; نحو إصلاح جذري في الجامعة (2) | مجلة المجتمع

العنوان نحو إصلاح جذري في الجامعة (2)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 18-مايو-1971

مشاهدات 111

نشر في العدد 60

نشر في الصفحة 8

الثلاثاء 18-مايو-1971

 فوضى اختيار الأساتذة تحطم المعايير السليمة.. وتجر التخلف إلى الجامعة!
- فوضى ترقية الأساتذة.. وتقديم الذي هو أدنى على الذي هو خير..!

مقدمة

      تركزت الحلقة الماضية بصفة رئيسيّة على الخلل في نظام الجامعة العام، وهو سلب أعضاء هيئة التدريس حريتهم العلمية، واستقلالهم الفكري، وحقوقهم المشروعة في القيام برسالتهم التعليمية السامية، وبالتالي فاعليتهم في بناء هذه الجامعة الناشئة، وتربية أبنائها.  
ويبتدئ ذلك في المركزية السعيدة التي تتمتع بها إدارة الجامعة بغير مبرر منطقي ولا سبب عملي...!!،
والتخلف الواضح الذي تعانيه الجامعة عن ركب الجامعات، من أجل ذلك كان ختام الحلقة الماضية هذه الكلمات:
«الحقيقة التي ينبغي التركيز عليها هي: أنه قبل أن تحدث هذه الإصلاحات الجذرية في نظام الجامعة لا يجدي أي ترقیع آخر، فمن هنا يبدأ التغيير وينطلق الاتجاه الصحيح في مداره الطبيعي، ويقوم على أسس قوية ومتينة...».

وفي هذه الحلقة وفي حلقات قادمة إن شاء الله نناقش بعض النتائج المترتبة على المركزية العاتية في إدارة الجامعة، والتي تنعكس بجلاء في أسلوب اختيار الأساتذة من عرب وأجانب، وترقيتهم، وبدعة الأساتذة الزائرين، وخطورتهم، ومشاكل البحث العلمي في الجامعة كثيرًا ما تردد أن شعارها «أنها جامعة للبحث العلمي والتدريس، ولیست للتدريس والبحث العلمي»، ومستوى الطلاب والخريجين، ووضع المعيدين المقيمين والمبتعثين، وطرائق التدريس والامتحانات.... إلخ.
 لعل مثل هذا النقد الهادف البناء يلقي بصيصًا من نور أمام المسؤولين عن هذه الجامعة.. ويساعد في إدارة دفتها إلى الوجهة الصحيحة لتؤدي الرسالة الملقاة على عاتقها على الوجه الأكمل والأمثل، في مجتمع ينتظر من هذه الجامعة وأمثالها الشيء الكثير.
وقبل أن نخوض في ذلك نود أن نؤكد إيماننا بجامعتنا الفنية، واعتزازنا بها، وحرصنا عليها وعلى سمعتها وسمعة أساتذة أجلاء بها، وعلى مستوى طلابها وخريجيها؛ لأن الجامعة قبس من نور في ليل دامس، الناس من حولها أحوج ما يكونون لنورها...!!.
ونود أن نؤكد أيضًا عن دراسة وتمحيص أن من بين أعضاء هيئة التدريس في جامعة الكويت كثيرين تفخر بهم أيّ جامعة في العالم وتعتز.. فهم قممٌ في علمهم وحجج في تخصصاتهم.. ومثل تقتدي في أخلاقهم ومسلكهم.. ولكن لا بد لكي تعرف العمالقة من وجود شخصيات باهتة إلى جوارها، وهذا أمر طبيعي في أي تجمع للبشر.. ولكن حينما تجري الأمور في مجراها الطبيعي ترى التفاوت بين العمالقة، ومن هم دون ذلك تدريجي مقبول.. ولكن حينما تتدخل الأهواء الشخصيّة، والرغبات المتضاربة نرى الأمور توسد إلى غير أهلها.. وتوضع في أيد غير مناسبة لها فتصبح معاول هدم بدلًا من أيدي بناء، وشتّان ما بين هادم وبان...!!

بعد إجراء الإصلاح الجذريّ.. دور اختيار الأساتذة

بعد إجراء الإصلاح الأساسي هناك أخطاء كثيرة في الجامعة يجب أن تُقوّم وتعالَج، من هذه الأخطاء الطريقة التي يتم بها اختيار الأساتذة في جامعة الكويت، إن الشيء الطبيعي والمتعارف عليه في جامعات العالم لاختيار الأساتذة هو:
أن يعلَن عن الوظيفة في مجلات عالمية، ثم تكون نخبة ممتازة من متخصصين للحكم على مقدرة المتقدمين وكفاءاتهم واختيار أفضلهم، وهذه الطريقة مبنية بالنسبة للعالم العربي بالذات على واقع ملموس وتقديرات صحيحة، ففي أوروبا وأمريكا العديد من العلماء العرب الأكفاء في مختلف مجالات التخصص يمكن أن يتقدموا إذا تم الإعلان على هذا النحو.

وأكدت تجربة هذا العام هذه الحقيقة، فبعد أن أعلنت جامعة الكويت عن بعض الدرجات الخالية فيها انهالت عليها الاستجابات من مختلف أنحاء العالم.
لكن لم تتبع جامعة الكويت هذه الطريقة بصورة مطردة وثابتة، لقد كان إعلان هذا العام استثناءً.

أمّا القاعدة الثابتة في اختيار الأساتذة فهي موغلة في الغرابة والتخلف...!!، فهناك لجنة طواف لاختيار الأساتذة تطوف هنا وهناك، ثم تأتي بمن تريد ليُدرّس في جامعة الكويت!، وإذا كان العدول عن الإعلان العام إلى هذه الطريقة يترك المجال لاستنتاجات غير مريحة قد تكون خطأ، وقد تكون صوابًا، ولكنها على كل حال ليست في صالح الجامعة قط ولا في صالح سمعتها، فإن من المؤكد أن اختيار الأساتذة بهذه الطريقة لن يخلو من التدخل الشخصي وهناك العديد من الأمثلة على ذلك، ولقد تبدّى ذلك في عدة ظواهر.
 إن اختيار الأساتذة عن طريق لجنة طواف سيتعدى مسألة استقدام الأستاذ إلى مكانته في الجامعة، ومن ثم رأينا أساتذة كبارًا في علمهم ومكانتهم يؤخرون؛ ليقدّم عليهم من هو دونهم كفاءةً وعلمًا!!.
إن العالم العربي قد طحنه التخلف طحنًا من جرّاء تقديم الذى هو أدنى على الذي هو خير، وما من مرفق من مرافق العالم العربي إلا وهو يضجّ من هذا البلاء الذي يغمط الكفاءة، ويرفع من لا يستحق على من يستحق، وإذا كان هذا الوضع المتخلف يُجرى خارج الجامعات فينبغي ألا تجرّه جامعة الكويت إلى داخلها؛ حتى يشمل التخلف جميع الأمة متعلمها وجاهلها سواء.
وتبدى التدخل الشخصي في ظاهرة ملفتة وواضحة هي طغيان نسبة أساتذة جامعة الإسكندرية في جامعة الكويت على غيرهم من أساتذة الجامعات المصرية الأخرى، وحين يقرأ أي أستاذ في جامعة الكويت هذه الفقرة يدرك حقيقة مغزاها ومدلولها...!!.

على أنه ينبغي التوكيد أن هذا الكلام لا يعني قط سدّ الباب في وجه أساتذة جامعة بعينها، ولكن لماذا تنفرد جامعة الإسكندرية بأغلبية ساحقة من أساتذتها وموظفيها في جامعة الكويت؟!.
 هناك كفاءات مماثلة على الأقل في جامعات بغداد، والبصرة، والموصل، ودمشق، وحلب، بل في جامعات القاهرة، وعين شمس، وأسيوط... إلخ.. فلماذا اختل ميزان المساواة -على الأقل- في استقدام الأساتذة ورُجّحت كفة جامعة الإسكندرية على كفة غيرها من جامعات أخرى نعيش معها في قطر واحد بغض النظر عن جامعات عربية أخرى عديدة؟!.

* وبالرجوع إلى النشرات التي تصدرها جامعة الكويت بأسماء أعضاء هيئة التدريس والموظفين بها يمكن ملاحظة طغيان نسبة أعضاء هيئة التدريس والموظفين القادمين من جامعة الإسكندرية على نسبة غيرهم القادمين من الجامعات العربية الأخرى.

وتبدى التدخل الشخصي في ظاهرة اختيار أساتذة مقيمين غير عرب، لا يعرف عن حقيقة شخصياتهم شيئًا، وقد يكون فيهم الصهيوني الحاقد، أو الصليبي المتعصب، أو الاستعماري المُعادي للعرب.. إلخ، ولقد حدث فعلًا أن صدرت من بعضهم مواقف خطيرة أدّت إلى إبعادهم من الكويت في سنوات ماضية، وهؤلاء لا يزيدون كفاءةً عن الأساتذة العرب الموجودين في الخارج، هذا بالإضافة إلى أن بعضًا من الأساتذة الأجانب في جامعة الكويت يعاني ضعفًا في الإنجليزية، مما يصعّب مهمة الطلاب في فهمهم والإفادة منهم، ومع كل هذه المثالب والسلبيات تستقدم الجامعة هذا النوع من الأساتذة.. فلماذا؟!.
ظاهرة الإقدام على تحطيم تقليد محمود وسائد التزمت به دولة الكويت، وهو ألا يدخل مجال التربية غير مسلم؛ لكي لا يفسد عقيدة الشباب من خلال مادته ومنصبه وصلته بالطلاب، والتزمت الجامعة بهذا التقليد الأصيل حتى هذا العام، لكنها أقدمت على تحطيمه بالنسبة للعام القادم، فهناك أسماء مسيحية كثيرة رُشحَت لمناصب قيادية في الجامعة للعام القادم.

إزاء هذه الأخطاء جميعًا فلا بد من العودة للإعلان العام في اختيار الأساتذة؛ حتى يتمكن العلماء العرب الأكفاء من تلبية ما تطلبه الجامعة، وحتى تُجرد عملية الاختيار من التدخل الشخصي، وحتّى نغلق الأبواب -بقدر الإمكان- في وجوه الخصوم المتسترين بالعلم والخبرة..

 

ترقية أعضاء هيئة التدريس

        في جامعات العالم المتقدم تُشكّل لجان محايدة من داخل الجامعة ومن خارجها؛ لدراسة الإنتاج العلمي المتقدم، وتقييمه ثم تُرفع تقريرها إلى إدارة الجامعة عن حقه في الترقية، ومعروف أن مراتب هيئة التدريس في جامعات العالم تتراوح بين درجات ثلاث، ففي أمريكا:

1-  أستاذ مساعد.

2-  أستاذ مزامل.

3-  أستاذ.

وهناك درجات للمتفرّغين من الباحثين الذين لا يقومون بأعباء تدريسية كبيرة، ولمن يُحال إلى التقاعد، وترى الجامعة ضرورة الاستمرار في الإفادة من خبراته، وفي بريطانيا:

1-  محاضر.

2-  محاضر أول.  

3-  أستاذ.

بالإضافة إلى درجة لا تُمنح إلا للمتفرّغين للبحث من أعضاء هيئة التدريس، وتُعرف باسم درجة «القارئ».
 وهذه تُمنح للمبرّزين من العلماء الذين أثبتوا كفاءة في مجال البحث، ولا عبرة لأعمارهم أو سنين خدمتهم، وهذه الدرجة مساوية من الناحية المادية لدرجة الأستاذ، ومن الناحية الدراسية يُفرغ للبحث العلمي فيما عدا بضع محاضرات تربطه بالطلاب في العالم العربي، أما في جامعة الكويت:
              1- مدرس.

2- أستاذ مساعد.

3- أستاذ.

ثم أُضيفت درجة محاضر بين المدرّس والمعيد، واعتُبِرت درجة المعيد وظيفة دائمة، وهذا خطأ له أضراره البالغة على مستوى البحث العلمي وسيره، وعلى التدريس في القسم.
في الحقيقة أن درجة محاضر في النظم الجامعية المختلفة مساوية تمامًا لدرجة مدرس، وهي تُرادف لفظًا درجة مدرس.


وهنا يفد سؤال هام جدًا، وهو: ما هي الدوافع الحقيقيّة التي حملت جامعة الكويت على إنشاء مثل هذه الدرجة؟! وما هي حقيقة مسؤولية المحاضر حيث إن المدرّس يُحاضر، والمحاضر يُحاضر؟!

 لقد ظلت تقاويم جامعة الكويت تخرج كل سنة واضعة درجة المحاضر في مرحلة وسطية بين المعيد والمدرّس، وكان هناك فردان فحسب يشغلان مثل هذه الدرجة، سافر أحدهما لاستكمال درجة الدكتوراه، وبقي الآخر، ثم خرج تقويم ١٩٦٩/١٩٧0م وهو يقفز -بغتةً- بالمحاضر فيضعه بين الأستاذ والأستاذ المساعد متخطّيًا درجة مدرّس وأستاذ مساعد، محطّمًا بذلك كل اللوائح الجامعية في العالم، وفي الكويت أيضًا.
وصدر الدليل بأسماء أعضاء هيئة التدريس هذا العام، وقد تخطّى فيه السيد المحاضر كل من كان قبله من المدرّسين والأساتذة المساعدين، وهو إجراء ينسخ لائحة الجامعة ذاتها ويبطل صلاحيتها، ولقد كانت الكشوف مثارًا للحديث، حيث أوردت الصفحة بعد الصفحة وقد قلَّت فيها خانة المحاضر إلا من اسم واحد فقط!!!.
* وبالرجوع إلى الكتاب الذي أصدرته الجامعة تحت عنوان «الآثار العلميّة لأعضاء هيئة التدريس» يتضح أن هناك عددًا من أعضاء هيئة التدريس قد رُقّوا إلى درجة الأستاذية، دون أن يكون لهم إنتاج علمي يُذكر، وهذا يخالف أبسط قواعد العرف الجامعي في مختلف أنحاء العالم.
ولسنا هنا في مجال تقييم هذا الشخص؛ لأننا لا نملك ذلك، أو مناقشة أهليّته في المنصب العلمي الذي يشغله فذلك موضوع آخر.. ولكن إن تمت الترقية بهذا الأسلوب العفوي الذي لا يربطه رابط، ولا تحدّه حدود فهذا ما يدعو إلى العجب في أمر جامعة ناشئة ينبغي أن يكون التزامها بالأعراف الجامعية العالمية أقوى من مثيلاتها التي سبقتها على هذا الطريق؛ وذلك لكي تؤسس نفسها على تقاليد راسخة من بداية الطريق.

 ليس هذا هو المثل الوحيد لفوضى ترقية الأساتذة في جامعة الكويت، فقد صعد إلى أعلى كثير من الأساتذة في هذا العام والأعوام السابقة صعدوا إلى أعلى بغير تقييم علمي سليم، وبغير حق واضح، بينما أوقفت ترقية كثير من الأكفاء الذين أثبتوا في مجالات تخصّصاتهم العلمية والتدريسية كفاءةً تعتز بها أي جامعة.
وليس هذا مقام إيراد الأسماء، ولا بد من الإشارة هنا إلى أن العرف السائد في جامعات العالم لا يقرّ منح الأستاذ الواحد تعيين علميين مختلفين في وقت واحد، بمعنى أن يكون أستاذًا مساعدًا في جامعة، وأستاذًا في جامعة أخرى ذلك أن عضو هيئة التدريس إذا غيّر من جامعة إلى جامعة أخرى، فإنه يُعار بلقبه العلمي، ولا يرقى إلى اللقب الذي يليه إلا إذا حدث ذلك في جامعته الأصلية.
فيبدو أنه في «جامعة الكويت» ترى أساتذة كثيرين يحملون في جامعاتهم التي أُعيروا منها ألقابًا علمية أقل من اللقب الذي يحملونه في جامعة الكويت.. ومنهم رؤساء أقسام!!، وهذا في ذاته قليل، قليل ... من كثير... كثير... كثير...!!.

 والأساتذة الزائرون..

إلى جانب هذه الفوضى، هناك فوضى أخرى في استقدام الأساتذة الزائرين.

 الفكرة -موضوعيًا- مقبولة، ولكن هناك ملابسات وشبهات تكتنف تنفيذها الآن، فإن كثيرًا من الأساتذة الأجانب -غير العرب- ليسوا معروفين لأحد في الجامعة، وقد يكون منهم اليهودي، والصليبي الحاقد، والصهيوني المتربّص المتآمر، ورجل المخابرات... إلخ، ثم إن أغلبهم يتحدث بأسلوب فوق مستوى الطلاب بمراحل؛ فلا يتمكن الطلاب من الإفادة منهم.
 ومجيء الأستاذ الأجنبي في وقت محدد من السنة يقطع سلسلة الاستمرار في المحاضرات، ويؤدي إلى ارتباك في مسيرة المنهج، وهو نظام أثبت فشله في السنوات الماضية، ونصحت الجامعة بإلغائه.. أو على الأقل تأجيله.. فهو لا يعنى الآن سوى مظاهرة إعلامية تخسر فيها الجامعة من آلاف الدنانير ما لو أُنفق على البحث العلمي ومتطلباته المتزايدة والمتنوعة، سواء هنا بالكويت أو في حضور المؤتمرات العالمية لكان له أثر عظيم، وأهم مما يتركه أثر أسابيع قليلة يقضيها نفر من هؤلاء الأجانب في الجامعة ثم يعودون إلى بلادهم.. لا يكادون يذكرونها بكلمة خير.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 42

159

الثلاثاء 05-يناير-1971

الجامعة والأساتذة الزائرون[1]

نشر في العدد 5

152

الثلاثاء 14-أبريل-1970

هل نستجيب؟