; مخلفات ضرب طرابلس المسلمة | مجلة المجتمع

العنوان مخلفات ضرب طرابلس المسلمة

الكاتب محمد علي ضناوي

تاريخ النشر الثلاثاء 19-نوفمبر-1985

مشاهدات 55

نشر في العدد 742

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 19-نوفمبر-1985

لدى زيارته لمقر «المجتمع» أدلى الدكتور محمد علي الضناوي المحامي رئيس جبهة الإنقاذ الإسلامية في طرابلس شمالي لبنان بالحديث التالي.

طرابلس ذات الكثافة الإسلامية العالية كانت ولا تزال وستبقى إن شاء الله تعالى بلدًا ملتزمًا معتزًا بإسلامه. فالحالة الدينية فيها ليست حالة طارئة أو عارضة ولا نتيجة حركة أو جماعة، بل هي موقف عقائدي وفكري ثابت وأصيل، فالإسلام ليس حرفة ولا يفرض بقوة البندقية. وطرابلس من خلال تاريخها الطويل لم تكن إلا متدينة وإسلامها أصيل فيها لا يقبل أن يتطاول عليه أحد، وعلى الجميع أن يعوا هذه الحقيقة وأن يتعاملوا معها بصدق حتى يتمكن الجميع من فتح صفحة جديدة.

على أن الحرب التدميرية التي شهدتها طرابلس في منتصف أيلول «سبتمبر الماضي» حققت بلا ريب أهدافًا حربية وسياسية شتى فلئن صمدت طرابلس عسكريًّا إلا أنها أسقطت سياسيًّا، ونحن الآن بصدد تطويق آثار الحرب اللاهبة والتخفيف من هول الكارثة التي أصابت أهلها.

الحرب الاقتصادية والاجتماعية

كان للحرب التدميرية وجه آخر غير عسكري، هو وجه الحرب الاقتصادية.

1- ففي طرابلس حوالي مائة وعشرون ألف شقة سكنية وما لا يقل عن خمس وعشرين ألف وحدة تجارية ومهنية وقد تهدم كليًّا أو جزئيًّا حوالي خمسين ألف وحدة سكنية، كذلك حوالي ثمانية آلاف وحدة تجارية ومهنية، كما تهدمت دمارًا كليًّا ثلاثة مساجد وتضررت ضررًا فادحًا سبعة أخرى، وتهدمت جزئيًّا أكثر من ثلاثين مدرسة وتهدمت أسواق طرابلس الأثرية «سوق القمح» وسوق البازركان – الأقمشة، كل ذلك أربك الحياة العامة وأصبح الناس في مأساة.

2- خلفت الحرب المجنونة مزيدًا من الشهداء والجرحى والأرامل والأيتام الذين فاق عددهم عن ثلاثة آلاف يتيم ممن يطلبون العلوم في المدارس الرسمية من غير المبرات والمياتم. 

3- لقد ألحقت الحرب ضررًا مباشرًا متصاعدًا بالطبقات الفقيرة وذوي الدخل المحدود والطبقات المتوسطة، وهذه جميعًا تشكل خمسًا وتسعين في المائة من مجموع سكان المدينة ،سواء منهم من قتل أو جرح أحد أفراد عائلته أو دمر منزله أو متجره أو مؤسسته أو ألحقت به أضرار محدودة إذ أن الضرر حل بالجميع بطريقة أو أخرى ولم ينج منه أحد.

4- إن الحمم اللاهبة التي سقطت على طرابلس والتي عادلت في قوتها التفجيرية عشر قنابل ذرية على الأقل، جعلت كثيرًا من الناس سواء أصيبوا أو لم يصابوا في حالات الذهول والتوتر العصبي والنفسي، مما أوجد ويوجد على امتداد سنوات أنواعًا من الأمراض تحتاج دومًا إلى معالجات تقنية ومتابعة مدروسة وتواصلًا في الغذاء والدواء والراحة.

5- إن الأضرار الفادحة التي لحقت ببعض المدارس ودور العلم يؤثر حكمًا في السنة الدراسية الجديدة فضلًا عن أن ارتفاع الأقساط المدرسية وثمن الكتب الدراسية مع تدني الدخل واضطرابه والانهيار الاقتصادي الشامل، يجعل من السنة الدراسية الحالية عبئًا ثقيلًا.

إن انهيار العملة اللبنانية إزاء العملات الأخرى وارتفاع أثمان السلع الضرورية وبخاصة المواد التي يعاد بها بناء ما تهدم، يكشف عن ثقل الهموم التي ضاعفت من ضغطها على نفوس الناس وجيوبهم.

نستخلص مما تقدم أن الحرب المجنونة كان لها وجه قبيح آخر غير العسكري، وهو وجه الحرب الاقتصادية والاجتماعية الشاملة والتي لا تقل خطرًا بل هي أكثر سوءًا من الوجه العسكري للحرب التدميرية، فقد كادت هذه الحرب أن تقضي على البنية التحتية لاقتصاد المدينة ولحياتها الاجتماعية والثقافية، الأمر الذي فرض على الناس واقعًا مريرًا عند محاولة بناء ما تهدم أو تعويض الخسائر تمهيدًا لاستئناف دورة الحياة وهذا الجهد الكبير كان من الواجب بذله في تطوير المدينة وإنعاشها، فإذا بالحرب المجنونة تقلب المعادلة وتدفع به إلى الترميم ومحاولة البناء من جديد مما يعني في المحصلة أن طرابلس قد أحبطت اقتصاديًّا لعشر سنوات على الأقل.

المجلس الخيري الأعلى

ومن ضمن إمكانات جبهة الإنقاذ في طرابلس قررت مضاعفة جهودها لتوفير قدرات من الدعم والمساندة والمساعدة لأبناء شعبنا الطيب الصابر المجاهد، حتى يتمكن هذا الشعب من استئناف دورة العمل والحياة ولتحقيق هذا الهدف، قررت الجبهة إنشاء المجلس الخيري الأعلى ليتولى التنسيق بين مختلف بيوت الجبهة ومكاتبها «بيت الزكاة - بيت الشهيد - مكتب الرعاية الصحية - مؤسسة التعليم الديني - مؤسسة إكرام الموتى - هيئات الإغاثة المتخصصة» ومختلف المؤسسات الإنسانية الخيرية. 

ويعمل هذا المجلس في إطار البحث الاجتماعي وتنظيم العمل الاجتماعي والصحي والخيري ومد يد المساعدة للمحتاجين من أبناء شعبنا الطيب، ويكفل الأيتام وأسر الشهداء والجرحى والمعاقين والمرضى والمنكوبين ورعايتهم ومساندة المؤسسات الصحية والتربوية والطلاب المتضررين، ويقبل المجلس الخيري الأعلى المساعدات العينية والمالية والطبية ويتولى توزيعها على المستحقين ضمن اختصاصه.

وقفات لا بد منها

إننا عندما نتقدم بمقترحات لأية جهة كانت من أجل مساعدة طرابلس لابد أن نتوقف عند ما يلي:

1- عند وقوع الفواجع الإنسانية يجب أن تتضافر جهود المخلصين والمحبين للإنقاذ، وينبغي ألا يقفوا مكتوفي الأيدي وخاصة إذا كانت الفجيعة نتيجة حرب أتت على كل شيء.

- إن المقولة التي تقول بعدم مساعدة لبنان أو المسلمين فيه أو طرابلس إلا بعد انتهاء الحروب نهائيًا والتوصل إلى اتفاق شامل هي صحيحة إذا ما قصد منها تطوير البلد والمساهمة الفعالة في تعويض سنوات الحرب العجاف، أما أن يكون الغرض منها عدم المساعدة لإعادة ما تهدم فهي مقولة فيها تعسف لأن هذا يعني أن يترك المنكوب بلا معين، والمتهدم بيته بلا مأوى، وأن يتحول الناس في بلادهم إلى لاجئين، وأن ينال منهم اليأس ويشعرون بمرارة خذلان الأخوة لهم، مع ما يستتبع ذلك من نتائج سلبية على مختلف الأصعدة.

2- إن الدعوى بحصر المساعدات بالغذائية فقط لها وجه إيجابي، إنما تتضمن سلبيات عديدة، فلا يجوز أن يشعر أهل طرابلس أنهم لاجئون، وأن البلاد العربية الأخرى هي «أنروا»لهم وللمسلمين في لبنان، مع ما يرافق ذلك من إذلال نفسي ومعنوي خطير.

3- إن الشعوب الحية المؤمنة هي تلك الشعوب التي لا تقهر عند الكوارث أو عند الفواجع فتجدها تصر على الحياة وتصبر وتقفز فوق العقبات، وتستعلي على الجراح رغم هول المأساة، وشعب طرابلس ولبنان عامة من هذا النوع الفريد، فهو يحاول أن يرمم نفسه وبيته ومجتمعه غداة توقف إطلاق النار، فهو لا يريد أن يتحول إلى لاجئ في بلده أو بلدان سواه، وإن كانت المؤامرات أكبر منه إلا أن الإرادة الصلبة في تجاوز المحنة تدفعه إلى إعادة البناء بالرغم من قصف المدافع، وتلك إرادة الحياة والأمل التي عبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا قامت قيامة أحدكم وبيده فسيلة فليزرعها»، أو كما قال.

4- إن المسلمين في لبنان باتوا يخشون من قبض أيدي العرب عنهم، وهو أمر له خطورته فعندما تقل المساعدات، بحيث تغدو شحيحة أو كالمعدومة يتخبط الناس في متاهات الحاجة، ويرزحون تحت ثقل الضغوط الاجتماعية والحياتية والصحية والتربوية، الأمر الذي يخشى معه تفاعل ثورة اجتماعية باتت نذرها تخطف الأبصار وتهدد بآثارها السلبية قواعد أساسية في حياة الأمة والشعوب، ولن تقف هذه الثورة عند حدود لبنان المتهاوية بل قد تجتاح سائر المناطق.

5- إن تحجيم المساعدات وخاصة الإنسانية منها بحجة الأزمات الاقتصادية، أو استمرار النزف ضمن الحرب اللبنانية الممتدة هي حجة متهافتة، إذ أن هذين السببين بالذات هما بحد ذاتهما دافعان لمضاعفة المساعدة، إذ أن الأزمة الاقتصادية العالمية تأخذ بخناق الناس في لبنان أيضًا بصورة أشد وأقوى، فضلًا عن معاناة الحرب وآثارها الاجتماعية والحياتية المدمرة.

اقتراحات للكويت من أجل طرابلس

ومن منظور أن طرابلس مدينة منكوبة، وأن لها بذمة العرب ديونًا مستحقة الأداء نظرًا لمواقفها الخالدة إزاء قضايا العرب والمسلمين، وفضلًا عن أن دعمها واجب عربي وإنساني وإسلامي، فإننا نتقدم من حكومة وشعب الكويت باقتراحات عملية يمكن أن تضمن حكومة الكويت تنفيذها أو تنفيذ بعضها، وهي:

1- أن تسعى الكويت لإنشاء لجنة إعمار طرابلس بالتعاون مع إخوانها في مجلس التعاون الخليجي، وبالتنسيق مع حكومة لبنان ولجنة الإعمار في المدينة وفعاليات طرابلس الإسلامية.

2- أن تلتزم الكويت بإنشاء حي في طرابلس وبناء ألف وحدة سكنية فيه - على الأقل - لإسكان الأشد فقرًا والأكثر تضررًا.

3- أن تلتزم الكويت تغطية نفقات السنة الدراسية الحالية لجميع الطلاب في مختلف سنوات الدراسة بما في ذلك الأقساط والكتب المدرسية.

4- أن تبني الكويت مجموعة من المدارس المجانية ومبرات الأيتام ومستشفيات ومستوصفات، وأن تنشئ كليات علمية وتطبيقية متفرعة عن جامعة الكويت. 

5- أن تلتزم الكويت بترميم وإصلاح مؤسسات تربوية واجتماعية وصحية ومدها بالمعدات والآليات والتقنيات اللازمة.

ونرى أنه لابد من إرسال وفد كويتي رسمي وشعبي لتقصي الحقائق حول أولويات احتياجات طرابلس وأن يكون الإعمار بإشراف الوفد ومراقبته.

وقد أكد لنا معالي وزير الأوقاف الأستاذ/ خالد الجسار أن مساعدة عينية للمتضررين سوف تكون في طرابلس في وقت قريب، وهو جهد مشكور لمعالي الوزير الذي سيندب مشكورًا من سيقوم بالإشراف على التوزيع وإيصال الخير بشكل مدروس وأمين، كما أن ممثلنا في الكويت الأستاذ/ مبارك المطوع يمكن أن يتلقى أية مساعدات عينية ومالية لإرسالها إلى طرابلس، سواء كانت من الأفراد أو جمعيات أو هيئات.

  • ملاحظة:

حساب جبهة الإنقاذ الإسلامية في الكويت «بيت التمويل الكويتي - رقم 7148/3».

الرابط المختصر :