العنوان معركة المسميات هل تستمر؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-أبريل-1996
مشاهدات 139
نشر في العدد 1196
نشر في الصفحة 53
الثلاثاء 16-أبريل-1996
قد يكون من سمة هذا العصر ومن معالمه خداع الأسماء، ووهم المسميات، وقد يكون من لزوميات القهر فيه، وآليات الضغط في ثناياه إلصاق التهم، وانتحال الافتراءات، وحصار الضحايا بشباك السراب الزائف وأسوار الوهم الخادع، حتى تقع الفريسة بين مخالب السباع المفترسة، وتسقط بين أظافر الوحوش المجنونة، فقد يطلق أي شيء على أي شيء، ويرمز لأي أمر بأي معنى، ولا تتدخل اللغة أو معاني الكلمات اللغوية في تحديد المسميات أو ضبطها، بل تشعر في كثير من الأحيان أنك أمام لغة جديدة تنشأ إنشاءً، وتصاغ مفرداتها صياغة توافق خطاب الامتهان والبهتان الذي تدار به الشعوب، وتواكب ترانيم آلهة الأهواء، وإيحاءات فراعنة العصر، فقد يسمى البريء مذنبًا، ويطلق على الظلم عدل، ويعاقب الشريف ولا تهمة، ويحاسب ولا جناية:
حبسوه قبل أن يتهموه
عذبوه قبل أن يستجوبوه
أطفؤوا السيجار في مقلتيه
عرضوا بعض التصاوير عليه
قل.. لمن هذي الوجوه؟
قال: لا أبصر.. قصوا شفتيه
طلبوا منه اعترافًا عمن جندوه
لم يقل شيئًا....
ولما عجزوا أن ينطقوه شنقوه
بعد شهر برؤوه!!
أدركوا أن الفتى ليس هو المطلوب
بل أخوه!!
ومضوا نحو الأخ الثاني
ولكن وجدوه ميتًا من
شدة الحزن فلم يعتقلوه!!
بل أخذوا أبوه!
تركوا الأطفال ثكلى ثم رجعوا
إلى البيت فهدموه!!
نحن في دنيا عجيبة، قصصنا صارت غريبة، متاهات، جنايات، أطفال يتامى، أيام حبالى، يتساءل الناس من يفهم شيئًا؟ من يبصر ضيًا؟ ومن يستطيع حل رموز اللغة الملعونة، أو فهم خطاب الآلهة المجنونة؟
لا بد يا صديقي من عقلاء لرد الهجمة الشرسة، وإضاءة الطريق المظلمة، ولا بد من حكماء يضعون الأمور في نصابها، ويسمون الأشياء بأسمائها، ويثبتون الحقائق في أماكنها، ويكشفون الضلال، ويقذفون بالحق على الباطل فيدمغه، إن هناك بعض مصطلحات يستغلها أعداء الأمة اليوم لهتك حرماتها، وكسر شوكتها، وتركيعها وترويعها، لا بد من بيان دلالاتها ومعانيها، ومعرفة ما يقابلها من معان ومفاهيم؛ حتى يتضح الحق من الباطل، لا بد من بيان معنى التطرف والإرهاب، كما لا بد من معرفة بالمقابل بمعنى الطاغية، والمستبدK والدكتاتور، والظالم، والباغي.
كما لا بد أن تعرف معاني كلمات أخرى مثل: الجهاد والكفاح، حتى لا تلتبس الأمور، وتضيع المعالم، ويحسن بنا أن نعرف بعضًا من المصطلحات التي تتسبب غالبًا في الإرهاب، وتكون دافعًا له في الواقع المشاهد والمنظور، فنبدأ بتعريف الطاغية:
يقول جون لوك: «ليس للطاغية صورة واحدة، فمتى استغلت السلطة لإرهاق الشعب وإفقاره، تحولت إلى طغيان أيًا كان صورته، وتحول القائم عليه إلى طاغية».
ويقول أفلاطون: «إذا ذاق المرء قطعة من لحم الإنسان تحول إلى طاغية ذئب»، يعني إذا ظلم المرء إنسانًا، وسفك دم أحد ظلمًا تحول إلى ذئب، ثم يوضح أفلاطون نظريته هذه فيقول: «من يقتل الناس ظلمًا وعدوانًا، ويذق بلسان وفم دنسين دماء أهله، ويشردهم، ويقتلهم، فمن المحتم أن ينتهي به الأمر إلى أن يصبح طاغية، ويتحول إلى ذئب.....».
وأما المستبد فهو الحاكم المطلق الذي يتحكم في الناس كما يتحكم السيد في عبيده، فلا رأي إلا رأيه، ولا مخالفة لأوامره، وهذا الحكم غالبًا ما يقوم على القهر والظلم، وعدم سماع الرأي الآخر، ودائمًا يؤدي إلى تهلكة الشعوب، وتعرضها للتأخر والضياع، ولهذا فإن الشعوب دائمًا تثور على هذا الصنف والذي قبله، تخلصًا من القهر والظلم والاستعباد، وحبًا في التقدم.
أما كلمة الإرهاب، فإنها قد استعملت كورقة للضرب على أيدي المخالفين في الرأي، وقد تعددت الآراء، وتباينت الرؤى حول ما يعتبر نشاطًا يستوجب الإدانة، وما يعتبر كفاحًا مشروعًا يستحق الدعم والتشجيع، وأضحت كلمة الإرهاب محملة بكم هائل من الخلط والتشوش؛ فالمستعمرون يتحدثون عن الإرهاب، والظلمة والطغاة يتحدثون عن الإرهاب، والمظلومون يتحدثون عن الإرهاب، وقادة الدول وممثلوها في المنظمات الدولية يتحدثون عن الإرهاب، والكل يدين الإرهاب، وفي بلادنا العربية نعرف الإرهاب، فمنذ عقود عديدة ونحن نتعرض للإرهاب الصهيوني، وقبله الإنجليزي والفرنسي، ويسمى المجاهدون ضده إرهابيين في مصر، في فلسطين، في الجزائر، في القنال، في وهران.
ونرى أن الذين يتحدثون في المجتمع الدولي عن الإرهاب وعن مكافحته، إنما يقصدون بالدرجة الأولى حركات التحرر الوطني المعادية للاستعمار وللإمبريالية، والقوى المطالبة بالحقوق الديمقراطية في عديد من بلاد العالم خاصة في العالم الثالث، مستهدفين حصارها وتشويه صورتها، ولذا نرى انزلاقات كثيرة في تعريف الإرهاب الذي ما يكون إلا كفاحًا ضد الاستعمار، أو ضد العنف المؤسسي الذي تعبر عنه ممارسات بعض الحكومات، خروجًا حتى على قواعد الشرعية التي ارتضتها لنفسها، وأعلنتها في دساتيرها ومواثيقها الأساسية، ويحدث عن هذا من المآسي الكثير في بلدان العالم الثالث، فهناك من أعدموا بسبب آرائهم وكفاحهم للظلم، وهناك من فقدوا حياتهم في تصفيات أمنية تقوم بها الشرطة، وهناك من فقدوا بغير محاكمات، وذلك على أيدي عصابات من الشرطة السرية، وتكفي قراءة تقارير منظمة حقوق الإنسان في ذلك، إذن فمن الظالم؟ ومن الإرهابي؟ ومن الذي يجتمع العالم على محاربته؟ أترانا أمام كذبة كبيرة، نواجه لغة جديدة، ومؤامرة جديدة، ومعركة جديدة تسمى معركة خداع المسميات؟ فمن يا ترى يكون وقود تلك المعركة، وعلى أرض من ستكون؟ أنا أعرف.. فهل تعرف أنت؟ وهل تفكر في الخلاص أم في السلامة؟!
وسألت ربي بالسلامة جاهدًا.…ليصحني فإذا السلامة داء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل