العنوان مثقف السلطة معارضًا (2 من 6) خلط الأوراق وغياب الحقيقة!
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 18-مارس-2006
مشاهدات 63
نشر في العدد 1693
نشر في الصفحة 50
السبت 18-مارس-2006
إذن ما الذي يقصده مؤلف الرهان على المستقبل، بالإشارة إلى الاتجاه الأول؟ أعتقد. وفقًا لمفهوم الهرمنيوطيقا أو التأويل الذي يدعو إليه جابر عصفور في كتاباته . أنه يقصد الانطلاق من تصور تكون قاعدته الإسلام، فهذا التصور لدى التيارات اليسارية، وخاصة الماركسيين، مرفوض تمامًا، حتى بعد سقوط النظرية وازدهار التيارات الدينية المتعصبة في الغرب ودول الاتحاد السوفييتي التي انفرطت عقب انهيار الإمبراطورية الشيوعية.
الماركسيون العرب، ومعهم اليساريون بصفة عامة، يرون أن الدين وخاصة الإسلام سبب التخلف والهزائم ، وهم يحفظون جيدًا مقولات ماركس ولينين وستالين وخروشوف وتطبيقات النظام الشيوعي في استئصال الإسلام في الدول الإسلامية التي استولى عليها، وضمها إلى موسكو المقولات والتطبيقات معروفة، ويحسن أن نستعيد بعضها لمجرد التذكير: يقول «ماركس»: في كتابه «المسألة اليهودية» :«وبديهي أن الدولة تستطيع ويجب عليها أن تمضي إلى حد إلغاء الدين.. إلى محقه....»
ويقول «ماركس»: إن نقد الدين ينقذ الإنسان من الوهم. ثم يطرح معادلة غريبة تقول: «فإما أن الله موجود وهذا يعني أن الإنسان غير موجود، وإما أن الله غير موجود وهذا يعني وجود الإنسان. ويوضح «ليني» موقف الماركسية من الدين بقوله: إن الدين هو مظهر من مظاهر الظلم الروحي الذي تنوء تحته في كل زمان ومكان أستاذ الأدب والنقد، الطبقات الشعبية الرازحة تحت وطأة العمل الدائم لصالح الغير وتحت عبد الشقاء والعزلة. إن الإيمان بحياة أخرى ينشأ بشكل محتوم عن عجز الطبقات المستقلة المجاهدة ضد مستغليها، كما ينشأ الإيمان بالآلهة والشيطان والمعجزات... إلخ، من عجز الإنسان البدائي في صراعه ضد الطبيعة. إن الدين يخدر الذي يشقى كل حياته بأمل مكافأة سماوية فيعلمه الرضوخ والصبر. أما الذين يعيشون من تعب الغير فيعلمهم كيف يمارسون الإحسان في هذه الدنيا، مقدمًا لهم بذلك تعويضًا رخيصًا لاستغلالهم ويبيعهم بثمن بخس بطاقات اشتراك في السعادة السماوية الموهمة الدين أفيون الشعب. إنه نوع مبتذل من الفودكا الروحية يغرق بها عبيد الرأسمال كيانهم البشري ومطالبتهم بحياة لائقة نوعًا ما بالإنسان. ويقول لينين في موضع آخر: يجب أن تحارب الدين، هذا هو الألف باء لكل المادية وبالتالي الماركسية ......» وفي ٢ من أكتوبر ۱۹۲۰م، ألقى «لينين» في اتحاد الشباب الشيوعيين بالاتحاد السوفييتي خطابًا حدد فيه واجبات الشيوعي الأساسية، ومما جاء في خطابه: فالحقيقة أننا ننكر ما تدعيه البرجوازية من أن مبادئ الأخلاق هي أوامر من عند الله، فنحن لا نؤمن بالله ونعلم بأن الملوك ورجال الدين والبرجوازية قد نسبوا الأمور إلى اسم «الله» لتحقيق مآربهم الاستغلالية.. كان خطاب لينين، هذا إيذانًا بحملة معادية للدين، أعقبها وسبقها إلغاء الجمهوريات الإسلامية التي أقيمت في أعقاب انتصار الثورة الشيوعية، وهي ست جمهوريات اتحادية أوزبكستان وكازاخستان وطاجيكستان، وتركمانيا، وقيرغيزيا وأذربيجان، وعشر جمهوريات أخرى إسلامية مستقلة هي التتر البشكير، قرة قلبق داغستان الشيشان والأنجوش، زوت أونش، كبردنيان، الأبخاز أبخازيا.. الأزهر ناكشيفيان وقد اجتاح الجيش الأحمر هذه الجمهوريات جميعًا وضمها إلى الاتحاد السوفييتي قسرًا، وأزال عنها صفتها الدينية وأخذ يمارس عملية تذويب قومي وإلغاء كل ما له صلة باستقلال شخصيتها الوطنية، مع نشاط دعائي واسع ضد الدين، وإنشاء مؤسسات إلحاد رسمية «دور نشر رسمية، دورات دراسية للتدريب على مكافحة الدين، مظاهرات صاخبة تهتف بسقوط الله والدين، صحف رسمية لنشر الإلحاد، روابط للملحدين...»
عهد استئصال الدين
وفي عهد ستالين، بدأ التطبيق العملي لاستئصال الدين إغلاق المطابع ودور النشر التي تنشر كتبًا دينية، تغيير حروف الهجاء العربية عند المسلمين وإحلال حروف لاتينية مكانها، تحريم حق التصويت على علماء الدين المسلمين ورجال الدين غير المسلمين مع فرض ضرائب فاحشة عليهم. وعقب ذلك طلب البوليس السري الشيوعي من علماء الدين التوقيع على بيان تنشره الصحف يقرون فيه: إن الإسلام هو خديعة للشعب ولهذا قرروا خلع أرديتهم الدينية بعد أن اكتشفوا حقيقة الخديعة وأنهم لم يعودوا مؤمنين ..... وقد وقع على البيان عدد قليل منهم. أما الأكثرية العظمي فقد رفضت وكان جزاؤها النفي الجماعي إلى سيبيريا. وفي عهد ستالين، تم إغلاق المساجد وتحويلها إلى كباريهات «نواد ليلية»، أو مستودعات لخزن الحبوب، أو هدم ما لم يستطع تحويله إلى ناد أو مستودع، وعلى سبيل المثال أغلق ستالين ما بين عام ۱۹۲۹ وعام ١٩٣٤م أربعة عشر ألف مسجد في تركستان، وستة آلاف مسجد في بشكير وأربعة آلاف مسجد في شمال القوقاز وألف مسجد في شبه جزيرة القرم «راجع المزيد من مقولات وتطبيقات الماركسية حول الدين في نهاد الغدري حقائق الشيوعية ط ، مطابع دار الغد أيلول ١٩٦٩م». لقد سردت ما سبق حول موقف الماركسية من الدين عامة والإسلام خاصة لأن اليساريين في بلادنا عامة مازالوا أسرى للفكر الشيوعي الرافض للإسلام حتى بعد سقوطه، وتجاوزه، وعودة الشعوب التي حكمتها الشيوعية وكافحت دينها، إلى الدين إسلامًا أو مسيحية مرة أخرى. بيد أن بعض مثقفينا اليساريين مازالوا يلحون على الترويج لكراهية الإسلام، وعده عائقًا أمام صنع المستقبل، ولا أظنها مفارقة، أن يتشبث جابر عصفور بالإشادة بأدونيس، وكلماته التي لا ترى في حضارتنا إلا ظلامًا ورملًا وغربانًا وبداوة ونفطًا، وأدونيس، هو الذي أعلن في العدد الأول من مجلته «مواقف» التي صدرت عام ١٩٦٨م، وفي الأعداد اللاحقة، موقفه الصريح بالعداء للدين، وذكر مقولات لينين حول ضرورة نقد الدين، ورأى أن ذلك هو خلاص الأمة المهزومة «كانت هزيمة ١٩٦٧م مازالت تدمي الأرواح والنفوس»، ولم يتخل أبدًا عن ذلك الرأي فقد كرره بصياغات أخرى في مقالاته وأشعاره وأبحاثه وندوة برشلونة ومؤتمر الخطاب الثقافي الذي انعقد بالمجلس الأعلى للثقافة بإشراف جابر عصفور في أول يوليو عام ٢٠٠٣م.
استبعاد العصر الذهبي؟
العصر الذهبي المتخيل في الماضي إذن. هو عصر انتصار الإسلام وازدهار حضارته وهو ما لا يريد مؤلف «الرهان على المستقبل» استعادته أو إحياءه، لأنه أمر مستحيل وغير ممكن، وأقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة، ويريد قطيعة معه «فكرة الانقطاع هي لب الحداثة الأوروبية لا التحديث!» بيد أن نظرة إلى حقائق الصراع الإنساني والتقدم الحضاري تشير إلى ضرورة وجود فكرة ما يلتف حولها المجتمع أي مجتمع، سواء كانت هذه الفكرة فلسفية أو دينية أو تاريخية أو ثقافية.. لا توجد نهضة من فراغ، ولا يوجد تقدم دون أيديولوجية والنهضات الحديثة في عالمنا المعاصر تؤكد ارتكازها فوق «فكرة ما»... أهل اليابان والصين والهند وماليزيا وتايلاند وأندونيسيا وإيران على سبيل المثال، نهضوا انطلاقًا من «فكرة ما»، بل إن الكيان النازي الصهيوني في فلسطين المحتلة، يصنع لنفسه «فكرة ما» تحقق له الأيديولوجية التي يقوم عليها، وينتصر بها. ويهزمنا، وينهض نهوضًا بارزًا في المجالات العلمية والعسكرية والاقتصادية والعمرانية.. حتى دول أوروبا وأمريكا تؤسس «لفكرة ما» مع أنها انقطعت لفترة ما عن الدين وسمحت لنفسها أن تغتال البشرية وتنهبها باسم الاستعمار تارة وباسم العولمة تارة أخرى! ومع ذلك كله، فأزعم لمؤلف «الرهان على المستقبل» أن هذا التصور باستعادة الماضي الزاهر غير موجود في أية خطة سياسية في العالم العربي.. وأكون شاكرًا لو دلني عليه وعرفني به. وأيضًا لا توجد خطة سياسية تنظر إلى المستقبل وتؤسس له وفقًا «لفكرة ما» على امتداد المساحة من المحيط إلى الخليج لسبب بسيط، وهو أن من يعنيهم الأمر مشغولون بخطة واحدة تقريبًا. هي استمرار الحكومات القائمة إلى الأبد. دون أن يزعجها أحد، فضلًا عن أن يزيحها. لأن الاستقرار خير وأبقى.. فتعمل هذه الخطة على إشغال الناس بتوافه الأمور، مع تسطيح وعيهم من خلال تشكيل كتائب المثقفين والفنانين الذين يمسحون الذاكرة القومية، ويروجون للتماهي مع القيم والسلوكيات التي تشبع الفرد بيولوجيًا وتنسيه قيم الحق والعدل والكرامة، فضلًا عن الحرية لو استعادت أية حكومة خطة الماضي الزاهر، فهي بلا شك ستستفيد من الثوابت والقيم التي تحض على الحرية والشورى والعمل والتفاني في سبيل المجموع، لا الفرد، وستستدعي بالضرورة أمثلة للبطولة ونماذج للتضحية، أسست لبناء قوي منتصر يؤكد على قيم العلم والمعرفة والثقافة، فضلًا عن الإيمان بالله خالق الكون وسند عباده في المحن والهزائم، وناصرهم على أعدائهم حين يأخذون بشروط النصر وأسبابه.
لا توجد لدينا ثقافة ماضوية غالبة، ولا ثقافة مستقبلية مغلوبة الموجود لدينا هو وعي زائف، وقهر دائم تمارسه الطبقات الحاكمة، لتسحق الإنسان العربي المسلم وتحوله إلى مجرد كائن بيولوجي يبحث عن الإشباع المادي وحسب. لقد سرقت هذه الطبقات الحرية، واستعانت بوكلاء معدومي الضمير ينطقون أو يتكلمون ويكتبون أو يشخصون ما تريد توصيله إلى الناس من كذب وبهتان يسوِّغ القصور والتقصير، ويقنع بتقبل الهزائم والانكسارات. وللأسف فإن هؤلاء الوكلاء وجدوا ضالتهم في الطبقات الحاكمة فتحالفوا معها وتخلوا عن معتقداتهم وأفكارهم عدا كراهية الإسلام من أجل المصالح المادية والمنافع المعنوية التي يحصلون عليها جراء قيامهم بالجزء المتعلق بهم في التحالف.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل