العنوان كيوم ولدته أمه
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر الأربعاء 01-أكتوبر-2014
مشاهدات 294
نشر في العدد 2076
نشر في الصفحة 56
الأربعاء 01-أكتوبر-2014
أيها الحاج.. يجب أن تكون رحلة حجك ميلاداً جديداً لك تخرج بها من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة
ليس لكل حاج أن ينقَّى من ذنوبه كيوم ولدته أمه وإنما ذلك الفضل لمن لم يرفث أو يفسق
إنها رحلة العمر ونزهة المشتاقين نأخذ منها الدروس والعبر ونشحذ فيها إيمان القلوب
ـ رحلة نسير فيها جنباً إلى جنب مع قافلة المؤمنين إلى البلد الأمين
هل نظرت يوماً إلى المولود وقد وضعته أمه طاهر القلب نقياً، بريئاً لا يعرف في دنياه شراً، ولم يقترف فيها إثماً، لا يُكِنُّ لأحد بغضاً ولا حقداً ولا كرهاً.
إن عينيه البريئتين تنطق بذلك الحب الطاهر، وإن قلبه الصغير ليوحي بالبراءة والنظافة، فمازال غضاً طرياً لم تلوثه الدنيا بفتنتها، ولم تلهه ببريقها، ولم تصرفه عن غاية وجوده فيها، بل ولم تزاحم حب الله في قلبه الصغير النابض بلسان الفطرة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة.."، أفلا تحب أن تصير إلى ما كان عليه ذلك المولود من طهر وطهارة وصفاء ونقاء سريرة، وكأنما ولدت من جديد بقلب نظيف سليم من الذنوب والأوزار؟!
لا شك أن هذا المولود في خروجه إلى الدنيا مرّ بفترات عصيبة ولحظات شدة خضع فيها لربه وخالقه واستسلم فيها لأقداره العادلة ليخرج بعدها إلى الحياة بفطرته السليمة التي فطره الله عليها، بشراً مكرماً، ولو تمعنا في رحلة الميلاد لوجدناها عجباً، فمن بين الظلمات الثلاث خرج المولود إلى النور، ومن ضيق الرحم إلى سعة الأرض، ومن الشدة إلى الفرج، ومع المعاناة ومصارعة الآلام خرج إلى دنيا البشر إنساناً سوياً ومولوداً نقياً.
أفلا يجدر بك أيها الحاج - مع فارق الشبه - أن تكون رحلة حجك رحلة ميلاد جديد لك تخرج بها من ظلمات المعصية إلى نور الطاعة، ومن ضيق النفس بالشهوات إلى انشراحها بالطاعات، ومن مصارعة الشيطان إلى قوة الإيمان، ومن شدة لأواء السفر ومتاعبه إلى الراحة والسكينة في بيت الله حيث الرحمة والغفران والولادة من جديد؟
الحجة المبرورة
هل تحب أن تحلق في آفاق الكون الواسع حتى يصل بك المطاف إلى بيت الله العتيق، وهناك تتخفف من أحمالك وتتخلص من أوزارك فتصير خالياً منها، كيوم ولدتك أمك؟ ألم يأخذك الحنين ويطير بك الشوق إلى هناك حيث عرفات الله يباهي بك الله ملائكته فترجع مغفوراً لك، كيوم ولدتك أمك؟ أفلا تريد أن تحج إلى بيت الله حجة مبرورة ترجع معها بذنب مغفور وقلب نقي غير مأزور، كيوم ولدتك أمك؟
إذا أردت ذلك فخذ بأسبابه وحيّ على شد الرحال لبيته، وحيّ على طرح الذنوب ببابه.
إن من رحمة الله تعالى بنا أن جعل لنا من أنفسنا على أنفسنا حسيباً ومراقباً ومربياً وداعياً إلى الخير، قد يسر لنا سبل ذلك الخير ووفقنا لسلوكها، وجعل للإنسان مراحل في حياته يقطعها، وفيها يحط أثقاله ويعود لخالقه بالتوبة والأوبة، ينفض عن قلبه ما تعلق به من صنوف الصوارف عن الطاعات، ويعود بنفسه إلى سالف الطهر والنقاء والفطرة السليمة التي كان عليها يوم أن وُلِد، وإن بإمكان كل منا بفضل الله أن يكون كهذا المولود فيولد مثله من جديد بلا أوزار أو خطايا؛ وذلك بحج بيت الله الحرام وشد الرحال إليه، يأخذ من طهره طهراً، ويكتسب من قربه قرباً، ويزداد مع حرمته حرمة، ولن يكون ذلك إلا بحجة طاهرة مبرورة تقع على الوجه المطلوب وبالطريقة المشروعة التي يتأدب فيها بآداب حجه قبل أدائه وفي أثنائه وبعد الانتهاء منه؛ ليعود كيوم ولدته أمه، فتصير بالنسبة له هي أعظم رحلة.. ويؤكد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري: "من حج لله، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه".
فليس لكل حاج أن يولد من جديد، أو ينقَّى من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وإنما ذلك الفضل لمن حج لله فلم يرفث فيقول فحشاً، ولم يفسق فيخرج عن حد الاستقامة بفعل معصية أو جدال أو مراء، من الفسوق وهو الخروج عن حدود الشريعة من قول أو فعل، وإنما هذا الفضل لمن أدى قبل أن يحج حقوق العباد، وسارع بأداء فريضة الحج بشروطها وآدابها المشروعة، ولسان حاله: "وعجلت إليك رب لترضى"، وتلك هي الحجة المبرورة التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: "وليس للحجة المبرورة ثواب إلا الجنة" (رواه أحمد وصححه السيوطي)، وقد قيل: إن المراد بها الحج المقبول الذي لا يخالطه شيء من الإثم، وأنه الحج الذي وفيت أحكامه فوقع موافقاً لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل.
كيوم ولدته أمه
فإذا أردت أن تحلق في آفاق الطاعة الرحبة فتطير بقلبك في رحلة علوية تسبح معها الروح في بحر الاشتياق والتحنان للحج والزيارة، كما تعيش فيها بجسدك وتتنزه وترتع في رياض الطاعة وتلبية نداء الله، رحلة تتصل معها الأرض بالسماء بتعانق عبادة الجسد مع تعلق الروح، وحين يعاني الجسد ثقل الطين وجاذبية الأرض، تخلصه الروح بالشوق إلى الله والالتجاء إليه، وزيارة بيته، فيهفو بجسده وروحه لأداء الحج.
إن الحج إلى بيت الله الحرام فريضة العمر، وهو واجب على كل مسلم متى توافرت فيه شروط وجوبه؛ وهي البلوغ والعقل والحرية والاستطاعة، وفي أداء هذا النسك العظيم يتخلص الحاج من أوزاره، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: "منْ أضحَى يوماً مُحْرِماً مُلبياً حتى غربتِ الشمسُ، غربتْ بذنوبِهِ، فعادَ كمَا ولدتْهُ أمُّهُ" (حسنه السيوطي)؟ وقال عمن يحج: "فإنَّ له حينَ يخرُجُ مِن بيتِه أنَّ راحلتَه لا تخطو خُطوةً إلَّا كُتِب له بها حَسنةٌ أو حُطَّت عنه بها خطيئةٌ، فإذا وقَف بعرَفةَ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ ينزِلُ إلى السَّماءِ الدُّنيا فيقولُ: انظُروا إلى عبادي شُعْثاً غُبْراً اشهَدوا أنِّي قد غفَرْتُ لهم ذُنوبَهم وإنْ كان عدَدَ قَطْرِ السَّماءِ ورَمْلِ عالجٍ، وإذا رمى الجِمارَ لا يدري أحَدٌ ما له حتَّى يُوفَّاه يومَ القيامةِ، وإذا حلَق رأسَه فله بكلِّ شَعرةٍ سقَطَتْ مِن رأسِه نورٌ يومَ القيامةِ، وإذا قضى آخِرَ طوافِه بالبيتِ خرَج مِن ذنوبِه كيومَ ولَدَتْه أُمُّه" (أخرجه ابن حبان في صحيحه).
رحلة العمر
إنها رحلة العمر، ونزهة المشتاقين، نأخذ منها الدروس والعبر، ونشحذ فيها إيمان القلوب، نسير فيها جنباً إلى جنب مع قافلة المؤمنين إلى البلد الأمين، فنؤدي فريضة العمر راضية بها نفوسنا، نفوز فيها بجوائز الحج، ونقوم بتعظيم الحرمات، ونمضي مع حجاج بيت الله الحرام ضيوفاً على الرحمن، تتجدد أمامنا ذكرى نزول الوحي على خاتم الأنبياء، ونعيش حيث خطب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم خطبته العظيمة في حجة الوداع، نلبي مع الحجيج تلبية الألسنة والقلوب، ونقف معهم على عتبات المغفرة حين نجيب داعي الله، فلبيك اللهم لبيك، لبيك بالإيمان والإسلام والتوبة والإنابة، لبيك بحب كتابك والسير على منهاجك، لبيك بقلب سليم، لبيك بالثبات على الدين، لبيك بصدّ الشيطان، لبيك بوحدة المسلمين، لبيك اللهم لبيك ونحن نركب سفينة الأمان إلى بيتك العظيم؛ "ومن دخله كان آمناً".
فهل نلحق معاً بالركب المبارك – ركب الحجيج - في سفينة النجاة من بحر الحياة الزاخر بأمواج الشهوات والزخرف والبريق، فيكون موسم الحج لنا جميعاً رحلة التغيير الحقيقي إلى الأحسن، وطريق الوصول الصحيح إلى باب القبول، ومحل حط الأثقال وإلقاء الذنوب.. أفلا تحب أن تولد من جديد؟!
هيا إلى المغفرة
وإذا كان الحاج في رحلته إلى بيت الله الحرام يغفر له ويرجع كيوم ولدته أمه، فهل يستطيع أن يلحق به في ركب المغفرة إخوانه ممن لم يستطيعوا الحج ولم تتيسر لهم أسبابه؟ قد يكون لهم ذلك بالنية الصادقة أن يحجوا متى تحققت لهم الاستطاعة، فعن أنس أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رجع من غزوةِ "تبوكَ"، فدَنا منَ المدينةِ، فقال: "إنَّ بالمدينةِ أقواماً، ما سِرتُم مسيراً، ولا قطعتُم وادياً إلا كانوا معكم"، قالوا: يا رسولَ اللهِ، وهم بالمدينةِ؟ قال: "وهم بالمدينةِ، حبسهُمُ العذرُ" (رواه البخاري).
بالوضوء والصلاة: وفي الحديث: "ما من مسلمٍ يتوضأ فيُسبِغُ الوضوءَ، ثم يقومُ في صلاتِه، فيعلمُ ما يقول، إلا انفتَل، وهو كيومِ ولدَتْه أمُّه" (صححه الألباني).
بالصبر: قالَ تعالى في الحديث القدسي: "إذا ابتليتُ عبداً منْ عبادِي مؤمناً فحمدَنِي وصبرَ على ما بليتُهُ؛ فإنَّه يقومُ منْ مضجعِهِ ذلكَ كيومِ ولدتُه أمُّه منَ الخطايا" (حسنه السيوطي).
بالذكر: "ما جلس قومٌ يذكرون اللهَ عزَّ وجلَّ إلا ناداهم منادٍ من السماءٍ: قومُوا مغفوراً لكم، قد بُدِّلَتْ سيئاتُكم حسناتٍ" (صححه الألباني)
بالثبات: قال تعالى: "وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى" (82 طه)، قال وكيع عن سفيان: كنا نسمع في قوله عز وجل: "وإني لغفار لمن تاب"؛ أي من الشرك، "وآمن"؛ أي بعد الشرك، "وعمل صالحاً"؛ صلى وصام، "ثم اهتدى"؛ مات على ذلك.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل