; الجنس في الصحافة العربية | مجلة المجتمع

العنوان الجنس في الصحافة العربية

الكاتب أحمد راؤول

تاريخ النشر الثلاثاء 06-سبتمبر-1988

مشاهدات 200

نشر في العدد 881

نشر في الصفحة 19

الثلاثاء 06-سبتمبر-1988

  • نزار قباني وإحسان عبد القدوس أبرز أدباء الفجور.

الجنس ذلك المثير في عالم الغرائز البشرية، والذي يشد المراهقين الصغار والكبار، خاصة في عالمنا المعاصر الذي تتمزق فيه هذه الغريزة البشرية ما بين كبت قاتل وإباحية مميتة ... هذه الغريزة التي أقرها الإسلام واحترم منافذها الطبيعية من خلال العفة والزواج وضبط الاختلاط بين الجنسين، كيف تتعامل معها الصحافة العربية؟ ومن أية زاوية ونظرة؟

تعال معنا أيها القارئ العزيز في هذه الجولة.

تعريف للجنس:

دعونا أولًا نعطي تعريفًا للجنس، فالجنس لغة يعني النوع ويقصد به الذكورة أو الأنوثة في النوع البشري أو غيره من أنواع المخلوقات الزوجية. وغريزة الجنس تطلق على غريزة المحافظة على النوع، حيث إن الإنسان يلجأ للتزاوج بحكم الفطرة التي جبله الخالق عليها ليحافظ على تكاثره العددي وبقائه في الأرض، وهو من مقتضيات الخلافة البشرية التي أوكلها له الله عز وجل، أما معناه الاصطلاحي فيقصد به مناقشة الغريزة ذاتها والشهوة المرتبطة بها مناقشة مادية بحتة، ولو كان موضوع المناقشة ينحط بالإنسان إلى الحيوانية المطلقة ويجرده من آدميته الكريمة التي نفخ الله فيها من روحه وأمر الملائكة بالسجود لها.

وقد يكون الطرح صريحًا، وقد يكتفي فيه بالإيماء والتلميح دون التصريح.

تعريف الإعلام العربي:

ولكي نناقش وجهة نظر الصحافة العربية دعونا نتعرف إلى المؤسسة الإعلامية العربية التي تمثل صحافتنا العربية جزءًا منها.

فالمؤسسة الإعلامية العربية التي قامت على القصائد الشعرية في عصورها الأولى ثم منابر الخطابة المسجدية في الإسلام، قد قامت على الصحافة في العصر الحديث التي انتقلت إلينا مع المطبعة من الغرب، ثم ضمت المذياع والمسرح فالتلفاز، وانضم إلى المجموعة أخيرًا الضيف الجديد الثقيل: الفيديو!

ولم تقتصر المؤسسة العربية الإعلامية الحديثة على نقلها التقني والفني لأساليب الإعلام والتأثير في الرأي العام من خلال وسائل الاتصال، بل تعدت ذلك -وبسبب الفراغ العقائدي والعقلي- إلى نقل المحتوى والمنهاج الفكري، حيث صار الغرب المثل الأعلى في التكنولوجيا ووسائل الإعلام وفي الفكر كذلك.

ومن خلال الغرب العلماني المادي، انتقل إلى إعلامنا ومنها إلى جماهيرنا تقديس القيم المادية كالشراء والشهرة، وإشباع الغرائز ولو بارتكاب المحرمات دينًا وشرعًا، سرعان ما ظهر أثرها واضحًا في القصة والقصيدة والأغنية والتحقيق الصحفي وفي الصور التي تظهر على الأغلفة والصفحات الداخلية والإعلانات الماجنة.

وأهم ما ساعد على ذلك هو ولادة المؤسسة الإعلامية العربية في حضن الاستعمار الغربي وتحت رعايته، فمن يومها ظل هذا الإعلام مسخرًا لخدمة الحكام وفي أيدي الدولة والمقربين منها.

ومما ساهم في فرض الهيمنة الغربية هو الاهتمام الأمريكي القوي بوسائل الإعلام وفن الدعاية وتكنولوجيا الاتصال والتأثير على الجماهير والرأي العام، وتأسيسها لأهم وكالات الأنباء العالمية، وأبرز المجلات، بالإضافة إلى مدن السينما والشبكات التلفزيونية التي غزت من خلالها أمريكا العالم، ودخلت إلى كل بيت مع دخول الكهرباء والتلفزيون، وانتصرت بها على غريمتها الشيوعية: روسيا.

وقد رافق هذا كما قلنا ضعف العقيدة الإسلامية والفهم الفكري الصحيح للإسلام كدين وكمنهاج عند كثير من رجال الصحافة الأوائل، سواء كان بعضهم من رجالات الماسونية أو كان نصرانيًا كمؤسسي صحيفة الأهرام المصرية وغيرهم، أو من أدعياء الحرية والتحرر من اليساريين والشيوعيين الملاحدة، يضاف إلى قائمتنا هذه أنصاف المثقفين والمرتزقة الحكوميين.

فإلى هذه المؤسسة الإعلامية تنتمي الصحافة العربية الحديثة.

الإعلام التجاري والإعلام المقهور:

وقد كان من أخطر المفاهيم التي انتقلت إلى الصحافة العربية بتأثير الغرب هو المفهوم التجاري للصحافة، مما جعل الصحافي الذي يحرر صحيفة يضع في اعتباره «الدولار قبل الأفكار» بحيث يتعامل مع القارئ من منظور أنه إنسان غير ناضج الفكر ضعيف الوعي، بل إن القهر السياسي والرقابة البوليسية في بعض البلدان أعجزت الكتاب الصحافيين عن مخاطبة العقول فاتجهوا لدغدغة الغرائز إما عمدًا بقصد الإلهاء وإشاعة الفاحشة، وإما لأن مناقشة القضايا الأخرى تؤدي إلى المجهول.

وقد كان للماسونيين أمثال محمد التابعي في مجلة آخر ساعة المصرية، وهو صاحب مدرسة صحافة الفضائح وغيره من الشيوعيين في مجلات روز اليوسف وصباح الخير، أو جرجي زيدان في الهلال دور كبير في تقوية الاتجاه اللاأخلاقي في الصحافة العربية، والذي مهد لظهور جيل ثالث في تاريخ الصحافة العربية يسمى بجيل الصحافة الفنية ومعه ظهرت الصحافة السوداء.

إنها صحافة «الكواكب» و«الموعد» و«ألف ليلة وليلة» و«الشبكة» وغيرها من المجلات الهابطة فطرة وفكرًا وذوقًا ... وقد ظهر مع هذا الجيل الصحافي التائه جيل آخر من الشعراء وأصحاب القصة ممن سودوا صحف هذه المجلات بقصائد ماجنة وقصص لا تخلو من الفجور، يتزعمهم من الشام «نزار قباني» ومن مصر «إحسان عبد القدوس» ومن لبنان «جورج الخوري».

أهانوا المرأة وحطموا الأخلاق:

تحتل الصورة والقصيدة والقصة المساحة الأكبر من الإسفاف الصحافي العربي الذي يغرق في الإيماءات الجنسية إلى حد الثمالة. وقد رافق عقد الستينيات والسبعينيات الذي شهد الثورة الجنسية العارمة في الغرب نوع من التصريح الجنسي في كثير من وسائل الإعلام العربية، وتوجتها المؤسسة السينمائية العربية المنكوبة في فيلمين من أفلام تلك المرحلة هما «سيدة الأقمار السوداء» و«ذئاب لا تأكل اللحم»، وقد تعاملت صحافة العرب وكتابها من أدعياء التحرر والثقافة مع القضية الجنسية تعاملًا ذليلًا، أهانوا فيه المرأة وحطموا أنوثتها وعذريتها من خلال عرضها كجسد خاو للمتعة المادية البحتة واللذة المجردة الحرام، وصوروا الزواج على أنه عقد بيع للجسد مناف للحب والعشق، فحرموا الزواج وأحلوا الزنا(!).

إن أغلفة المجلات ومحتوياتها، والملاحق الأسبوعية لبعض الجرائد اليومية وما تحويه من عري فاضح وصور تفتن الشباب الغض، هي نموذج مثالي للعقلية التي تعمل ضمن مخططات بروتوكولات حكماء صهيون لتكريس انحراف الشباب عن دينه ودفعه إلى الانغماس في الرذيلة فكيف فعلوا ذلك؟

1- الصورة:

تحتل المؤثرات البصرية مكان الصدارة في الصناعة الصحفية، وقد أدرك خبراء الإعلام هذه القضية، لكنهم استغلوها استغلالًا سيئًا على كل الأحوال في مسألة الجنس ... فوضعوا صورة المرأة المتبرجة حاسرة الرأس عارية الجسم على أغلفة المجلات وفي صفحاتها الداخلية وبالألوان والصفحات الكاملة، وخاصة لتلك الفئات التي تنتمي إلى صنف الفنانات، فهذه الفنانة فلانة تمثل في فيلم بلباس البحر، وهذه فلانة الراقصة ببذلة العمل(!) وبكامل ابتذالها، كما أن المعلنين والتجار استخدموا المرأة استغلالًا أسوأ لترويج بضائعهم في صور الإعلانات التي قد تظهر المرأة العارية تمسك بين أصابعها قلم حبر ... 

2- القصيدة:

وهناك ظاهرة القصيدة وخاصة ما أسموها بالشعر الحديث، وكثرة الحديث عن المرأة وجسدها ومفاتنها وانتهاك حرمتها وتعريتها بالحروف والكلمات، حتى تبدو في خيال المراهق جسدًا حيًا تدب فيه الروح، فيتلوى أمام ناظري خياله الملتهب.

اسمع إلى الشاعر نزار الذي تحبه كثير من المراهقات وهو في قمة استهزائه بالمرأة حين يقول في أحد شطري بيت خرب من شعره البذيء:

 فصلت من جسد النساء عباءة ...

وقد برعت المجلات والصحف في استحداث صفحات للمواهب الناتئة والمدفونة في بيوتها، وهي تلثغ بلغة الضاد بشعرها الحديث ولا تفقه من المعاني الجمالية والبلاغية في شعر العرب إلا ما كان يفقهه «شامبليون» من الهيروغليفية قبل اكتشافه حجر رشيد!

3- القصة:

أما القصة فقد ساندت الصورة والقصيدة في إتمام حلقة التخريب الجنسي المتعمد لأخلاق وعواطف المراهقين التي تلاعبوا بها عن عمد لتخريج أجيال تتقن التغزل بالنساء قبل، بل دون معرفة كيفية حمل السلاح وتحرير المقدسات. اقرأ في قصة يوسف إدريس وهو يصف في مجلة باريسية تكتب بلغة العرب: كيف أن مراهقًا يضاجع جاره أهله ورفيقة أمه ... واقرأ على حلقات مسلسلة بسلاسل جهنمية لإحسان عبد القدوس مثلًا قصة تحمل اسمًا تافهًا مثل مضمونها «أرجوك أعطني هذا الدواء» أو «لا أستطيع أن أفكر وأنا أرقص».

4- الموضوع الصحفي: 

وفي هذه المواضيع تناقش هذه النوعية من الصحفيين مسألة من المسائل الجنسية بطريقة مثيرة للشهوات الملتهبة، والتي لا ينقصها عند الشباب الفارغ ذي العاطفة المتأججة والطاقة الجبارة إلا قليل إثارة، بحجة السبق الصحفي أو بحث قضية اجتماعية، ويتم تغليفها ببراءة الموضوعية في البحث، فإلى أي شيء تدعو هذه الموضوعات الصحفية؟ هاكم أمثلة:

- حرية العلاقات الجنسية.

- التثقيف الجنسي في المدارس «على طريقتهم طبعًا».

- تأخير الزواج.

- تخفيف الرقابة على الأفلام «الخليعة طبعًا».

- ضرورة الحب قبل الزواج.

- الصداقة بين الجنسين وحدودها «على الطريقة الأمريكية».

- مشاكل المراهقة وكيف تعالجها الأسرة «كما سبق».

- الحب الأول.

- مخاطر تعدد الزوجات.

إلى آخر هذه القائمة البغيضة التي تحمل في طياتها السم في الدسم. ترى ماذا تكون الحصيلة في مجتمع يكون فيه كل ما يطالب به هؤلاء؟ إن المجتمع الغربي القائم بأمراضه السرية الجنسية الفتاكة وآخرها «الإيدز» مثال حي قائم أمام أعيننا لهذا المجتمع المنحل الذي بدأ يأمر أفراده بالرجوع إلى العفة والتزام الأخلاق التي تلومنا عليها صحافتنا العربية!

نعم ... بمثل هذه العقلية المنهجية في التخريب المتعمد يخاطب هؤلاء أجيالنا المراهقة، وهم يعلمون أنهم يدغدغون الغرائز لتخدير الأجيال المستنزفة عقائديًا وفكريًا وسياسيًا واقتصاديًا؛ كي تبقى أسيرة الخيال الجنسي المريض ومستعبدة الروح في سجن الجسد المادي، وتبقى بلادهم في ركاب العالم الثالث لعشرات السنين، وتحت أنظار وكلاء الاستعمار وأصحاب الثورات والثروات ...

بدعة المجلات الطبية:

وهناك بدعة المجلات الطبية التي يصدرها في الغالب غير متخصصين أو أناس يلهثون خلف كسب سريع أو تخريب متعمد، وتبدأ عادة بالإجابة على بعض أسئلة وهمية للقراء في أبواب مختلفة يكون للجنس فيها نصيب الأسد لاستدرار أسئلة مماثلة من الجمهور المخدوع، واستدراجه لنقاش هذه الأمور بصورة مقززة في أحيان كثيرة وتخلو من الأسلوب الطبي اللبق، إلى حد يثير الشبهة في أغراضها ومقاصدها من الحديث عن المسألة الجنسية بهذه الطريقة الفجة.

وللأسف فإن هذه المجلات مدعية التخصص في مجال الطب، تخوض في أبحاث تخص الجوانب الاجتماعية وتناقشها من وجهة نظر غربية بحتة. ومعظم من يعمل في هذه المجلات هم «مترجمون» عن المجلات الأجنبية، وليسوا أطباء متخصصين غير أن الحائر ص. م والمعذب ب. ك. م لا يعلقون.

والنتيجة؟

والنتيجة هو الترويج للنموذج الاجتماعي الغربي، وصهر المجتمعات الإسلامية تدريجيًا في القالب الأمريكي دون أن يصبح أمريكيًا، فالهدف ليس تنصير المسلمين بل إخراجهم من الإسلام، لأنهم على حد ادعاء المبشر «زويمر» لا يستحقون هذا الشرف ...(!)

إن الجنس في الصحافة العربية يعرض بطريقة مثيرة للغريزة وتنافي الذوق والأخلاق والفطرة السليمة، فضلًا عن أسلوب طرحها لهذه القضية الذي يتعارض تمامًا مع الطرح الإسلامي لها، إضافة إلى تعارضه مع العادات والأخلاق والعرف في مجتمعاتنا الخلوقة عمومًا، كما أنه يساهم بصورة أو بأخرى في تخريب الجيل وتدمير مقدرات وملكات الشباب ... إنهم لا يعالجون هذه القضية بقدر ما يروجون للفاحشة. إن وزارات الإعلام مطالبة بإعادة النظر في هذا الأسلوب، وفي السياسة الإعلانية في الصحف والمجلات والتلفاز قبل أن يصبح الوقت متأخرًا جدًا.

كلمة حق:

شباب الخنادق وشباب الفنادق:

نريد أن نفهم من المسؤول عما يحدث في فنادقنا من استحلال لمحارم الله سبحانه وتعالى؟ فقد ضج الناس بما يرون ويسمعون عن ممارسات غير أخلاقية، تدور في قاعات فنادقنا وأروقتها وخلف أبوابها المغلقة.

في كل بلاد العالم وزارات للسياحة يمكن أن يشكو إليها المرء إذا رأى ما لا يعجبه في مرافق بلاده، أما نحن فنشكو مباشرة إلى الله العلي القدير، إذ إننا نعجب أن يكون في فنادقنا عروض أزياء خليعة، ورقص جريء، ثم الأدهى وهي بعض المشاهد العلنية التي يراها زوار الفنادق من أهل البلد، إذ يرون ما هو خارج عن عقيدتنا، ولم أكن لأصدق ما رأيت بأم عيني لو رواه أحدهم لي، فقد رأيت في صالة أحد الفنادق رجلًا يلف يده حول خصر فتاة وهو يمشي بها وسط قاعة الفندق، وهو يضحك معها بصوت عال، ويهمس في أذنها، ثم يختم همسته بقبلة على خدها!

وأستغرب، وأنا أسأل الله عز وجل اللطف بنا فيما جرت به المقادير، وأنا أسأل نفسي ومن معي:

إذا كنا في حالة استنفار نواجه الأشقياء في الشرق والأعداء في الغرب، يرهقنا تذبذب الدولار، وانخفاض أسعار النفط، وتؤرقنا حرب العراق وإيران، وينغص عيشنا الكساد والتضخم العالميان، ويسرق هنئ أحلامنا اختلاف دول أوبك فيما بينها، ويرعبنا انخفاض مدخولاتنا واستنفاذ مدخراتنا، فما بالنا بعد ضيق الدنيا من حولنا نغضب الله علينا؟

إن بلادنا تحتاج شباب البنادق والخنادق لا شباب الديسك والفنادق، إنها بحاجة إلى شباب الدين والإيمان ... إننا بحاجة إلى الأناشيد الوطنية وليس موسيقى الديسكو ... إننا بحاجة إلى آيات القرآن الكريم وليست أغاني جاكسون!

لا أشك بأن هناك أحدًا مسؤولًا عن هذه الممارسات اللاأخلاقية، وبخاصة ذلك الوجه الذي يبرز مع كل عرض أزياء أو مناسبة سياحية من المناسبات إياها، ولابد لأهل الدين والخير أن ينتصروا لدينهم وأخلاق وعادات الإسلام من هذه الأيدي العابثة، هذه الأيدي التي تروج للفاحشة بين المؤمنين، وتهون شأنها عند الناس حتى تصبح أمرًا عاديًا مألوفًا، نراه اليوم في صالات الفنادق وغدًا في الشوارع ...

الرابط المختصر :