; سر التدحرج نحو أمریکا | مجلة المجتمع

العنوان سر التدحرج نحو أمریکا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يوليو-1974

مشاهدات 99

نشر في العدد 211

نشر في الصفحة 7

الثلاثاء 30-يوليو-1974

وإذا كان موضوع أوجه الشبه في الأساليب قد قرب وجهات النظـر والمواقف فإن ذلك كله لا يتعدى دائرة التحليل والاستنتاج. أما التفسير السليم فيعتمد على معلومات وحقائق تضع الأمور في مواضعها وتريح الأمة من عناء الدهشة والاستغراب ماذا وراء التدحرج السريع نحو الهاوية الأمريكية في المنطقة. في أكثر من بلد عربي صراع على السلطة بين جناحين رئيسيين. والصراع لا يدور بين جناحين أحدهما يتجه نحو موسكو  أو بكين، والآخر يتجه نحو أمريكا. الجناحان يتصارعان ويتباريان نحو أمریکا.. أيهما يقترب منها أكثر ويقدم لها تنازلات أسخى وأوفر. وطبيعة الصراع التافه اقتضت أنه كلما قدم جناح مزيدًا من التنازلات والوعود بالتمكين لأمريكا جن الآخر واستدعى كل طاقاته وحشد جميع إمكاناته لتسجيل أهداف تفوق أهداف منافسه! ومنذ بداية الصراعات أخـذ الأمريكيون يغذونه بالوقود فهم يطلقون المعلومات الموجهة ويسربونها إلى جناح ما بان تباطأه في تقديـم التنازلات سيغضب عليه الأمريكان ويجعلهم ينحازون إلى الجناح الآخر بعد الإطاحة بالجناح المتباطئ هذا الحرص المجنون على السلطة والرغبة في هزيمة خصم محلى دفع الطرفين إلى هذا التدحرج الذي يبصره الناس باندهاش ولا يدرون له تفسيرًا ولا يعرفون له سرًا. نعم: الحرص المجنون على السلطة وإرضاء الأمريكيين هو السر الحقيقي وراء التدحرج نحو أمريكا. ولا تفسير غير ذلك على الأقل في هذه الظروف. • فتفسير التدحرج بالحاجة إلى المال تفسير باطل ذلك أن أمريكا ذاتها محتاجة إلى المال العربي وقد جاء سيمون وزير الخزانة الأمريكي «يتسول»المال ويمد يده السفلى للدول المنتجة للنفط. • وتفسير التدحرج بالحاجة إلى السلاح تفسیر باطل لأن احتكار السلاح قد كسر خاصة بعد حرب أكتوبر حيث أبدت الدول الأوربية استعدادها لتصدير السلاح للعرب مقابل النفط. وها هي الكويت - مثلًا - تشتري الميراج من فرنسا دون شروط سياسية. • وتفسير التدحرج بالحاجة إلى العلم والطاقة النووية تفسير باطل وغبي أيضًا فالعلم في هذا العصر لم يعد حكرًا لأمريكا ولا هي تستطيع أن تفرض كهانة عليه. إن إیران استطاعت أن تتفق مع فرنسا على تركيب خمسة مفاعل نووية تبيعها الأخيرة للأولى. كلا.. لا الحاجة إلى المال ولا الحاجة إلى السلاح ولا الحاجة إلى العلم تصلح تفسيرًا للتدحرج نحو أمریکا. إذن لعله يكون هواية؟ لا نحسب أن أحدًا يتحمل العناء وتدهور السمعة من أجل ممارسة هواية من الهوايات الترفيهية. الصراع على السلطة والتنافس على ود أمريكا التفسير الصحيح لهذا التدحرج المذهل. وهى لعبة أمريكية جديدة في السياسة الدولية. أن تترك الناس - ترغيبًا وترهيبًا - يتنافسون على ودها، ويتصارعون على الاقتراب منها. • على مستوى الأقطار المتعددة بين حاكم.. وحاكم. • على مستوى القطر الواحد.. بين جناح.. وجناح. والصراع يأخذ طابع الاستمرار فهو يدور إما للحصول على السلطة وإما للمحافظة عليها. وحتى في هذه الدائرة الأنانية وعلى هذا المستوى الهابط كيف يثق هؤلاء بأمريكا وبسياسة أمريكا ورجال أمريكا؟ إن كل الظواهر والوقائع والمواقف تؤكد العكس أي عدم الثقة. • فسلوك نكسون السياسي ليس محل ثقة، فالمجلس النيابي الذي منح ثقته لنكسون أمس أدانه اليوم بعد أن رأى العوج واضحًا في مسلکه وأساليبه. • والتجارب العالمية تؤكد أن الأمريكيين تخلوا ومن طرف واحد عن حلفائهم وأصدقائهم حين رأوا منفعتهم في هذا التخلي. وطبيعة الأمريكيين أنهم يحبون التقاليع الجديدة في الملابس والأفلام والوجوه السياسية كذلك. وفيما يلي نثبت وقائع معاصرة لم نقرأها في كتب وإنما رأينا أحداثها. ولا يزال أبطالها على قيد الحياة. ◘ انقلاب اليونان عام ١٩٦٧ دبره الأمريكان، وقد جزمت بهذا «الموند» الفرنسية في الأسبوع الماضي. والعسكر الذي سلمته أمريكا السلطة في اليونان تخلصت منه اليوم وبطريقة ذليلة مهينة. ◘ سيهانوك في كمبوديا، كان صديقًا حميمًا للأمريكان وكانوا لآخر لحظة يشيدون به ويصفونه في وجهه بأنه «الأمير التقدمي» لكن فجأة انقلبوا عليه فقلبوه مما جعل الرجل يصيح في جنون لم أفكر يومًا في خيانة الصديق وغدره. ◘ هيلاسلاسي، كان يستقبله نكسون استقبالًا غير عادي في البيت الأبيض وتحالفوا معه إلى درجة أنه مكنهم من إنشاء أكبر قاعدة أمريكية خارج حزام الأمن الأمريكي الثان  . اليوم انقضوا عليه، وسلطوا ضباطهم عليه وجردوه من سلطاته تمهيدًا لدفنه. ◘ كاي شيك رئيس جمهورية فورموزا، صادقوه وتحالفوا معه طوال ثلاثين عامًا ووثق بهم إلى حد أن حول بلاده إلى ولاية أمريكية في السيطرة والإشراف والتوجيه. انقلبوا عليه وركلوه ولم يكتب له كيسنجر حتى خطاب اعتذار أو رسالة شكر على الخدمات التي قدمها للأمريكان طوال ثلاثين عامًا. ◘ باکستان ورؤساؤها المتعاقبون صادقوا أمريكان وتحالفوا معهم في «السانتو» - الحلف المركزي -. في الحرب الهندية - الباكستانية تخلى الأمريكان عن باكستان وخانوها في أصعب اللحظات وأشدها حرجًا. فهل أنتم أكثر حظا لدى الأمريكان من هؤلاء. إن كان الجواب «لا» فلماذا تتدحرجون نحوهم إذن. وإن كان الجواب «نعم» فلماذا لماذا حظكم لدى الأمريكان أحسن من حظ عسكر اليونان وكاى شيك وسيهانوك وهيلاسلاسي ورؤساء باكستان؟   ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (المائدة : 52).
الرابط المختصر :