الثلاثاء 05-يونيو-1990
منذ أن هبت رياح غورباتشوف على المعسكر
الشرقي وأحدثت فيه ما أحدثت، والقوى الكبرى المهيمنة تعيد ترتيب حساباتها
وأفكارها، وترسم من جديد خطوط التوازن ومناطق المصالح وتضع اللمسات الأخيرة لصياغة
جديدة لمعاهداتها وتحالفاتها القديمة.. و«البلقان» هي واحدة من مناطق العالم التي
طالتها أحداث التغيير بعد سقوط النظرية الشيوعية وتهاوي رموزها.
وهي أيضًا واحدة من مصادر قلق المسلمين
ومعاناتهم لإخوانهم الذين يعيشون هناك بعد أن ظلت شعوب هذه المنطقة كلها خمسمائة
عام تحت راية الدولة العثمانية حتى إن اسم «البلقان» نفسه يعني بالتركية سلسلة
الغابات الجبلية.
والسؤال الآن.. ماذا جد على المسلمين هناك؟
وهل طالتهم النتائج الإيجابية لرياح التغيير؟ وأين موقعهم الجديد وسط هذه التغيرات
الجذرية الجديدة؟
نظرة
على «البلقان»
بعد أن تآمر الغرب للإطاحة بالدولة
العثمانية في بداية هذا القرن والتي دامت سيطرتها على منطقة البلقان كما ذكرنا من
قبل خمسمائة عام شهدت هذه المنطقة بروز ست دول مستقلة، منها دولتان هما ألبانيا
وتركيا تعيش فيهما أغلبيتان مسلمتان وأقليتان مسيحيتان، في حين تعيش الأقليات
المسلمة والتي يقدر عددها بأكثر من ثمانية ملايين نسمة إلى جانب الأقليات المسيحية
في البلدان الأربعة الأخرى وهي رومانيا، بلغاريا، يوغسلافيا، واليونان.
وأثر انتهاء الحرب العالمية الثانية دخلت
كل من بلغاريا ورومانيا تحت مظلة الاتحاد السوفياتي بينما انضمت اليونان وتركيا
إلى معسكر الولايات المتحدة، في حين ادعت كل من ألبانيا ويوغسلافيا الحياد.
وألبانيا هي البلد الأوروبي «الوحيد» الذي
يشكل المسلمون فيه أغلبية السكان رغم كل المحاولات المضنية التي بذلها الديكتاتور
السابق أنور خوجه لطمس هوية 80٪ من شعبه الذين هم مسلمون، وألبانيا أيضًا هي الصوت
الشيوعي الوحيد الناشز الآن في منطقة البلقان بعد الأحداث الأخيرة، وإن كان «رامز
عليا» زعيمها الجديد بدأ في اتخاذ الإجراءات التي ربما تمهد إلى ممارسة نوع ما من
«الديمقراطيات والحريات».
وقد كان التحدي الأول الذي بدأت دول
البلقان في مواجهته إثر الأحداث والمتغيرات الأخيرة هو قضية «الأقليات» والتي يلعب
المسلمون فيها دورًا كبيرًا.. وقد كان هذا على عدة محاور:
1- محور يوغسلافيا -
ألبانيا وبلغاريا واليونان:
حيث يطالب مقدونيو يوغسلافيا اليونان
وبلغاريا بإلحاج متصاعد بضرورة الاعتراف بإخوتهم في هاتين الدولتين كأقلية يفترض
أن تتمتع بالحقوق التي ضمنتها لها القوانين والمعاهدات الدولية، في الوقت الذي
تتنكر فيه بلغاريا واليونان لوجود مثل هذه الأقلية وتريان في مطلب مقدوني
يوغسلافيا «مطامع توسعية»، إلا أن ألبانيا تعترف بوجود هذه الأقلية وتتفهم مطالبها.
2- محور تركيا - بلغاريا واليونان
حيث تنظر تركيا إلى المليوني مسلم الذين
يتكلمون اللغة التركية في بلغاريا وحوالي 120 ألف مسلم الذين يعيشون في تراقيا
الغربية بشمال اليونان على أنهم أقليات «تركية» تعيش في هذين البلدين، وعليها
بالتالي ألا تغفل عن حقوقهم التي ترى أنها مسلوبة أو على الأقل مهملة.. اليونان من
جهتها ترفض هذا الادعاء التركي متذرعة باتفاقية لوزان التي وقعتها اليونان وتركيا
عام 1923 والتي تعترف بوجود أقلية «مسلمة» في اليونان لا أقلية تركية.
ومن جهة أخرى فإن اليونان تدعي أن تركيا
تسيء معاملة الأقلية اليونانية المسيحية التي تعيش في إستنبول، وإنه نتيجة لهذه
المعاملة تضاءل عدد أفرادها عما يزيد عن مائة ألف إلى أربعة آلاف- حسب زعمها.
أما بلغاريا فإنها تنفي أن جميع أفراد هذه
الأقلية المسلمة من العرق التركي، وتعطي دليلًا على ذلك بأن بينهم من هم من
البوماك الذين يتكلمون اللغة البلغارية إضافة إلى الغجر الذين استقروا في الأراضي
البلغارية منذ حقب زمنية بعيدة، وكل من بلغاريا واليونان تزعمان وجود «مخططات
توسعية تركية في أراضيهما» وذلك لمطالبة تركيا بحقوق الأقليات التركية المسلمة في
أراضهيما.
3- يوغسلافيا - ألبانيا:
حيث المعاناة الدائمة التي يتعرض لها
المسلمون الألبان من «الصربيين» الحاكمين والتي كادت أن تتحول إلى حرب أهلية
حقيقية، وبالرغم من أن ألبانيا مازالت تكتفي في معرض دفاعها عن أبنائها هناك
بالدعوة إلى احترام حقوق الإنسان.. إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن ألبانيا سوف
تظل مكتفية بهذا الدور في حال تفاقم الأحداث.
4- محور اليونان - ألبانيا:
فاليونان يدعي أن أقلية عرقية يونانية
تتجاوز ربع المليون تعيش في ألبانيا في ظل ظروف بائسة، وألبانيا تعترف بوجود 50
ألف يوناني فقط وترفض الادعاء القائل بأن هذه الأقلية لا تحظى بحقوقها كاملة، وهذه
الأزمة تعاد لتثار من جديد رغم اتفاقية 1987 الخاص بإنهاء العداء التاريخي بين
هذين البلدين.
وكان نتيجة لأزمة الأقليات هذه ببعدها
التاريخي القديم، أن نشأ حزبان أو حلفان أساسیان:
1- حلف اليونان- بلغاريا:
حيث تجمعها مشاكل ومعضلات مشتركة مع تركيا
حيال المسلمين في تراقيا الغربية وبلغاريا من جهة، ومشاكل مع المقدونيين اليوغسلاف
من جهة أخرى إضافة إلى المشاكل الجغرافية والسياسية الأخرى مثل جزيرة قبرص العالقة
بين اليونان وتركيا، وفي عام 1986 وقعت اليونان وبلغاريا اتفاقية صداقة حرمت
بموجبها استعمال أراضيهما كمواقع للعدوان على أراضي البلد الآخر وفرضت على
الدولتين التشاور الفوري لمواجهة أي تهديد تتعرض له أي منهما، وقد طبقت الدولتان
بنود هذه الاتفاقية عام 1987 عندما كانت العلاقات اليونانية - التركية تصل إلى حد
القطيعة وتنذر بنشوب الحرب بينهما بسبب التنقيب عن النفط في بحر إيجه.
2- حلف تركيا – يوغسلافيا:
حيث ترى تركيا نفسها في كل مرة مدفوعة إلى
تأييد يوغسلافيا فيما يختص بالمسألة المقدونية ضد البلغار واليونانيين، كما تظهر
يوغسلافيا بدورها انحيازًا إلى جانب تركيا حيال الأقلية التركية في البلدين.
مما سبق يتضح دور الأقليات المسلمة ووضعها
الحساس وسط الأحداث والمتغيرات الأخيرة التي اجتاحت البلقان والتي وفرت مناخًا من
الحرية هيأ الجو لكافة الأقليات للتعبير عن مطالبها ومظالمها.
ويتضح كذلك أن «الدفاع» عن حقوق ومطالب
الأقليات المسلمة في البلقان انطلق من مبدأ قومي أو عرقي.. سواء من ألبانيا التي
لم تكترث كثيرًا للظلم الواقع على أبنائها المسلمين في كوسوفو بيوغسلافيا.. أو من
تركيا التي تؤكد على الشخصية القومية المسلمين هناك.
على أية حال فإن استعراض أحوال المسلمين
سواء كأقلية أو أكثرية في بلاد البلقان يحتاج لدراسة مستقلة، لكن تجدر الإشارة إلى
هذا التناقض الصارخ الذي أُصيبت به جماهير بعض البلدان هناك خاصة بلغاريا
ويوغسلافيا تجاه تفاعل الأقليات المسلمة مع قضايا الحريات والديمقراطيات ورفضها أن
تنال نصيبها منه.
ففي الوقت الذي أسقطت فيه الجماهير هناك
مستبديها وحكامها الديكتاتوريين من على سدة الحكم مطالبة بإطلاق الحريات رفضت في
الوقت نفسه وبعناد صارخ أن تنال الأقليات المسلمة هناك بعض حقوقها حتى في المناطق
التي تشكل فيها أغلبية.
ففي إقليم كوسوفو -الذي يتمتع بالحكم
الذاتي داخل جمهورية الصرب التي هي واحدة من جمهوريات يوغسلافيا الفيدرالية الست-
يشكل المسلمون هناك أغلبية تصل إلى 90٪ من عدد السكان، ورغم ذلك فإن أية إصلاحات
سياسية لمواجهة هيمنة الصرب الأرثوذكس مرفوضة، بل إن الصربيين يسعون لإلغاء الحكم
الذاتي، وقد مارسوا مع المسلمين هناك أشكالًا صارخة من القمع والقهر امتدت حتى إلى
مناطق أخرى ينشط فيها المسلمون مثل زغرب في كرواتيا وسراييفو في البوسنة والهرسك..
وفي بلغاريا وبعد سقوط النظام الاشتراكي
العام الماضي أصدر النظام الجديد قرارًا بالتخلي عن بعض قراراته السابقة والتي
كانت تقضي بإجبار البلغاريين المسلمين الذين ينحدرون من أصل تركي على تغيير
أسمائهم الإسلامية واستعمال أسماء بلغارية.. فثارت ثائرة عدد كبير من البلغاريين
وخرجوا في مظاهرات عارمة تطالب بإلغاء القرار الجديد واستبقاء الظلم الواقع على
المسلمين هناك!
هذا بالإضافة إلى أن الكثيرين من المسلمين
الذين كانوا قد هربوا من النظام القديم عادوا أدراجهم إلى بلغاريا مرة أخرى ليجدوا
أن أملاكهم قد صودرت أو هدمت بالرغم من وعود السُلطات بالاحتفاظ بها لهم لمدة ستة
أشهر منذ أن غادروا البلاد، كما ترفض الدولة تعيينهم أو قبول أطفالهم في المدارس.
تراقيا الغربية
من جهة أخرى فإن مشاكل المسلمين في شمال
اليونان مازالت تتفاقم بشكل ينذر بالخطر على هذه الأرض التي وصلها الإسلام قبل
خمسة قرون عندما كانت جزءًا من الخلافة العثمانية، ومن هنا استمد مسلموها صفتهم
التركية رغم أن الكثير منهم لا ينتمون إلى العرق التركي تمامًا، وقد استطاعت
اليونان عام 1826 بمساعدة بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية أن تنتزع استقلالها من
السلطان العثماني لتظهر مملكة اليونان المستقلة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل
دخلت اليونان في حرب مع تركيا خلال الحرب العالمية الأولى حيث استطاعت القوات
اليونانية التوغل داخل الهضبة التركية، إلا أن الجيش التركي نجح في جمع قواته بعد
انتهاء الحرب العالمية واستطاع دفع اليونانيين خارج البر التركي، وفي 21 نوفمبر
عام 1922 عقد مؤتمر للسلام في مدينة لوزان السويسرية شاركت فيه كل من اليونان
وتركيا إضافة إلى بريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان ورومانيا ويوغسلافيا استمر
متقطعًا حتى 24 يوليو 1923 حيث وقع البلدان على اتفاقية لوزان الشهيرة والتي على
ضوئها أصبحت منطقة «تراقيا الغربية» حيث توجد الأقلية اليونانية المسلمة ذات
الجذور التركية البلغارية جزءًا من أراضي اليونان، وفي المقابل توجد في مدينة
إستنبول ومناطق تركية أخرى أقلية أرثوذكسية تعتبرها اليونان أقلية قومية يونانية،
ومنذ ذلك التاريخ ظلت الأقليتان «الأرثوذكسية» في تركيا و«المسلمة» في اليونان
أسباب الخلاف الدائم بين البلدين.
وقد دأبت اليونان على ممارسة ضغوط مختلفة
ومتفاوتة على الأقلية المسلمة هناك، تفاوتت بين منعهم من بناء منازل جديدة أو
ترميم منازلهم القديمة ومساجدهم وحرمانهم من تقلد وظائف حكومية أو حتى رُخص
القيادة للمركبات التي تخدم اقتصاد مناطقهم المنحصر في الزراعة وفرضت إجراءات
مشددة على سفرهم إلى تركيا.
وفي الآونة الأخيرة ازداد الأمر سوءًا حين
أقدمت السلطات اليونانية على سحب الجنسية اليونانية من حوالي خمسة آلاف مسلم هناك،
كما بدأت السلطات في إجراءات توطين قرابة مائة ألف لاجئ يوناني من الاتحاد
السوفياتي في القرى والمناطق المسلمة، ويأتي هذا في سباق سياسة الاستيطان التي
تتبعها حكومة اليونان والتي قلبت بها الموازين الديمغرافية للمنطقة كلها ليصبح عدد
المسلمين هناك حوالي 150 ألف نسمة والتي وصل تدخل السلطات في شؤونهم إلى احتكارها
تعيين المفتي والقضاء الشرعيين بعد أن كان اختيارهم موكولًا إلى الجالية المسلمة،
وفي تطور لاحق قامت مجموعات يونانية أرثوذكسية بالهجوم على منازل ومحلات المسلمين
وقاموا بتكسيرها وتحطيمها وتعرضوا كذلك لتجمعات إسلامية أثناء احتفالها بإحدى
المناسبات الدينية.
ماذا عن بلاد الأكثرية؟
ربما يرجع هذا الغبن الذي أصاب المسلمين
هناك إلى أنهم أقلية لكن هذا الاحتمال ما يلبث أن يتلاشى عند استعراض أحوالهم في
بلاد الأكثرية «ألبانيا وتركيا».. فهذه الأخيرة مازالت في قبضة العلمانيين ومازال
الإسلاميون هناك يلاقون الأمرّين في ممارسة حقوقهم الدعوية، بل إن الشائعات هناك
تقول بأن تركيا على حافة حكم عسكري جديد يعيد للبلاد ولاءها الكامل لإرث أتاتورك
بعد أن زحف الإسلاميون إلى مواقع كثيرة في البلاد، وبدأ الشعب يعود من جديد إلى
هويته الحقيقية. أما ألبانيا.. هذه الدولة التي يشكل المسلمون فيها أغلبية بنسبة
80٪ كانت الوحيدة من دول المنطقة الشيوعية التي لم تصلها رياح التغيير، ولم تنل
نصيبها من الحريات الذي أصاب شقيقاتها الشيوعيات، رغم أنها ذاقت كل صنوف القهر
والكبت خاصة في عهد ديكتاتورها السابق أنور خوجة الذي حكمها منذ عام 1944 وحتى
وفاته عام 1985، والذي أحال مساجدها إلى متاحف وإسطبلات للخيول وحرَّم أي شكل من
أشكال العبادة.. حتى كاد الألبانيون أن يكونوا هم وحدهم في العالم الإسلامي الذين
لا يستطيعون الحج إلى بيت الله الحرام.
وقد كان أنور خوجة جادًّا في شيوعيته حتى
إنه قطع علاقاته مع الاتحاد السوفياتي عام 1961 متهمًا خورتشوف بالانحراف عن
المبادئ الشيوعية، وكذلك مع الصين عام 78 متهمًا إياها بالاتجاه نحو النظام
الليبرالي بعد موت ماوتسي تونغ. وقد ظلت الأمور على ما هي عليه بعد تولي رامز عليا
الحكم خلفًا لأنور خوجه، وظلت أحوال المسلمين على ما هي عليه من سوء، وعندما بدأت
ملامح التغييرات الجديدة كان «رامز عليا» يُصر على أن الأمور ببلاده سوف تظل على
ما هي عليه. والسؤال الذي يطرح نفسه الآن.. إلى متى تظل ألبانيا صامدة وفيّة
لشيوعيتها؟ وهل تحميها العزلة التامة التي فرضها عليها قادتها وحكامها من حركة
التغيير؟ ثم الأهم: هل سينجح الألبانيون في استغلال هذه المتغيرات الدولية الجديدة
ليعيدوا إلى وجه ألبانيا سمته الإسلامي؟
وهذا السؤال الأخير لا يخص ألبانيا وحدها..
فبعد هذه القراءة الخاطفة لأحوال المسلمين في بلاد البلقان يبرز السؤال المهم.. إلى
متى يظل المسلمون هم الخاسرين دائمًا؟
وما هي ملامح المستقبل الإسلامي هناك؟ وما
هو الدور الذي يقوم به العالم الإسلامي تجاه أقلياته هناك؟
هذا ما سوف تحدده مشيئة الله تعالى في
الأيام القادمة..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل