; متى يعود الأدب العربي إلى أصالته وانتمائه الإسلامي؟ | مجلة المجتمع

العنوان متى يعود الأدب العربي إلى أصالته وانتمائه الإسلامي؟

الكاتب الأستاذ أنور الجندي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يوليو-1980

مشاهدات 109

نشر في العدد 491

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 29-يوليو-1980

منبر المجتمع

  • محاذير في تاريخ الأدب العربي الحديث
  • من هم الأساتذة الكبار الذين كانوا يوقِعون بمن يدلهم على الخطأ؟؟؟ 
  • حقيقة أدبية كبرى: الأدب العربي المعاصر انفصل تمامًا عن مصدره الأول.
  • طه حسين سارق لنظرية المستشرق مرجليوث في الشعر الجاهلي!!  
  • بدأ السطو من الأساتذة الكبار.. ولحقهم الصغار!!
  • ذهب الكبار وتركوا حياة أدبية فاسدة على مدى نصف قرن!!

تكشفت في السنوات الأخيرة حقائق أصبح من الضروري معها إعادة النظر في تلك الحصيلة الأدبية الضخمة التي عرفت باسم الأدب العربي الحديث والتي ظهرت على مسرحيات تلك الأسماء اللامعة: طه حسين ومحمد حسين هيكل والعقاد والزيات وزكي مبارك والمازني فقد تبدت حقائق خطيرة أصبحت ذات أثر واضح في مجرى الدراسات الأدبية، أبرز هذه الحقائق هو مجافاة هذا التيار كله وانفصاله انفصالًا تامًا عن مصدره الأصيل وأصله الأول الذي تفرغ منه وهو الفكر الإسلامي!! وذلك في محاولة عاقة متمردة قام بها هؤلاء جميعًا لإعطاء الأدب العربي الحديث منطلقًا عقيمًا عاقًا يقوم على الانفصال عن الأدب العربي خلال أربعة عشر قرنًا وتجاهل تلك الحصيلة الضخمة والخط المتصل والأثر الواضح ومحاولة دراسة صفحات ونماذج وشخصيات من هذا الأدب العربي في مراحل مختلفة دراسة مستقلة لتحكيم مناهج النقد الغربي سواء الفرنسي منه أو الإنجليزي وسواء في نقد الشعر أو نقد النثر وقد كانت هذه التبعية المناهج النقد والتقويم الغربي هي أخطر هذه المحاولات وكان الإصرار على هذا الانفصال على أساس أن الأدب الحديث الذي ظهر في أوائل هذا القرن الميلادي إنما هو «أدب عربي حديث» منفصل تمامًا عن تاريخ الأدب العربي الحافل المتصل وكان في ذلك معنى الخضوع الواضح لعوامل النفوذ الأجنبي سواء بالتبرؤ العقيم من الاتصال بالأدب العربي ومتابعة خطه المتصل حتى بدأ الأدب العربي الحديث وكانه لقيط غير متصل النسب بأصوله وقيمة!! ، وكان إخضاعه لمناهج النقد الغربي الوافد «منهم من خضع للنقد الفرنسي كطه حسين وهيكل وزكي مبارك أو للنقد الإنجليزي كالمازني والعقاد» هذا الخضوع كان محاولة أخرى لعزل الأدب العربي الحديث عن مكانه الطبيعي باعتباره وحدة من وحدات متصلة للفكر الإسلامي يجب أن لا تنفك عنه ولا تنفصل.

ومن يتابع أسلوب النقد الأدبي يجد تلك التبعية للمناهج الوافدة التي تحاكم الانسان والبيئات على أساس مادي خالص وخاصة منهج تين وبرونيتر وغيرهما التي صدرت أساسًا عن الفكر المادي الغربي الذي ينظر إلى الإنسان على أنه مادة خالصة : خاضعًا للجنس والقمة العيش وهي مذاهب أدبية إستمدت وجودها من نظريتين أساسيتين نظرية التفسير المادي للمنازع ونظرية التحليل النفسي لفرويد وكلاهما يعتبر الإنسان حيوانًا خاضعًا الشهوتي البطن والفرج ليس إلا وبذلك خرجت مذاهب النقد عن المفهوم الإسلامي الجامع الأصيل الذي ينظر الى الإنسان على أنه جماع روح ومادة وعقل وقلب كذلك فإن معارك النقد قد ثبت تمامًا ما وصمت به من أنها قد قامت على الخصومات الشخصية والسياسية فضلًا عن أسلوب الأقذاع والهجاء العنيف التي إتسمت به هذه المعارك وخاصة ماكتب في كتابي الديوان«العقاد والمازني» والشعور«الرافعي» كذلك فقد خضعت التراجم الأدبية لهذا الإتجاه وإنفصلت عن الإطار العام وأوغلت في الإنحراف حين أبرزت صور بشار وإبن الرومي وأبي نواس وعشرات من الشعراء الذين عرفوا بالإباحية والهجاء وقد صور هؤلاء على أنهم أبرز شخصيات الأدب العربي بينما تجوهلت تلك الشخصيات الرفيعة العالية من الكتاب والشعراء والمفكرين البارزين بحجة أن ما يكتبونه ليس أدبًا وإن الأدب هو ما يتصل بأهواء النفس والجنس والغزل والهجاء وإن ما عداه لا يدخل في باب الأدب وذلك مفخر آخر من مفاخر قصاد النظرية الأدبية جملة.

ولقد برزت في الأفق في السنوات الأخيرة حقائق أدبية جديرة بأن تكون موضع نظر الباحثين في تاريخ الأدب العربي الحديث، أبرزها ما أطلق عليه «فساد الحياة الأدبية».

وتلك التقاليد التي أدخلها«الأساتذة الكبار» وما يتصل فيها بفساد المناهج الجامعية وإستعلان أسلوب السطو على الكتب. 

وقد كشف هذه الظاهرة الدكتور محمد نجيب البهتيمي في مقدمة كتابه عن المتنبي وقد سجلت الظاهرة خطرًا كبيرًا وشرًا كثيرًا، وصم الحياة الأدبية بأشد ألوان الإضطراب وكشف عن أن كل ما أصدرته من أحكام كان خاضعًا للأهواء البشرية المضلة.

يقول الاستاذ شاكر كان من عائدة«الأساتذة الكبار» وهي عادة بثت في حياتنا الأدبية إلى اليوم فسادًا ساحقًا أنهم كانوا يخطئون في العلن ويتبرأون من أخطائهم في السر وكانوا لا يصبرون على من يدلهم على الخطأ ويستنكفون كبرا أن يؤوبوا إلى الصواب بل كانوا لا يتورعون بالايقاع بمن يدلهم على الخطأ ويتعقبونه بالأذى من وراء حجاب».

وهذا المعنى الذي أشار إليه الأستاذ شاكر وأوضح وضوحًا شديداً في قضية الدكتور طه حسين كان يهمس بأراء تخالف ما أذاعه في كتبه، ولقد أشار زكي مبارك غير مرة إلى أن طه حسين كان يتعقبه بالأذى نتيجة إختلافه معه في الرأي أو الكشف عن خطأ من أخطائه وان لم يكن يرد على دعاواه بل كان يدبر له المكائد في رزقه في الخفاء .

كذلك أشار الاستاذ شاكر إلى أن الأساتذة الكبار كانو لا يحبون إلا الثناء المحض المصفى الخالص من كل شائبة فإذا جاءهم غير ما يحبون تنمروا لمن أتاهم به تنمر من لا يبيت على«منة أن حقد».

هذا هو النهج الذي عرف به الأساتذة الكبار في أسلوب تعاملهم مع زملائهم وتلاميذهم وقد أشاعوه في الحياة الأدبية سنوات طوالا ونشأ عنه ذلك النفاق العجيب الذي أفسد كل شيء ويشير الأستاذ شاكر الى مسألة السرقة والسطو التي كانت إحدى طبائع الأساتذة الكبار فيقول: إن طه حسين أمضى عاماً كاملًا يتحدث عن نظرية الشعر الجاهلي وانتحاله نظرية كتبها المستشرق مرجليوث وقرأها شاكر قبل أن يتحدث عنها ومع ذلك فقد أصر الدكتور طه حسين على أن النظرية من محصوله ولم يشر من قريب أو بعيد للمصدر الذي أخذ منه مع أن كتاب الشعر الجاهلي بالنسبة لبحث مرجليوث لا يزيد عن أن يكون «حاشية الدكتور طه على متن مرجليوث» يقول: أن هناك قضية السطو على أقوال الناس وآرائهم وأعمالهم ثم ادعاء . 

تملكها تملك عزيز مقتدر، ثم الاستعلاء بهذا الملك المغصوب والاستطالة به على الناس وأبشع من ذلك ان ينكشف أمر هذا الغصب والسطو و يتسامع به الناس ويدل الكتاب على الأصل المغصوب كتابة موثقة منشورة، فلا يبالي الساطي بشيء من ذلك كله بل يزداد جرأة وتيها وادعاء واستعلاء واستطالة، كان الذي قيل عن سطوه لم يقل، وكان ظهور سطوه فضيلة ترفع من قدره تنوه به في المجامع. 

يقول الأستاذ شاكر دخلت الجامعة ومعي متن مرجليوث في مسألة الشعر الجاهلي مصغيًا إلى استاذنا الدكتور طه. 

كنت أقرأ المتن بعيني وأسمع الحاشية على المتن بأذني وأخذني ما أخذني من الحيرة والدهشة. 

كل يوم أقول لنفسي، عسى ولعل وأتوقع أن يذكر الدكتور طه إسم- مرجليون مرة، وينسب إلى الرجل رايه في مسألة الشعر الجاهلي. 

مجرد إشارة وذهب توقعي باطلًا هذرًا لم أسمع من إلا إنتهى بي البحث وإذا كل شيء منه هو يبدأ، وإليه هو ينتهي، كيف يكون هذا والمتن أمامي أقرؤه بعينين مبصرتين وكل شيء يقوله الدكتور طه من هذا المتن وحده يبدأ وإلى المتن وحده ينتهي بالحيرتي وعجبي لو مرة واحدة ذكر الدكتور طه اسم«مرجليوث» لنجوت من هذه الغول التي كانت تفزعني وتتشبث بي، ثم يقول: وقفت أجادل الدكتور طه في المنهج والشك حتى إنتهرني ثم إستدعاني فدخلت عليه فعاتبني وأنا صامت لا إستطيع أن أرد، لم إستطع إن الكاشفه أن محاضراته التي نسمعها مسلوخة كلها من مقالة مرجليوث لأنها مكاشفة جارحة من صغير إلى كبير ولكني كنت على يقين من أنه يعلم أني أعلم من خلال ما أسمع من حديثه ومن صوته ومن كلماته ومن حركاته أيضًا ولكني من يوقن أيضًا لم أكف عن إذاعة هذه الحقيقة التي اكتمها في حديثي مع الدكتور طه وهو أنه سطا سطوًا كريهًا على مقالة المستشرق الأعجمي فكان بلا شك يبلغه ما أذيعه بين زملائي.

وإشتد الأمر وتدخل بعض على مدى نصف قرن الأساتذة كالأستاذ تلينو والأستاذ جويدي من المستشرقين وكنت أصارحهما بالسطو وكانا يعرفان ولكنهما يداوران إلى أن جاء اليوم الذي عزمت فيه على أن أفارق مصر لا الجامعة وحدها ويدفع الأستاذ محمد محمود شاكر العصر الأدبي كله حين يقول :كانت قضية السطو فيما قبل ۱۹۲۸ تسير على إستحياء وكان ما بقي من أخلاق الناس في الناس يكف من خطواتها في حياتنا الأدبية ولكن لما ثارت مسألة الشعر الجاهلي في الجامعة وعلم من لم يكن يعلم أن الذي قيل فيها إنما هو سطو مبين على مقالة مارجليوث إختلف الأمر إختلافًا شديدًا فالجامعة وجميع أساتذتها يومئذ قد علموا علمًا يقينًا ان كتاب«في الشعر الجاهلي» قائم على السطو على مقالة مرجليوث بحذافيرها ومع ذلك فقد إبتلعت الجامعة وأساتذتها هذا السطو ثم تستروا عليه، لا بل حاطوه بالرعاية وبالعصبية فكان ذلك إقرارًا بالصمت لهذا المبدأ فمن يومئذ أخذ من كان بالأمس يستحي أن يوصم بالسطو يخلع برقع الحياء عن وجهه شيئًا بعد شيء وإستحدث كل منهم وسيلة من الوسائل وأسلوبًا-من الأساليب يجعل هذا السطو يبدو ضربًا من التجديد في دراسة الأدب وفي إنتاج الأدب. 

وبدأ السطو من بعض الأساتذة الكبار تزداد أساليبه خبثًا ونكرًا ودهاء ومكرًا يومًا بعد يوم تحت سيطرة الإرهاب الثقافي الذي تولى كبره الأساتذة الكبار وتسهل من أمره ماكان يستصعب وبدأ الكبار يستغلون الصغار أيضًا ويدربونهم على السطو الصريح بأساليب تخفى شيئًا من مصالحه ودارت العجلة ولم تزل تدور وجاء جيل بعد جيل أصاب طريقًا نافذًا فسلك وإستقر الأمر على ذلك في حياتنا الأدبية الى اليوم لا أقول لك في البحث الأدبي والعلمي بلا إستثناء إلا من عصم الله وهم قليل وليت الأمر وقف عند ذلك القدر من المكر والدهاء، ليته وقف، ولكن انحدر بعد الى هوة السطو الحر وقرارته وإنحدر إليها بلا قناع إلا قناع الزمن الذي يسدله على أعمال الناس بالتقادم، مثال ذلك كتاب كان صاحبه يحميه حيًا، فلما هلك هلكت معه الحماية وأسدل الزمان عليه قناعه يأتي أستاذ فيعيد نشره بنصه كما كان. ولكن عليه إسمه هو و يرتفع الأمر إلى المحكمة فتحكم بأنه سطو دون أن تلجأ إلى خبير من أهل هذا العلم، لأن الأستاذ قد أغنى المحكمة عن إرهاق الخبير. 

كان سطوًا جراء سطرًا سطرًا ثم مات الأمر وإبتلعته حياتنا الأدبية إبتلاعًا حرًا، بلا استثناء لا باليد ولا باللسان ولا بالقلب.

وإذا بلغ الأمر هذا المبلغ فلا ريب في أن السطو الخفي المتقن الذي يلبس طليسان الجامعة–برد الأستاذيه أو يختال في ثياب موشاه من البحث العلمي، خليق أن يعد عندنا في حياتنا الأدبية تسابيح عبادة في محراب الفنون والآداب.

و يقول الأستاذ شاكر: اتلفت اليوم الى ما أشفقت منه قديمًا من فعل «الأساتذة الكبار» لقد ذهبوا بعد أن تركوا من حيث أرادوا أو لم يريدوا حياة أدبية وثقافية قد فسدت فسادًا وبيلا على مدى نصف قرن، وتجددت الأساليب وتنوعت وصار السطو على أعمال الناس أمرًا مألوفًا غير مستنكر، يمشي في الناس طليقًا عليه طيلسان البحث العلمي وان لم يكن محصوله إلا ترديدًا بقضايا غربية، صاغها غرباء صياغة مطابقة لمناهجهم ومنابتهم ونظراتهم في كل قضية واختلط الحابل بالنابل، قل ذلك في الأدب والفلسفة والتاريخ والفن أو ما شئت فانه صادق صدقًا لا يتخلف فالأديب مصور بقلم غيره، والفيلسوف مفكر بعقل سواه، والمؤرخ ناقد للأحداث بنظر غريب عن تاريخه، والفنان نابض قلبه بنبض أجنبي عن تراث فنه..وإرحمتاه!! 

الرابط المختصر :