العنوان تونس: المصالحة الكبرى لرفع التحديات وكسب الرهانات
الكاتب عبدالباقي خليفه
تاريخ النشر الأحد 01-مايو-2016
مشاهدات 82
نشر في العدد 2095
نشر في الصفحة 36
الأحد 01-مايو-2016
حث الإسلام على اجتماع الكلمة، ووحدة الصف، وتغليب المصلحة الوطنية العامة على المصلحة الشخصية أو الفئوية الخاصة، وهذا ينتج عنه الاتجاه بصورة كبيرة نحو الاستقرار الاجتماعي، واندثار بعض المظاهر الاجتماعية السلبية؛ وهذا ما بدأت تتجه إليه تونس مؤخراً؛ حيث كشف تقرير «المرصد الاجتماعي التونسي»، عن شهري فبراير ومارس، عن تسجيل شهر مارس انخفاضاً في عدد الاحتجاجات الاجتماعية، وحالات الانتحار ومحاولات الانتحار من 650 احتجاجاً في الشهر الثاني إلى 550 احتجاجاً في الشهر الثالث، و83 حالة انتحار أو محاولة انتحار في شهر فبراير إلى 43 حالة في شهر مارس، وكانت الأرقام في الشهر الأول من هذا العام أكبر مما تلاه.
لكن اللافت هو أن العاصمة أصبحت هدفاً للاحتجاجات؛ حيث ينتقل المحتجون من مناطقهم النائية إلى العاصمة للاحتجاج لتمركز الإعلام المحلي والدولي فيها، ولقربها من السلطة المركزية.
وتأتي الاحتجاجات الاجتماعية في المرتبة الأولى، ثم الاقتصادية، ثم التعليمية، ثم السياسية، وكانت هناك احتجاجات لها علاقة بقطاع الزراعة والصيد البحري والصناعة كالتي شهدتها في منتصف شهر أبريل جزيرة قرقنة، فضلاً عن إشكاليات قطاع التمور، وإنتاج الحليب، حيث يضطر الفلاحون لسكب 300 ألف لتر من الحليب شهرياً لعدم قدرة المصانع على استيعاب الكميات الكبيرة من الحليب في تونس، علاوة على مشكلات في تسويق الطماطم والدواجن والمواشي والأسماك.
من جهة أخرى، هناك مشكلات الماء الصالح للشرب والذي ينقطع عن العديد من المواطنين، رغم أنه لم يبلغ الذروة بعد والتي تصل منتهاها في فصل الصيف، يضاف إلى ذلك مشكلات التجارة الموازية التي يعيش منها الكثير من الناس، وتسبب احتكاكات وأحياناً صدامات مع الجهات الرسمية ولا سيما الأمن والجمارك.
مطالب ووصفات: وفي غياب حلول جذرية لهذه المشكلات وغيرها، استمرت التوترات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأخذت بُعداً سريالياً أدى إلى إبعاد عمار الينباعي عن وزارة الشؤون الاجتماعية، وهو المعروف بقربه من الاتحاد العام التونسي للشغل، ويقال: إن الاتحاد هو من اقترحه للمنصب بادئ ذي بدء، وبعد ما يقال عن تراجع الحكومة عما وصف بمشروع إصلاح الأنظمة الاجتماعية المهددة بالإفلاس، زاد الطين بلة ما أعلن عنه الوزير الحالي محمود بن رمضان من أن الأزمة مردها «ارتفاع منح التقاعد»، ويقول الاتحاد: إن نسبة التغطية في رواتب التقاعد لا تتجاوز 72%، وهو معدل يقارب المعدلات العالمية.
وفي خضم هذه الحالة، يطالب البعض بتطبيق قانون المالية الخاص بالضرائب الذي تم التصويت عليه داخل مجلس نواب الشعب، والذي يشمل الأطباء والمحامين، كما هناك من يطالب بسن ضرائب جديدة على رؤوس الأموال، حيث يؤكد رئيس الجمعية التونسية لمكافحة الفساد، إبراهيم الميساوي، أن 40% من الشركات لا تدفع الضرائب و60% من الشركات المصدرة معفية منها.
وتابع في حوار نشرته صحيفة «الأنوار» التونسية بتاريخ 16 أبريل: هناك خسارة سنوية تقدر بـ15 ألف مليار جراء تضخم الاقتصاد الموازي، والشركات الكبرى لا تدفع سوى 10% مما يجب عليها أن تدفعه، وختم كلامه بالقول: إن مئات الآلاف من ملفات الجرائم جاهزة للحسم، وهناك من يطالب بمراجعة إجراءات تحفيز الصادرات التي تمنح 6200 رجل أعمال سنوياً مبلغ 100 ألف يورو من خزينة الدولة لكل فرد، من أجل المشاركة في المعارض الدولية، ومن ذلك دفع رجال الأعمال لإعطاء قروض للشباب على قدر المبلغ يتم سدادها على مراحل ليستفيد الجميع من المال العام، وهو ما يعد جزءاً من فكرة مشروع المصالحات الكبرى (من مداخلة للكاتب باتحاد الصناعة والتجارة التونسي)، وهناك مطالب بتخفيض رواتب موظفي الدولة ولا سيما الرواتب الضخمة.
خلط الأوراق
يعد هذا المخاض طبيعياً، لا سيما أن الركام والتراكمات عليه تعود لعقود ما بعد الاستقلال المنقوص، أو الاحتلال غير المباشر، ولا شك بأن الاحتلال استنزف خيرات البلاد، وواصل ذلك النهب بعد ما يسمى بالاستقلال، وهناك الكثير من الاتفاقيات التي تؤكد ذلك المتعلقة أساساً بالطاقة والغذاء والتجارة، والبنوك، ولا شك أن مسار التوافقات وما يطلق عليه «المصالحات الكبرى» لا ترضي بعض القوى المتنفذة داخل تونس وخارجها؛ لذلك فهناك لعبة محاولة تشكيل كتلة برلمانية تحظى بالأغلبية داخل مجلس نواب الشعب، من أجل إسقاط حكومة حبيب الصيد، وإقصاء حزب حركة النهضة.
لكن المتضرر الأول من هذه المساعي، التي وصفت بالفاشلة، هو حزب «نداء تونس» الذي اتهم حزب «آفاق تونس» بالتآمر، جاء ذلك على لسان الناطق الرسمي باسم النداء، عبدالعزيز القطي، في حوار مع جريدة «المغرب» التونسية، وقال أيضاً: حزب آفاق تونس حزب صغير، لديه 8 مقاعد لكنه يريد أن يمارس دوراً أكبر منه، ويطالب بأن يكون رئيسه ياسين إبراهيم رئيساً للحكومة.
وتابع: يشترك في مؤامرة مع الشق المنشق عن النداء مشروع تونس، وأطراف أخرى لتشكيل أغلبية وتفتيت الائتلاف الحاكم، وتقسيم نداء تونس أكثر، وهو ما نفاه متحدث باسم آفاق تونس الذي أكد تمسك حزبه بالائتلاف، وقد ردت حركة النهضة على ذلك بقول الناطق الرسمي باسمها أسامة الصغير: إن الحركة متمسكة بالائتلاف الحاكم، ولا ترغب في تغيير الحكومة، كما لا ترغب في الدخول في صراعات مع بقية حلفائها.
انتصارات الغنوشي
«كسب الخصوم أفضل من هزيمتهم».. هذا سر انتصارات رئيس حزب حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي، والدليل على ذلك ما جاء في صحيفة «الشروق» في عددها الصادر يوم 18 أبريل 2016م - وهي المعروفة بعدائها للنهضة قبل الثورة وبعيدها - حيث يقول أحد صحافييها (خالد حداد) في مقال له: الغنوشي الذي تربى على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في العفو والصلح المسكون بنموذج «مانديلا» الذي أخرج بلاده من ظلام الفرقة والانقسام لنور الوحدة ودفن الأحقاد مع أعداء الأمس.
وتضيف الصحيفة، تعليقاً على دعوة الغنوشي لعفو وطني عام، وتكريس المصالحات الكبرى بأنها كانت رسائل في كل اتجاه: رسائل إلى الانقلابيين بأن المرحلة ليست مرحلة الكيد والتربص بالآخر، ورسائل للمتضررين من سقوط نظام «بن علي» بأن الثورة ليست انتقاماً ولا تشفياً، بل وضع الأمور في نصابها والتوصل إلى تسويات، ورسائل إلى من يحاول الوقيعة بين السبسي والغنوشي بأن ذلك الأسلوب فاشل، وأن التحالف بين الطرفين ليس مرحلياً ولا تكتيكياً وإنما إستراتيجياً.
وكان الغنوشي قد دعا إلى طي صفحة الماضي، ومن ذلك تمكين الضحايا من التعويضات اللازمة.
ومما قاله الغنوشي: اقترحت على الرئيس الباجي قايد السبسي طي صفحة الماضي، وتسوية ملف العفو العام (المثير للاضطرابات الاجتماعية)، وتكوين صندوق وطني لتعويض الضحايا حتى تتوجه تونس للمستقبل متخففة من أثقال الماضي متضامنة متغافرة متعافية من كل الأحقاد والثارات، وتابع: بلادنا لم تعد تتحمل وجود أناس ممنوعين من السفر، ومهددين بالسجن، ومحرومين من العمل (يعكسون جزءاً من عمليات التحريض)، بلادنا لم تعد تتحمل هذه الأوضاع، وقد أيد الرباعي الحاكم هذه المبادرة التي ينتظر أن تمتص ثلاثة أرباع التوترات القائمة في البلاد.>
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل