العنوان ندوة في لندن عن: الجزائر بين العقد الوطني والانتخابات الرئاسية
الكاتب عزام التميمي
تاريخ النشر الثلاثاء 31-أكتوبر-1995
مشاهدات 69
نشر في العدد 1173
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 31-أكتوبر-1995
-المهري: هناك أطراف كثيرة بما فيها بعض دول المنطقة تتخوف من الحل الديمقراطي.
- ولد عدة: الجبهة الإسلامية حاولت تجنب حتمية الكفاح المسلح لتحقيق مشروعها الإسلامي ولكن أعداء الشعب وقفوا ضد ذلك.
بالتعاون بين ندوة لندن للحوار الإسلامي التي يترأسها الشيخ راشد الغنوشي ومركز دراسات المغرب العربي الذي يترأسه الدكتور عبد الحميد الإبراهيمي رئيس الوزراء الجزائري الأسبق، نظمت ندوة في العاصمة البريطانية بعنوان: «الجزائر بين العقد الوطني والانتخابات الرئاسية» شارك فيها السيد عبد الحميد المهري الأمين العام لجبهة التحرير الوطني، والسيد عبد الكريم ولد عدة عضو الهيئة التنفيذية للجبهة الإسلامية للإنقاذ في الخارج، والجبهتان هما التنظيمان الأكبر حجماً في الجزائر، وكانا قد احتلا المرتبتين الثانية والأولى على الترتيب في الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية التي جرت في ديسمبر من عام 1991م، ثم ما لبث مجموعة من الضباط إن انقلبوا عليها وألغوا نتائجها، وعطلوا الجولة الثانية منها مما فجر أزمة لا تزال الجزائر تعاني منها حتى الساعة.
بدأ السيد عبد الحميد المهري الذي جاء خصيصًا من الجزائر للمشاركة في أعمال الندوة حديثه بذكر أهم العوامل التي تؤثر في الوضع الجزائري، وتلعب الدور الأكبر في توجيه الأحداث فيه، وهي:
أولًا: كان الإسلام منذ حركة الأمير عبد القادر عاملًا أساسيًا في شحذ المعارضة ضد الاستعمار، كما كان عامل وحدة وانسجام للمجتمع الجزائري.
ثانيًا: بسبب احتكاكها المباشر بالغرب عرفت الجزائر التعددية وآلية الديمقراطية والانتخابات في جميع المناطق، ووقعت التجارب الانتخابية بكل أنواعها، بل وجعلت من هذه الممارسة سلاحًا للمقاومة.
ثالثًا: نظرا لتفكك الهياكل الاجتماعية التقليدية، فإن المجتمع الجزائري ينزع إلى العدالة الاجتماعية، وكل ما يتعلق بنظافة الحكم اعتقادا راسخًا بمبدأ المساواة بين الناس.
رابعًا: مارس الشعب الجزائري المقاومة المسلحة منذ عهد الاستعمار، وأصبحت الثقافة السياسية لدى عامة الناس مرتبطة بمعنى عدم الخضوع للظلم والاستبداد.
وأعتبر السيد المهري أن اشتداد الأزمة هذه الأيام سببه أن هذه العوامل المهمة التي تكون حركة المجتمع لم تؤخذ بالاعتبار، فلم يؤخذ بعين الاعتبار أن الإسلام مرجع أساسي بالنسبة للمجتمع وحركته تجاه أنظمة الحكم المختلفة، كما لم يؤخذ بعين الاعتبار أن الشعب الجزائري يتوق إلى الممارسة الديمقراطية، وإلى إعطاء رأيه في نظام الحكم وفيمن يتولى السلطة، وأنه يطمح إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، وأنه إذا ما سدت السبل في وجهه فإنه سيلجأ إلى تقاليد المقاومة الشريفة.
ولدى تطرقه إلى الحلول المطروحة أكد أن ثمة حلا واحدًا لا غير، هو الوفاق الوطني بموجب العقد الذي وقعته أحزاب المعارضة الرئيسية في روما إلا أن أطرافًا كثيرة بما في ذلك كثير من دول المنطقة - ولأسباب متنوعة تتخوف من هذا الحل، مما يسمح باستمرار الأزمة.
ثم أجرى مقارنة وصفها بأنها بسيطة بين منهجية العقد الوطني ومنهجية اللجوء إلى ما تسميه السلطة «الشرعية»، من وجهة نظر المتعاقدين في روما.
أولًا: يشكل هذا العقد أرضية مشتركة في إمكانها أن تجمع السلطة وكافة الأحزاب السياسية على أساس أن المفاوضات التي تجري تفضي إلى تعاقد بين كافة الأطراف وصولًا إلى حل شامل للأزمة.
ثانيًا: يفترض عقد روما تناول الأزمة بكافة أبعادها الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ثالثًا: ترتيب الأولويات ترتيبًا طبيعيًا بحيث نبدأ أولًا إيقاف نزيف الدماء وإعادة السلم المدني، ثم تأتي مرحلة إعادة الطمأنينة للمجتمع ثم تأتي مرحلة إعادة الشرعية إلى الشعب.
رابعا التدرج في تطبيق الحلول المتفق عليها بحيث نبدأ بخطوات معقولة لإيقاف العنف ونتدرج حتى ننتهي إلى حالة سلم دائم.
خامسًا: التزامن في الخطوات أو التنازلات بين السلطة وأحزاب المعارضة؛ بحيث إن كل خطوة تتخذها السلطة تقابلها خطوة من المعارضة؛ بحيث نحفظ المصلحة العامة للشعب وللبلاد.
سادسًا: وضوح المرجعية، وهي الدستور الحالي المتفق عليه، والذي أعلن سنة ۱۹۸۹م. وبيان الأول من نوفمبر للثورة الجزائرية، أي أن هناك مرجعية واضحة من شأنها أن تنال القبول.
سابعا: التطبيق المشترك بين السلطة والمعارضة للاتفاق المبرم؛ بحيث إن الاتفاق النظري يلزم الأطراف بإقامة الهياكل اللازمة لترجمة ذلك إلى واقع عملي.
ثامنًا: توفير الضمانات لكل الأطراف حتى يقدم الجميع على الحل في جو من الطمأنينة والرضى لما فيه المصلحة العامة.
وشدد السيد المهري أن ذلك كله يستلزم إنهاء العنف الذي فرضته أخطاء السلطة في الأساس على البلاد، كما يقتضي التعهد من قبل الجميع بنبذ العنف وسيلة للوصول إلى الحكم أو الاحتفاظ به وأما من طرف النظام، فيقابل ما سبق ذكره حسبما وضع السيد المهري النقاط التالية:
أولا: هناك قرار وإصرار على إجراء الانتخابات أو ما تسميه السلطة حل الأزمة عن طريق العودة التدريجية إلى «الشرعية»، وهذا الحل يبدأ بإقصاء أطراف هامة هي أطراف المعارضة على النقيض تمامًا مما يدعو له العقد الوطني.
ثانيًا: القفز على الأبعاد الأمنية والسياسية وتركها بدون حل، ومحاولة القفز راسًا إلى ما يدعى الشرعية وليس من الشرعية في شيء أو بمعنى آخر تصور أن الحل يكمن في انتخاب رئيس الجمهورية، بينما المجابهة اليومية مستمرة، ويذهب ضحية لها يوميًا العشرات أو حتى المئات في بعض الأوقات، وبينما هناك حالة غياب تام للحريات الفردية والجماعية وسيادة مطلقة لحالة الاستبداد.
ثالثا: الأولويات في التصور الحكومي مقلوبة فبدلًا من البدء بإيقاف نزيف الدماء وإقامة المؤسسات الدستورية توحي خطة إجراء الانتخابات الرئاسية بالبدء أولا بإقامة المؤسسات في جو لا تتوفر فيه الطمأنينة ولا الأمن ولا حرية الاختيار بالنسبة للمواطنين.
رابعا: انعدام التوازن وانعدام التزامن بين الخطوات المطلوبة من المعارضة ومن السلطة.
فالسلطة هنا تسمع للجميع ثم تفعل ما تريد.
خامسًا: عدم وضوح المرجعية فالدستور مذكور، ولكنه مقترن بأرضية الوفاق الوطني التي تم التوصل إليها في ندوة لا تلزم الشعب، بل فيها ما يتناقض مع الدستور نفسه، وأما الاشتراك في تنفيذ الاتفاق، فيظل غير وارد ما دامت السلطة تتخذ القرار دون مشاركة الآخرين إلا في التنفيذ، وذلك كما رأينا في آلية الانتخاب، حيث يسمح لأحزاب صغيرة بالمشاركة، ولكن بحدود يقررها القرار الفوقي الذي لا رجعة فيه.
سادسًا: انعدام أي ضمان بالنسبة للمعارضة سواء فيما يخص طبيعة الحل أو خطواته، وإذا كانت السلطة تلجأ إلى تكثيف ما يسمى بالضمانات بدعوة حضور رمزي لبعض الهيئات الدولية والإقليمية فإن ذلك لا يضمن نزاهة الانتخابات بقدر ما يعطي تزكية للممارسة وهذا يحاكي ما يسمح للعالم الثالث بممارسته من الديمقراطية، فالعالم الثالث لا يجوز له أن يطمع في أكثر من ذلك لأنه لا يستحق أكثر، ولذلك فإن الأمم المتحدة وغيرها من الهيئات بقبولها الحضور إنما تعلن مباركتها لنموذج مناقض للديمقراطية الحقيقية.
موقف جبهة الإنقاذ:
ثم تحدث السيد عبد الكريم ولد عدة عضو الهيئة التنفيذية للجبهة الإسلامية للإنقاذ في الخارج وهي هيئة رسمية مكلفة بالعمل السياسي باسم الجبهة خارج الجزائر يرأسها الشيخ رابح كبير الذي يقيم حاليًا في ألمانيا بانتظار أن تبت السلطات الألمانية في طلبه اللجوء السياسي إليها، وتأخر قرارها لأسباب سياسية وكان السيد ولد عدة رئيسًا للمكتب الولائي للجبهة الإسلامية للإنقاذ في مدينة وسط غانم وكان مرشحًا لانتخابات ١٩٩١م، إلا أنه منع من الاشتراك على اعتبار أنه كان قد حوكم في السابق من قبل محكمة عسكرية لنشاطه الإسلامي، وقد استأنف الحكم العسكري، وهو الآن محكوم عليه غيابيا بالسجن لمدة اثني عشر عاما، ويذكر أنه متخصص في علم النفس.
بدأ السيد ولد عدة حديثه عن الأزمة الجزائرية مؤكدًا أنها أزمة سياسية بالدرجة الأولى، وأن المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إنما هي انعكاس للأزمة السياسية، وحاول تلخيص أسباب هذه الأزمة على النحو التالي:
أولًا: منذ الاستقلال بدأ الصراع عنيفًا على السلطة التي اتسمت بعدم الشرعية، إنما اعتمدت على الشرعية الثورية عوضًا عن الشرعية الشعبية.
ثانيًا: بعد الاستقلال مباشرة بدأ خط الانحراف عن المثل التي ضحى من أجلها الشهداء والمجاهدون الأشراف وتحول مشروع الدولة الإسلامية إلى مشروع استيراد نظام لا ينسجم مع قيم وطموحات الشعب، فاجتمع على الناس الاستبداد والتغريب والفوضى.
ثالثًا: تورطت المؤسسة العسكرية في صناعة القرار السياسي، وكان كل من تداول على السلطة عسكري في زي مدني حتى وصل النظام إلى طريق مسدود بعدما استنفذ كل وسائل التمويه والتضليل.
ثم تحدث عن مرحلة القمع السياسي في بداية الثمانينيات، مذكرًا بأن السجون الجزائرية جمعت في تلك الفترة كافة التيارات السياسية من اليمين إلى اليسار بما في ذلك الوسط الإسلامي، وظلت الأوضاع في تململ إلى أن تفجرت ثورة أكتوبر عام ۱۹۸۸م، حينها قرر النظام التحول نحو التعددية، وفتح المجال لتشكيل الأحزاب السياسية فتشكل بضع وخمسون حزبًا، وقال ولد عدة إن النظام أرادها تعددية شكلية، وظن أن نتائج الانتخابات ستكون محسومة له ولأنصاره، وأن هذه المناورة ستنتهي بامتصاص غضب الشعب الذي سئم الظلم والاستبداد، إلا أن وجود الجبهة الإسلامية للإنقاذ غير حسابات النظام وهي التي انبثق مشروعها من عمق الشعب الجزائري ليبعث الأمل في نفوس المخلصين من أبنائه، استطاعت الجبهة أن تحدث تعبئة شعبية عامة لا نظير لها منذ الاستقلال حفزت أفراد الشعب على نبذ الجبن والاتكال إلا أن الدسائس تحركت لتوقظ الفتن النائمة وتوحي إلى أوليائها في مراكز القرار والمرتبطين بالنظام الفرنسي بالتحرك في الوقت المناسب لإجهاض مشروع الجبهة.
ويؤكد ولد عدة أن الجبهة حاولت جاهدة تجنب حتمية الكفاح المسلح في تحقيق مشروعها الإسلامي غير أن أعداء الشعب وقفوا دون تحقيق ذلك. لقد حاولت الجبهة تجاوز هذه الحتمية طالما أن فرص الجهات الأخرى متوفرة فاحتجت على مشروع قانون الانتخاب في ۱۹۹۱م بالطرق السلمية مصرة على إقامة الحجة السلمية على النظام ولكن بدل أن يستجيب النظام لصوت العقل عمد إلى البطش في يونيو من عام ۱۹۹۱م وفي الوقت الذي كانت الجبهة تفاوض النظام كانت قوات الأمن تطلق النار على المعتصمين العُزل، واعتقل الآلاف من الكوادر واعتقلت القيادة لاستدراج الجبهة نحو الصدام فصبرت الجبهة لا خوفًا أو جبنًا، وإنما تجنبًا لجر البلاد إلى حرب دموية، وعلى الرغم من عمق الجراح ضمدت الجبهة جراحها وتحملت آلامها، وعزمت علي فتح صفحة جديدة وطي صفحة القمع بشرط واحد أساسي، وهو ألا ينصب أحد نفسه وصيًا على الشعب، فعلى الرغم من بقاء شيوخ الجبهة رهائن في السجن إلا أن الجبهة قررت الدخول في الانتخابات، وكل ذلك يؤكد إصرار الجبهة على الحوار، وإصرار النظام على العنف والمواجهة.
وأصر ولد عدة على أن العنف في الجزائر ولده عنف النظام، فالجبهة كانت في الأساس غیر مسلحة إلا بالأساليب السلمية، مع أن هذا لا ينكر على الشعب حقه في استخدام الكفاح المسلح للدفاع عن حقوقه التي نصت عليها كل المواثيق الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وقال: لقد حصدت المواجهات خلال السنوات الأربع الماضية أكثر من خمسة وستين ألف قتيل وأربعين ألف معتقل وعشرات الآلاف من الأرامل والأيتام، وعلى الرغم من كل هذه التجاوزات البشعة لم تغلق الجبهة حرصًا منها على الشعب باب المفاوضات لأنها تؤمن بأن الكفاح المسلح وسيلة لا غاية، وإنما الغاية هي التوصل إلى حل عادل يحترم حق الشعب وإسلامه.
وفيما يتعلق بالموقف من حدث الساعة في الجزائر، قال ولد عدة: إن الجبهة ترفض الانتخابات بشكلها الحالي وفي الظروف الحالية وهي في ذلك تتفق مع كافة الموقعين على العقد الوطني، فالظروف اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة غير متوفرة وتعتبر الجبهة الانتخابات مناورة من مناورات الطغمة للبقاء في كرسي الحكم، ولذلك فإن الجبهة ستعمل بكل الوسائل السياسية الممكنة على إفشال هذه المناورة قبل وبعد الانتخابات.
وأما فيما يتعلق بالموقف من تصريحات الرئيس الفرنسي شيراك، فقال ولد عدة إنها تعتبر تدخلًا سافرًا في شؤون بلادنا.
وندد ولد عدة بشدة موقف الجامعة العربية والمنظمات الإقليمية الأخرى التي قبلت تزكية النظام الجائر، وتساءل: لم لا تبذل هذه الهيئات نفس الجهد في تحرير الشعوب من استبداد حكامها؟
وبعد أن انتهى السيد ولد عدة من حديثه فتح المجال للحضور ليعقبوا ويسألوا، ثم عاد المتحدثان الضيفان ليعلقا على ما سمعا ويجيبا على ما وجه إليهما من أسئلة ومما جاء في معرض إجابة مهري على ما طرح عليه.
جبهة التحرير الوطني عندها مشروع هو من وجهة نظرنا إسلامي، واعتقادنا أن الإسلام مرجعية أساسية للمجتمع والدولة، ولكن رأينا أن الدولة تقوم على الآليات الديمقراطية دون التمسك بالمعنى الفلسفي للديمقراطية اللبرالية، نحن ضد كل أنواع الديكتاتوريات حتى لو كانت إسلامية وهذا محل إجماع حتى من قبل الإسلاميين.
موقفنا من الانتخابات ثابت لا يتغير إلا إذا تغيرت سياسة النظام.
الصراعات خلال العقود الخمسة الماضية نتائجها كانت عقيمة والأنظمة الحالية لا هي قومية ولا إسلامية والقوميون والإسلاميون الآن خارج الحكم والمطلوب من التيارين الآن إلقاء نظرة نقدية على الماضي لمصلحة الشعوب.
ليس صحيحًا أنني بررت الذبح في أي تصريح، وإنما الذي قلته إنها ظاهرة عرفناها، وأنه كان البعض أيام الثورة يلجأ إلى الذبح توفيرًا للأسلحة، ثم ما لبث ذلك أن منع منعا باتا لبشاعته.
السلطة ساعدت كل المرشحين للرئاسة دون استثناء. وما يبدو من تناقضات بين مجموعة العقد الوطني إنما سببه محاولة السلطة للإفساد ونشر الإشاعات والعقد سياسي له أبعاد عميقة وليس حلًا توفيقيا بين المشاريع المختلفة، فكل حزب له مشروعه، وحينما تعود الأوضاع إلى طبيعتها ويسترد الشعب حريته في الاختيار فستتنافس أحزاب العقد الوطني على المشاريع والشعب هو الذي يحكم ويختار.
قد تكون جبهة التحرير ظلمت، ولكنها ظلمت أكثر مما ظلمت في الستينيات كانت النزعة الغالبة في العالم الثالث تدفع إلى صيغة الحزب الواحد كصيغة مثالية توصل البلاد النامية إلى حل مشاكلها.
وكقوة سياسية اختارت جبهة التحرير هذا الحل، ثم جاء تقنين الحزب الواحد، وبموجب الدستور أوكل إلى الجبهة الدور السياسي، ثم عدل الدستور ثانية ليعدها حزبًا سياسيًا عاديا ولم تعد جزءًا من الدولة، وحينما تمسكت بتطبيق الدستور سلطت عليها كافة المظالم لأن هناك من أراد أن تبقى ستارًا يستتر به كل المجرمين.
موقفنا من الحوار المعلن بين النظام وبعض الأطراف الموقعة لعقد روما أن الأزمة بلغت من الخطورة ما تتطلب معه جمع الجهود كلها دون إقصاء، وإن أي معالجة ثنائية من شأنها أن تفضي إلى الحل فإننا نصفق لها وفيما يتعلق باتصالات الجبهة الإسلامية بالنظام قلنا إذا كان ذلك يحقن دماء المسلمين فنحن أول من يرسل برقية تهنئة للطرفين، ولكن للأسف في الصحف الكثير مما هو صحيح، والكثير مما هو باطل والادعاء بأننا ضد الحوار بين الجبهة الإسلامية والنظام هو ادعاء باطل من أساسه.
وأما ولد عدة فاعتبر أن الأسئلة الموجهة له تغطي ثلاثة محاور رئيسية: الأول: يتعلق بعقد روما، والثاني حول ما يسمى بالعنف وقدرة الجبهة على التحكم به والثالث حول التجاوزات التي تقع في الساحة الجزائرية، فأما فيما يتعلق بالمحور الأول فقال: «يسال البعض كيف التقت الجبهة مع أحزاب لا تصنف ضمن الأحزاب الإسلامية، لم تلتق أحزاب المعارضة لدراسة مشروع مجتمع جامع لكل هذه الأحزاب، وإنما اجتمعت للبحث عن مخرج سياسي للأزمة التي تتخبط فيها الجزائر حقنا للدماء. وتوفيرًا لجو يضمن للفرد حرية التعبير والاختيار نحن نعتبر أن وثيقة روما هي سابقة، ولعلها تكون نموذجًا للممارسة السياسية الرشيدة التي تتسم بالنضج في العالم الإسلامي والعربي، حيث استطاعت أحزاب ذات برامج وتوجهات مختلفة أن تجتمع على طاولة واحدة وتخرج بوثيقة تظهر الحد الأدنى الذي يمكن أن يجمع عليه الأحزاب لتحقيق المصلحة للشعب في أي وطن.
وأما فيما يتعلق بقضية العنف، فقال السيد عبد الكريم ولد عدة لنا موقف أو رأي من استخدام هذه العبارة، فحين يكون الدفاع عن حق من الحقوق تسمى هذه العملية في كثير من دول العالم غير الإسلامي ثورة مقدسة لأنها تكون لمناصرة الحق والدفاع عن الحريات السياسية ضد الاستبداد، ويكون موتى هذه الثورات شهداء تكتب أسماؤهم في أجمل صفحات كتب تاريخ أممهم، أما حينما يتعلق الأمر بالمجتمع المسلم، وحين يقاوم المسلم الاستبداد، ويدافع عن حقوقه المغتصبة، فيسمى ذلك عنفًا، أما نحن فنسميه جهادًا، ونسميه مقاومة شرعية عادلة، ونسمي موتى هذا الجهاد شهداء، ولذلك فإن على المستخدم لهذه العبارة أن يكون منصفاً، فكيف يسوى عنف الضحية بعنف المعتدي؟ أيجوز ذلك عقلًا أو نقلًا؟ ثم إن ما يقع في الجزائر من جهاد إنما ولدته مؤسسة الإرهاب العسكري والشعب الجزائري يجاهد دفعًا للظلم ولاسترداد حقه في الاختيار، ذلكم الحق المقدس عند الشعوب التي تسمى ديمقراطية، ألم تعلن وثيقة حقوق الإنسان حق الشعوب في الدفاع عن حقوقها المغتصبة.
وأخيرًا.. فيما يتعلق ببعض الظواهر والتجاوزات التي تقع في الساحة الجزائرية فقال السيد ولد عدة: «إننا نؤكد مرة أخرى بعدما أكدنا هذا في بيانات الجبهة من قبل، وفي بيانات الهيئة التنفيذية للجبهة في الخارج، أننا ضد كل العمليات التي تستهدف الأبرياء وتستهدف النساء أو الشيوخ أو الأطفال، أو رجالات ينتسبون إلى أحزاب داخلة في المعارضة، إن مشكلتنا ليست مع هذه الأصناف بل نندد بكل تجاوز في هذا الباب، اللهم إلا إذا ثبت تورط صنف من هذه الأصناف في قمع الشعب مباشرة، وموقفنا هذا منبثق من مبادئ الشرع الإسلامي.