; ملف مؤتمر كامب ديفيد | مجلة المجتمع

العنوان ملف مؤتمر كامب ديفيد

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 26-سبتمبر-1978

مشاهدات 106

نشر في العدد 413

نشر في الصفحة 7

الثلاثاء 26-سبتمبر-1978

  • كامب ديفيد ولادة جديدة لليهود في قلب العالم الإسلامي
  • الصراع العربي الإسرائيلي صراع بين الإسلام وخصومه
  • بيغن: إن كامب ديفيد انتصار عظيم لإسرائيل
  • كارتر: ما كان للمرء أن يتصور تحقيقه منذ عام أو حتى منذ شهر
  • وايزمان: إنه انجاز هائل شأن الأيام الستة..

لقد ولد السلام في كامب ديفيد بعد مخاض عسير مميت دام ثلاثة عشر يوما بإشراف طبيب مختص ماهر ورعاية اسم هذا الطبيب كارتر، لقد فرحوا بالمولود الجديد. لماذا؟ لأنهم حسبوه ذكرا..  ولم يبالوا بعاهاته وتشوهاته وأمراضه هذا هو السلام الوليد.. أنه مشوه مریض معتوه مجنون.. إما أن تحكم العرب عليه بالموت أو أنه سيحكم علينا بالموت الأكيد.. 

فما قصته؟

  • من زيارة السادات للقدس إلى كامب ديفيد.

سارت الأمور منذ أن زار السادات القدس المحتلة من سيئ إلى أسوأ، ولم يقابل الإسرائيليون هذه الزيارة بالتنازل أو بشيء من التنازل، بل ظلوا ثابتين على مواقفهم المبدئية لا يحيدون عنها قيد أنملة، الأمر الذي جعل الرئيس الأمريكي كارتر أن يعلن في العاشر من أغسطس أن الموقف في الشرق الأوسط ينطوي على مخاطر كبيرة- فلم يبق أمامه إذن أي خيار في التدخل شخصيًا لتقليص فرص نشوب نزاع كبير الشرق الأوسط وتفادي حدوث أزمات طارئة يدفع العالم ثمنها، وفي حينها قال المراقبون: إن كارتر راهن على تحقيق السلام، ولكن على الطريقة الأمريكية.

دعا كارتر كلا من السادات وبيجن إلى كامب ديفيد للاتفاق على معاهدة سلام بعد ما قبل أن يكون شريكا كاملا في مؤتمر القمة هذا.

وفي اليوم الخامس من سبتمبر وفي الساعة الثانية والنصف من بعد الظهر حطت في كامب ديفيد الطائرة العمودية التي تنقل السادات والوفد المرافق له، وبعده بساعتين وصل بيجن ورجاله وكان في استقبالهم جميعًا الرئيس كارتر وزوجته.

  • المباحثات والتقييم:

بدأت مباشرة رحلة المباحثات الثنائية بين كارتر والسادات ثم بين كارتر والإسرائيليين ثم المباحثات الثلاثية في جو تميز بإجراءات أمنية شديدة وتقيم كامل على جميع الأخبار ما عدا الأخبار التي يعلنها المسئول الأمريكي فقط .

  • المشروع المصري: 

ولقد قدم الوفد المصري مشروعا كاملا لإقامة السلام في الشرق الأوسط إلا أن هذا المشروع لم يحظ بموافقة بيجن، فلم يبق أمام السادات إلا أن يوافق على مشروع بيجن بعد أن أحرق السفن التي أتت به إلى كامب ديفيد.

  • المفاجأة:

استمر مخاض المحادثات ثلاثة عشر يومًا كان المراقبون السياسيون إلى آخر يوم متشائمين من أن لا يصل المؤتمرون إلى اتفاق، ولكن وقعت المفاجأة.

فقد هبط العقبان الثلاثة من كامب ديفيد يختالون إلى القاعة الشرقية من البيت الأبيض يتأبطون اتفاقيتين تم الوفاق عليهما في اللحظات الأخيرة من المؤتمر.

وأما المنتظرين الذين طال بهم الانتظار وقف كارتر وأثنى على كل من السادات وبيجين ثم قال: ما كان لأي امرئ أن يتصور تحقيق هذا الاتفاق منذ عام مضى أو حتى شهر: ولكنه بالإضافة إلى ذلك حذر من وجود صعوبات كبيرة وقضايا أخرى يتعين الوصول إلى حل لها، وإن المشكلة التي جلبت الحرب والمرارة في الشرق الأوسط في الثلاثين عامًا الماضية لن تتم تسويتها في ليلة واحدة ولذلك فإنه يتعين علينا جميعا أن نعترف بالإنجازات الجوهرية التي تم تحقيقها.

وبعد ذلك تلاه السادات قائلا:- عزيزي الرئيس كارتر في هذه اللحظة التاريخية أود أن أعرب لكم عن مشاعر التهنئة والتقدير القلبية حيث كرست وقتك وطاقتك لأيام وليال طويلة لتحقيق السلام. 

لقد كنت غاية في الشجاعة عندما اتخذت هذه الخطوة الجبارة في الدعوة إلى هذا الاجتماع ولقد كان التحدي عظيمًا والمخاطر كبيرة وكذلك كان تصميمك، لقد تعهدت أن تكون شريكا كاملا في هذه العملية وإنني لسعيد أن أقرر أنكم وفيتم بالتزامكم هذا. 

وقال مناحيم بيغن- في رده على كارتر والسادات-: إنه ينبغي أن يطلق على مؤتمر كامب ديفيد مؤتمر جيمي كارتر لقد اتخذ الرئيس كارتر المبادرة وإنها لأكثر المبادرات إثارة للخيال في عصرنا، ثم قال: وأود أن أقول بضع كلمات عن صديقي السادات لقد التقينا للمرة الأولى في حياتنا في نوفمبر الماضي في القدس لقد حضر إلينا ضيفًا، وخلال اجتماعاتنا الأولى أصبحنا أصدقاء.

ثم أرسل بيجن رسالة بالإذاعة إلى اليهود في فلسطين المحتلة قال فيها: يا مواطني إسرائيل في هذه الساعة المبكرة من الصباح يمكنني أن أقول لكم: إني أحضرت لكم السلام، وأننا لم ندخر أي جهد حتى يمكن أن يجيء اليوم الذي يستطيع فيه كل فرد منكم أن يقول: لقد حل السلام على شعبنا وعلى أرضنا ليس فقط لهذا الجيل وحده، بل للأجيال المقبلة.

وتعانق الجميع وساروا أصدقاء، ولقد لوحظ أن الإسرائيليين بعامتهم أيدوا بيجن حتى أن معلمي المدارس أوقفوا إضرابهم تعبيرًا منهم على حسن النية تجاه حكومة بيجن، وبدأوا يرقصون في الشوارع منتشين بفرحتهم- وثيقتا كامب ديفيد- لقد شمل اتفاق كامب ديفيد وثيقتين:

  • الكنيست ومجلس الشعب المصري 

هذا ولقد اشترط بيجن أن يعرض موضوع إزالة المستوطنات من سيناء على الكنيست، فهذا أمر لا يستطيع الموافقة عليه وبهذا من المحتمل أن تلفي مقررات مؤتمر كامب ديفيد كلها إذا لم يوافق الكنيست بينما كانت الموافقة المصرية مطلقة من أي قيد على جميع القرارات ولعل هذا آت من الفروق المتعددة بين مجلس الشعب المصري ونظيره الكنيست الإسرائيلي

- المحادثات المصرية الإسرائيلية مستمرة.

سوف تفتتح كل من مصر وإسرائيل محادثات خلال أسبوعين أو ثلاثة لعقد وتطبيق معاهدة سلام بينهما، وسيقرران مكان عقد المحادثات حالما يوافق الكنيست على بدء الانسحاب الكامل وإزالة المستوطنات من سيناء.

  • هل هناك اتفاقات سرية؟ 

تسربت أنباء من واشنطن عن وجود اتفاقيات سرية تم التوصل إليها في مؤتمر كامب ديفيد، ويؤيد هذا أن اللقاءات بين السادات والحسن الثاني قد انتهت من دراسة الاتفاقيات المعلنة، ولكن الغرب لن يتخذ موقفه إلا بعد دراسة الاتفاقات السرية مع السادات.

وتقضي هذه الاتفاقات السرية أن مصر حليفة أساسية للولايات المتحدة التي سوف تمدها بمساعدات وأسلحة لم يسبق أن حصلت عليها من قبل كما تقضي هذه الاتفاقات بأن يتولى خبراء عسكريون أمریكیون الإشراف على إعادة تنظيم الجيش المصري وتدريبه على استيعاب الأسلحة الأمريكية الجديدة والهدف من هذا هو تحويل الجيش المصري من جيش مواجهة المحاربة إسرائيل إلى جيش يؤمن في الدرجة الأولى قدرة دفاعية لمصر ويؤمن لها أيضًا دورًا أمريكيًا في المنطقة العربية والأفريقية ومواجهة النفوذ السوفياتي.

وقد تم التفاهم بين الأمريكيين المصريين على كتم أخبار هذا الاتفاق في الوقت الذي كشف فيه مناحيم بيجن جانبًا من الاتفاق السري مع أمريكا الذي يقضي ببناء قاعدتين جويتين عسكريتين في النقب بدلا من القواعد الإسرائيلية الثلاث التي ستنسحب منها إسرائيل في سيناء.

  • مؤتمر كامب ديفيد يتجاهل المبادئ العربية الثلاثة

لقد تجاهل كامب ديفيد كل التجاهل المبادئ العربية الثلاثة وهي:

  • المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي بالكامل، والاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وحقه وإقامة دولة مستقلة، واعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، كما تجاهل أيضًا قضية القدس العربية والمستوطنات الإسرائيلية في الضفة.

- لا انسحاب من القدس والمستوطنات في الضفة:

أعلن بيجن أنه لا يقبل أي تعديل في وضع القدس فهي موحدة غير قابلة للتجزئة من جديد وهي عاصمة إسرائيل إلى الأبد على حد قوله.

قال أيضًا: إن الضفة الغربية لن يرتبط بها غير القوات الإسرائيلية سواء في خلال فترة الحكم الذاتي أو بعدها.

مَن الفلسطينيون في المفهوم الإسرائيلي؟ 

قال بیجن: إننا لم ولن نستخدم اصطلاح الشعب الفلسطيني حتى ولو كان مكتوبًا بالنص الإنجليزي، بل إنه يستخدم فقط اصطلاح عرب الأرض المحتلة، وهذا يعني إنكار حقوق الفلسطينيين خارج الأرض المحتلة من في أرضهم، وقال دايان- بعد عودته إلى فلسطين المحتلة-: إذا رفضت الأردن الاشتراك في المفاوضات الخاصة بالضفة الغربية فإن مصر على استعداد للسير قدمًا في هذه المحادثات منفردة بلا الأردن.

  • لا مكان للجولان في اتفاق كامب ديفيد.. 

قالت صحيفة الأخبار القاهرية في عددها الصادر الثلاثاء ١٩-٩- ۱۹۷۸- أن اتفاقا قد تم التوصل إليه في كامب ديفيد بأن الشروط التي تحكم اتفاق الأنساب الإسرائيلي من سيناء يمكن أن تطبق على مرتفعات الجولان السورية- وليس هذا صحيحًا أبدًا إنما يراد به الإيهام والتمويه؛ وذلك لأن الاتفاقيتين لم تشيرا إلى الجولان بأي شكل، بل أن بیجن قد أعلن بعد اختتام كامب ديفيد: أن الاحتلال الإسرائيلي للجولان هو احتلال أبدى.

  • مؤتمر كامب ديفيد وقرار مجلس الأمن ٢٤٢..  

لقد نص قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ الصادر في ٢٢ نوفمبر ١٩٦٧ على إقامة سلام عادل ودائم يقوم على انسحاب القوات الإسرائيلية وإنهاء حالة الحرب واحترام الحدود الدولية لجميع الدول وحقها في السيادة التامة على جميع أراضيها وتحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين ويقوم ممثل عن الأمين العام للأمم المتحدة بتحقيق الاتصالات ومساعدة الأطراف للوصول إلى ذلك، وقد أكد على تلك المبادئ أيضًا قرار مجلس الأمن رقم ٣٣٨ الصادر في ٢١ أكتوبر ۱۹۷۳.

ولكن مع هذا فما أدري كيف نتراجع يومًا بعد يوم عن حقوقنا بينما يتمسك الإسرائيليون بما يسمونه زورًا وبهتانًا حقوقًا لهم؟

  • استقالة وزير الخارجية المصري 

إن هذه التنازلات التي قدمها والتي وصلت إلى التفريط بالحقوق الوطنية والسيادة الإقليمية والواجبات القومية جعلت وزير خارجيته محمد إبراهيم كامل يتقدم باستقالته في أثناء مؤتمر كامب ديفيد قبل إعلان نتائجه خوفًا من أن يتحمل تبعة التوقيع والموافقة عليها أمام التاريخ والأجيال العربية القادمة.. 

  • التوقيع على اتفاقية الصلح المصرية الإسرائيلية.. 

لقد حدد السادات اليوم التاسع عشر من نوفمبر موعدا لتوقيع اتفاقية الصلح المصرية/ الإسرائيلية وذلك لمناسبة مرور عام واحد على زيارته للقدس، علمًا أن هذه الاتفاقية غير مرتبطة بمصير الضفة الغربية وغزة، والسادات حريص على توقيع هذه المعاهدة؛ وذلك لأن كارتر أطلعه أن الكونغرس سيتبنى جميع مشاكل مصر الاقتصادية إذا عقدت صلحًا منفردًا، وليست هذه المساعدات الأمريكية إلى مصر سوى جزء بسيط مما ستربحه الولايات المتحدة من هذا الصلح.

  • نتائج كامب ديفيد

- تسريح في الجيش وتغيير جذري في مصر..  

كان لكامب ديفيد نتائجه في مستويات عدة، فقد أعلن السادات أنه سيجرى بعد عودته إلى مصر تغييرًا شاملًا في هيكل الدولة المصرية ومختلف أجهزتها بما في ذلك تشكيل حكومة جديدة وقال أيضًا: إن وحدات من الجيش المصري ستسرح لتعمل في الصحراء لتحويلها إلى أراض خضراء وأنه لن يدفع بشعبه إلى الموت وتتحدث الأنباء أن هذه الحكومة ستكون حكومة عسكرية تضم قادة أكتوبر وأن مهمتها ستكون وضع كافة قدرات الجيش وإمكاناته في مسيرة جماعية لإعادة تعمير البلاد وفق خطة موضوعة لإصلاح أراض جديدة ومشاريع إسكانية وإصلاح نظام الخدمات. 

كما يقال أيضًا: إن السادات بهذا يكون قد أبعد أبطال حرب أكتوبر من مراكزهم العسكرية خوفًا من ردود الفعل على اتفاقية الصلح المنفرد مع إسرائيل.

بينما أعلن بيجن أن قوة إسرائيل العسكرية سوف تبقى في مستواها حامية للشعب اليهودي، فلم الاختلاف بين الموقفين المصري والإسرائيلي؟

- محاولة لسبق الزمن.

هذا والأسئلة تترى عن السفير الإسرائيلي الأول في القاهرة كما بدا بعض الإسرائيليين في الوصول إلى مصر وأعيد وصل الخط الهاتفي بين مصر وإسرائيل.

  • كارتر يتابع اهتمامه بقرارات المؤتمر 

أرسل كارتر رسائل إلى كثير من ملوك ورؤساء الدول العربية ولم يكتف بذلك، بل أعلن أنه سيزور مصر وفلسطين المحتلة ليشهد ويبارك توقيع السلام بين البلدين وأرسل أيضًا وزیر خارجيته- سايروس فانس- إلى الأردن حيث عقد مع الملك حسين جولتين من المباحثات ثم زار فانس السعودية بغية إقناعها بالموافقة على الوثيقتين. ومن المتوقع أن يكون فانس قد أبلغ أنه لا خيار غير تأييد اتفاقيات كامب ديفيد ولعل في هذا ضغطا لقبول نتائجه ومقرراته ومن ثم للاشتراك في مفاوضات مثيلة له..  ولكن على ما يبدو قد أخفق في الحصول على دعم سعودي لمهمته. وهذا الموقف السعودي المتصلب سوف يمحو تلك المقابلة الودية بينه وبين الملك حسين الذي لن يوافق على الدخول في المفاوضات دون دعم سعودي له.

هذا وقد توجه كل من القذافي وياسر عرفات إلى عمان وذلك لإقناع الملك حسين برفض قرارات مؤتمر كامب ديفيد.

وبعد السعودية سيزور فانس دمشق لإطلاع الرئيس الأسد على نتائج كامب ديفيد وتعتبر موافقة الأسد على استقبال فانس أمرًا ملفتًا للنظر الأمر الذي جعل السادات يرحب بها. 

وهكذا فالصراع قائم في المنطقة على قدم وساق وستحدد نتيجة مستقبل المنطقة بأسرها.

  • ارتفاع أسهم كارتر

كانت نتائج كامب ديفيد مهمة بالنسبة إلى كارتر وتجديد فترة رئاسته بمقدار أهميتها بنسبة إلى مستقبل الشرق الأوسط، فقد ارتفعت أسهمته بعد أن انحدرت وهذه هي أول مرة يطرأ فيها ارتفاع على شعبية كارتر منذ رئاسته، وذكر أيضًا أن اقتراحًا قدم في مجلس الشيوخ الأمريكي بترشيح كارتر لمنحه جائزة نوبل للسلام وذلك بعد نجاحه في كامب ديفيد.

  • كامب ديفيد والحرب اللبنانية 

أثارت اتفاقية كامب ديفيد المزيد من إراقة الدماء في لبنان وترددت مخاوف من مزيد من العنف، وقد ارتكزت هذه التقديرات على افتراض أن اتفاق السلام الثنائي المصري/ الإسرائيلي سيزيد من انقسام العالم العربي ومن حدة النزاع السوري الإسرائيلي أيضًا، ولقد اشتعلت نيران الحرب الآن بين القوات المشتركة والفلسطينيين من جهة وبين الانعزاليين من جهة أخرى ولعل هذا كان بإيحاء من إسرائيل إلى الانعزاليين لجر القوات السورية في قوات الردع العربية إلى حرب، الأمر الذي لا بد وأن يؤثر على فعالية الجيش السوري وقوته.

  • حشود إسرائيلية على سورية ولبنان والأردن. 

ولقد أيد الرأي السابق أن قوات عسكرية إسرائيلية تركزت في مرتفعات جبل الشيخ، وأن حشودًا مماثلة قد اجتمعت في الجولان وكانت إسرائيل قد عززت قواتها على طول الحدود الأردنية؛ وذلك لأنها تريد أن تثبت للعرب أن ما لا تستطيع أن تحققه بالسلم يمكن أن تحققه بالقوة.

  • الدول العربية وكامب ديفيد. 

اهتمت الدول العربية بمؤتمر كامب ديفيد واتفقت مواقفها بصورة عامة على الرفض مع اختلافها في حدته وفي كيفية التعبير عنه. 

ولقد أعطت الكويت هذا الأمر جل اهتمامها؛ إذ اجتمع مجلس الوزراء في جلسة استثنائية برئاسة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء وأكد على مؤتمرات القمة العربية وبخاصة مؤتمر الرباط وقناعته التامة بأن السلام العادل والدائم يستلزم الانسحاب الإسرائيلي التام من جميع الأراضي العربية بما فيها القدس واستعادة الشعب الفلسطيني بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية لكامل حقوقه الوطنية المشروعة.

كما اجتمع مجلس الوزراء السعودي برئاسة الملك خالد بن عبد العزيز وحضور الأمير فهد ولي العهد وأصدر البيان التالي: 

درست حكومة المملكة العربية السعودية باهتمام بالغ نتائج مؤتمر كامب ديفيد كما تابعت بعناية ردود الفعل العالمية والعربية التي أعقبت إعلان هذه النتائج والتي تراوحت من التأييد إلى الرفض وأن حكومة المملكة العربية السعودية انطلاقا من التزامها العميق بمبادئها الإسلامية والعربية الأصيلة وتمشيًا مع التزاماتها بقرارات مؤتمر القمة العربية مؤتمري الجزائر والرباط تود أن نوضح للرأي العام العربي موقفها من الأحداث الجارية وذلك على النحو التالي: 

أولا - أن حكومة المملكة العربية السعودية مع تقديرها للجهود التي بذلها الرئيس الأمريكي جيمي كارتر قبل المؤتمر وخلاله ترى أن ما تم التوصل إليه في مؤتمر كامب ديفيد لا يعتبر صيغة نهائية مقبولة للسلام؛ وذلك لأن المؤتمر لم يوضح بصورة قاطعة عزم إسرائيل على الانسحاب من كافة الأراضي العربية التي احتلتها بالقوة وفي مقدمتها القدس الشريف ولم ينص على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإنشاء دولته على أرضه ووطنه وتجاهل دور منظمة التحرير الفلسطينية التي نصت مؤتمرات القمة العربية على اعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني الذي شردته إسرائيل عن وطنه.

ثانيا- أن حكومة المملكة العربية السعودية رغم تحفظاتها المشار إليها آنفا على نتائج مؤتمر كامب ديفيد لا تعطي نفسها الحق في أن تتدخل في الشؤون الخاصة لأي بلد عربي ولا أن تناقش حق استرداد أراضيه المحتلة عن طريق الكفاح المسلح أو عن طريق المساعي السلمية بالقدر الذي لا يتعارض مع المصلحة العربية العليا.

ثالثا- تؤمن حكومة المملكة العربية السعودية بأن الظروف الحرجة الراهنة التي تمر بها الأمة العربية تتطلب أكثر من أي وقت مضى جمع الشمل وتوحيد الكلمة واتخاذ موقف عربي جماعي لتحقيق أهدافها العليا.

والله المسؤول أن يحقق آمال الأمة الإسلامية والعربية ويسدد خطاها ويكتب لها العزة والنصر. 

هذا ولا يخفى ما للسعودية من وزن في الشرق الأوسط بعامة وفي حل المشكلة الفلسطينية بخاصة كما لا تخفى الأضرار التي ستلحق بها من جراء أي حرب في المنطقة؛ وذلك لأن أي حرب عربية إسرائيلية الآن ستضع آبار النفط العربية على أبواب الحظر المباشر لذلك فالسعوديون يقفون بكل ثقلهم باحثين عن السلام، ولكن يجب أن يكون هذا السلام معقولا ومقبولا، ولقد ذكرت أنباء صحفية في لندن أن السعودية ستبدأ قريبًا تحركًا عربيًا لمواجهة أخطار المرحلة المقبلة.

وفي الأردن أشارت الأنباء إلى احتمال لقاء بين الحسين والسادات في المغرب إلا أن الحسين ألغى زيارته إلى المغرب عائدًا إلى عمان؛ ليناقش نتائج كامب ديفيد مع حكومته وأعلن ناطق رسمي أن الأردن غير ملزم بمقررات لم يوافق عليها وأن أية تسوية نهائية يرضى بها الأردن يجب أن تتضمن انسحابًا إسرائيليًا من جميع الأراضي المحتلة بما في ذلك غزة والضفة والقدس. 

ولقد أضعف الموقف السعودي من فانس روح التفاؤل التي ظهرت على فانس في نهاية زيارته للأردن. 

وفي لبنان: أعلن ناطق رسمي عن قلق لبنان البالغ من نتائج كامب ديفيد وتجاهله لحقوق الشعب الفلسطيني الذي يعني توطين - ٤٠٠ ألف- فلسطيني في لبنان بين الزهراني والليطاني. 

هذا ولم يختلف موقف قطر والإمارات واليمن الشمالي عن الموقف الكويتي.

  • دول ميثاق طرابلس وكامب ديفيد 

اجتمع في دمشق رؤساء سورية وليبيا والجزائر واليمن الجنوبي ومنظمة التحرير وجميع فصائل المقاومة، ووصف الرئيس الأسد ياسر عرفات في كلمة الافتتاح بأنه رئيس شعب فلسطين ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ثم أعلن

- أن القضية الهامة حاليًا هي التطلع إلى الأمام والتخطيط للمستقبل وأكد أن الاستسلام لن ينتصر على السلام، وأن الأمة العربية ستنتصر إذا نجح مؤتمر الصمود في الخروج بنتائج تتماشى وتوقعات الأمة العربية. 

وبدأت المحادثات سرية بين الرؤساء ويتوقع الدبلوماسيون أن يسفر- مؤتمر جبهة الصمود والتصدي- إعلان حلف بين دول الجبهة وتنسيق بين جيوشها بالإضافة إلى خطة شاملة لمواجهة مؤتمر كامب ديفيد. 

هذا وقد استفاد المؤتمر بدعم غير مباشر من الموقف الفاتر الذي اتخذته كل من السعودية والأردن، ومن الموقف الواضح الذي وقفته الكويت وغيرها.. 

وأما رد الفعل الفلسطيني فنراه في تهديد لياسر عرفات قال فيه:

- أن كارتر سوف يدفع ثمن توقيعه في كامب ديفيد وتحدى أقطاب كامب ديفيد أن يفرضوا إرادتهم علی المناضلين الفلسطينيين- وهاجم المؤتمر ووصفه- بصفقة قذرة تفوح منها رائحة المؤامرة- ودعا الشعب الفلسطيني داخل الأرض المحتلة وخارجها إلى الإضراب والمظاهرات. 

وبالإضافة إلى ذلك فإن وفودًا فلسطينية وسورية ستقوم بجولات في بعض الدول العربية لشرح وجهة نظرها، وقد أعلن الفدائيون ردهم بعملية فدائية في الأراضي المحتلة.

  • مصر وكامب ديفيد. 

إن الموقف المصري الرسمي بالطبع مؤيد لكامب ديفيد، وقال رئيس الوزراء: إن حكومته سعيدة جدًا بنتائج كامب ديفيد كما أعرب أعضاء مجلس الشعب عن تأييدهم للسادات، 

ولكن على المستوى الجماهيري فقد ذكرت اليونايتد برس في تقرير لها من القاهرة أن الصحف المصرية تعمدت نقل أنباء غير دقيقة عن نتائج كامب ديفيد؛ لإيهام الشعب المصري بإيجابية المؤتمر وهذا دليل على خوف السلطات من نقمة شعبية ضد هذا الاتفاق، ونجد هذه النقمة أيضًا عند حزب التجمع الوطني الوحدوي المصري. ونراه أيضًا عند الفريق سعد الدين الشاذلي قائد العبور الذي وصف هذا الاتفاق بأنه طعنة خنجر في ظهركل مصري وعربي هذا وقد أجلت الحكومة المصرية موعد افتتاح الجامعات خوفًا من أي رد فعل.

  • العالم الغربي وكامب ديفيد. 

من البديهي أن يقف الأمريكيون بكل ما أوتوا من قوة وراء كامب ديفيد ومع هذا فقد أعرب السناتور الأمريكي- اللبناني الأصل- جيمس أبو رزق عن عدم تفاؤله؛ وذلك لأن الأقطار التي يجب أن تكون في المؤتمر مثل الفلسطينيين والسوريين والأردنيين لم يكونوا ممثلين في كامب ديفيد.. وقال: أعتقد أن اتفاقية منفصلة بين مصر وإسرائيل تنطوي على قدر كبير من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط،

وقد رفضت دول السوق الأوربية المشتركة التسع بصورة مبطنة اتفاقيات كامب ديفيد- وقالت في بيان رسمي في بروكسل: أنها تعتقد أن تسوية نزاع الشرق الأوسط لن تصبح ممكنة إلا إذا تجسد على صعيد الواقع الحق الفلسطيني الشرعي في التعبير تعبيرًا فعليًا عن كيانه الوطني وهو الأمر الذي يحتم إقامة وطن للشعب الفلسطيني..  بينما رحبت اليابان والفاتيكان بالمؤتمر ووصفته بأنه سعي نموذجي للسلام.

  • المعسكر الشرقي وكامب ديفيد:

هاجم الاتحاد السوفياتي المؤتمر واعتبره ستارًا لتغطية المخططات الأمريكية والإسرائيلية لوجود أمريكي عسكري في المنطقة، وقال: إنه هزيمة لمصر ونصر لإسرائيل ولن يجلب السلام للشرق الأوسط؛ وذلك لأنه تجاهل أهم عناصر الصراع.

وكان هذا موقف باقي دول المعسكر الشرقي أما الصين فقد اتسم موقفها بالحذر وقالت وكالة- فرانس برس: إن قادة الصين لا يسعهم إلا أن ينظروا بالرضا إلى نتيجة كامب ديفيد في ضوء تأييدهم للمبادرات المصرية، إلا أنهم يسعون في الوقت نفسه إلى تفادي أي قطيعة مع الفلسطينيين، ولا يخفى أثر العداء الروسي الصيني في هذا الموقف.

ووقف موقفًا متحفظًا أيضًا فالدهايم- الأمين العام للأمم المتحدة- وقال: أن هناك لا يزال الكثير من المشكلات الصعبة التي تنتظر الحل.

  • كامب ديفيد واقتصاد المنطقة 

لا بد لنا قبل أن ننتهي مما نحن فيه من أن ننوه بتأثير انتهاء حالة الحرب ضد إسرائيل على نمو اقتصادها إذ أن أذرعها التجارية سوف تمتد داخل مصر وغيرها ممن سيوافق على الصلح وداخل الدول الأفريقية التي قاطعت إسرائيل تضامنًا مع العرب إلا أنها الآن ستتراجع عن هذه المقاطعة وتعيد علاقاتها كما كانت، هذا وبالإضافة إلى تخفيض ميزانيتها العسكرية.

كل ذلك سوف يسبب نموًا اقتصاديًا رهيبًا في إسرائيل يمتص خيرات المنطقة بشكل أو بآخر ويبقيها فقيرة جاهلة ولقمة سائغة لذيذة لضربة إسرائيلية أخرى تبتلع فيها ما بين الفرات إلى النيل. 

ومن الآن بدأت تظهر على السطح الخطط الاستثمارية وأولاها مشروع نقل الفائض من مياه النيل إلى سيناء وجنوب النقب وغزة.

ولا يمكن للدول العربية أن تسابق إسرائيل في هذا المجال نظرًا للتفوق الذي تحظى به إسرائيل في المجالات العلمية والتنمية.

وأخيرًا.. 

إن هناك خطأ فادحًا قد نسيناه أو تناسيناه عمدًا وهو أن الحرب العربية/ الإسرائيلية حرب تختلف عن غيرها من الحروب مثل الحرب الأمريكية/ الفيتنامية أو الحرب بين المعسكرين أو غيرهما من الحروب التي تقوم خلافًا على المصالح والتي يمكن أن تحل بالطرق الدبلوماسية وبالوصول إلى حل وسط وبالتنازلات كبرت أو صغرت وذلك اعتقادًا من الناس أن البشرية قد تقدمت وصارت تنبذ القوة طريقا للوصول إلى الحق. 

إن الصراع العربي الإسرائيلي هو صراع بين الإسلام عقيدة وحضارة وشعبا وبين أعدائه من صليبيين ويهود وملاحدة.. 

إن هؤلاء الأعداء لا يقبلون- نهائيًا بأي تنازلات طالما كانت هذه التنازلات تبقي على الإسلام عقيدة وحضارة؛ لأن هدفهم هو القضاء على هذا الإسلام عسكريًا بوساطة حرب تقضي على المسلمين وبالتالي تزول عقيدتهم أو القضاء عليه عقيدة في النفوس ونظامًا وقانونًا.

ومن الصحيح أنهم نجحوا في جميع الدول إسلاميه تقريبًا أن يقضوا على الإسلام نظامًا ودستورًا وحكومة ودولة إلا أنهم ما زالوا يخافون من الإسلام عقيدة في النفوس. 

يمكن في أي وقت من الأوقات أن تنفض عنها الرماد لتصبح جذوة تتأجج نيرانها فيخرج منها صلاح الدين الأيوبي من جديد ليقضي بطرفة عين على جميع المكتسبات الصليبية والصهيونية والشيوعية.. 

ومن هنا ندرك ما عناه كارتر من قوله: - أن لإسرائيل دورًا حضاريًا في المنطقة- وندرك ما قاله شمعون بيريز-: أنه لا يمكن أن يحدث السلام في المنطقة ما دام الإسلام شاهرًا سيفه وسوف يمضي وقت غير قليل حتى يغمد الإسلام سيفه ويعود إلى موقفه الإنساني- يقصد السلبي- مثل المسيحية واليهودية.. 

إن هذا يعني أن إسرائيل ومن ورائها في حالة حرب مع المسلمين طالما ظل المسلمون على مبادئ إسلامهم وعقيدته ومنهجه وحضارته ولن تنتهي هذه الحرب إلا إذا انحصر الإسلام بشعائر تقليدية فقط.. 

هذه هي طبيعة الحرب العربية الإسرائيلية، إنها لن تنتهي بأرض تؤخذ ولا بمستوطنة تهدم أو تبنى، إنها لن تنتهي إلا إذا انتهى الإسلام عقيدة في النفوس ومنهجًا في العقول وروحًا في القلوب.

هذا هو ثمن السلام..  فما أرهقه وما أرهبه..  
فما موقفكم أيها المسلمون؟

الرابط المختصر :