الأخطار.
إن الزوج المسلم الواعي الحكيم يدرك أن المرأة بفطرتها خلقت رقيقة الشعور، سريعة التأثر، كما أنها تشعر بأنها مروؤسة لا رئيسة، ومن ثم فهي أحوج من الرجل إلى اللين والعطف والحنان والأمان، وهي أقرب من الرجل إلى الغضب وإرسال العبرات وانهمار الدموع. لذا أوصانا إسلامنا بحسن معاشرتها، قال تعالى ﴿وَعّاّشرٓوُهنْ بالمعروٌف﴾ (النساء:19)
أما آن لغلاظ القلوب وشرار النفوس من الجبابرة أن ترق قلوبهم وتستجيب نفوسهم لهدي الإسلام العظيم الذي يحفظ عليهم أخلاقهم وزوجاتهم وبيوتهم وعهدهم مع الله؟! أما آن لهم أن يستجيبوا لوصية رسولهم استوصوا بالنساء خيرا؟! (صحيح الجامع).
أما آن لهم أن يسيروا على درب الخيرية الذي رسمه لهم حبيبهم ﷺ: «خياركم خياركم لنسائهم». (صحيح الجامع الصغير)
أما آن لهم أن يتقوا ربهم في نسائهم استجابة لدعوة حبيبهم ﷺ: «اتقوا الله في النساء»؟!! (رواه مسلم).
أما آن لهم أن يقتدوا بأرحم من عاشر نساءه وراعي الفطرة التي فطرهن الله عليها محمد ﷺ؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل